عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: ((صَلَّيْتُ أَنَا وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ خَلْفَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. فَكَانَ إذَا سَجَدَ كَبَّرَ , وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ كَبَّرَ , وَإِذَا نَهَضَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ , فَلَمَّا قَضَى الصَّلاةَ أَخَذَ بِيَدِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ , وَقَالَ: قَدْ ذَكَّرَنِي هَذَا صَلاةَ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - أَوْ قَالَ: صَلَّى بِنَا صَلاةَ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -))
الأحكام الفقهية المستنبطة من الحديث:
الفرع الأول: حكم تكبيرات الانتقال في الصلاة
دلت جملة الحديث (إذَا سَجَدَ كَبَّرَ...) على مشروعية التكبير عند كل خفض ورفع، واختلف الفقهاء في حكمه (هل هو سنة أم واجب؟) على قولين:
القول الأول (الجمهور): ذهب الحنفية، والشافعية، والمالكية إلى أن تكبيرات الانتقال سُنّة مؤكدة من سنن الصلاة، لا تبطل الصلاة بتركها عمداً ولا سهواً، ولا يجب بتركها سجود السهو (وإنما يستحب عند المالكية والشافعية). واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلمها للمسيء صلاته، فدل على عدم الوجوب. (يُنظر: المجموع للشرحجي الشافعي، فتح القدير لابن الهمام الحنفي، الشرح الكبير للدردير المالكي).
القول الثاني (الحنابلة): ذهب الإمام أحمد بن حنبل في المعتمد من المذهب إلى أن تكبيرات الانتقال واجبة، تبطل الصلاة بتركها عمداً، وتسقط سهواً ويجبر بسببه بسجود السهو، واحتجوا بمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم عليها كما في حديث الباب، وبقوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي». (يُنظر: المغني لابن قدامة الحنابلة، الإنصاف للمرداوي).
الفرع الثاني: محل تكبيرات الانتقال وزمانها
دل قوله: (فَكَانَ إذَا سَجَدَ كَبَّرَ...) على اقتران التكبير بالفعل، واختلف الفقهاء في امتداد هذا التكبير ومحله:
القول الأول: ذهب الشافعية والحنابلة وجماعة إلى أن التكبير يبدأ مع ابتداء الانتقال وينتهي بانتهائه، فيمده من ابتداء الهوي إلى السجود مثلاً، ليكون محشوراً بين الركنين. (يُنظر: مغني المحتاج للشربيني، كشاف القناع للبهوتي).
القول الثاني: ذهب الحنفية والمالكية إلى أنه يكبّر مع الشروع في الحركة، ولا يُشترط مده إلى نهايتها، بل يجزئه إن أتى به في جزء من الانتقال. (يُنظر: حاشية ابن عابدين الحنفي، مواهب الجليل للحطاب المالكي).
الفرع الثالث: التكبير عند النهوض من الركعتين (التشهد الأول)
دل قوله: (وَإِذَا نَهَضَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ) على التكبير عند القيام للركعة الثالثة، واختلفوا في وقت الشروع فيه:
القول الأول: ذهب الشافعية والحنابلة وجمعة إلى أنه يبتدئ التكبير من حين يرفع رأسه من الجلوس، ويمده حتى يستوي قائماً. (يُنظر: الروض المربع للبهوتي، المجموع للنووي).
القول الثاني: ذهب الحنيفة والمالكية إلى أنه يجلس ثم يكبّر عند إرادة النهوض أو مع ابتدائه دون اشتراط مده إلى تمام القيام. (يُنظر: الشرح الصغير للدردير، فتح القدير لابن الهمام).
الفرع الرابع: مشروعية الجهر بالتكبير للإمام لِيُسمع من خلفه
دل الحديث من خلال صلاة علي رضي الله عنه وسماع مطرف وعمران له على مشروعية جهر الإمام بالتكبير ليقتدي به المأمومون.
موضع الاتفاق: اتفق فقهاء المذاهب الأربعة على أن الإمام يُسنّ له الجهر بتكبيرات الانتقال والإحرام ليُسمع المأمومين، وأن المأموم والمنفرد يُسرّون به ولا يجهرون إلا بقدر ما يُسمعون أنفسهم. ولحصول الاتفاق في أصل الفرع، لم نتعرض للخلاف في تفاصيله. (يُنظر: بدائع الصنائع للكاساني، المدونة لسحنون، المجموع للنووي، المغني لابن قدامة).
الفرع الخامس: الرد على من أنكر التكبير أو تركه من الأمراء
دل قوله: (قَدْ ذَكَّرَنِي هَذَا صَلاةَ مُحَمَّدٍ) على أن التكبير التام كان قد تُرِك أو نُسِي من قبل بعض أمراء وبني أمية في ذلك العصر (الذين كانوا يخفضون الصوت أو يتركون التكبير).
موضع الاتفاق: اتفق العلماء ومصنفو شروح الحديث على استحباب تذكير الناس بالسنن التي هُجرت أو غفل عنها الحكام أو العوام، وأن فعل علي رضي الله عنه كان إحياءً للسنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم التي كادت تندرس في ذلك الموضع. (يُنظر: فتح الباري لابن حجر، عمدة القاري للعيني، سبل السلام للصنعاني).