عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((كنت أغسل الجنابة من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيخرج إلى الصلاة , وإن بقع الماء في ثوبه)) .
وفي لفظ لمسلم ((لقد كنت أفركه من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فركا, فيصلي فيه))
الأحكام الفقهية المستنبطة من الحديث:
1. طهارة المني أو نجاسته
اختلف الفقهاء في هذه المسألة بناءً على اختلاف الروايات وتعدد طرق الجمع بينها:
القول الأول (النجاسة): ذهب الحنفية والمالكية إلى أن المني نجس. واستدلوا برواية "الغسل" في الحديث، فلو كان طاهراً لما احتاج إلى غسل. لكن الحنفية فرقوا بين رطبه ويابسه في طريقة التطهير، بينما أوجب المالكية غسله بكل حال.
القول الثاني (الطهارة): ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن مني الآدمي طاهر. واستدلوا برواية "الفرك"، إذ لو كان نجساً لما كفى فيه الفرك (وهو مسح الجرم)، لأن النجاسة لا تطهر إلا بالماء. وحملوا "الغسل" في الرواية الأولى على التنزه والنظافة لا على الوجوب الشرعي.
2. حكم الاكتفاء بالفرك في تطهير الثوب
تفرع عن المسألة السابقة اختلافهم في كيفية إزالة المني إذا كان يابساً:
مذهب الحنفية: يجوز تطهير المني بالفرك إذا كان يابساً، ويطهر الثوب بذلك وتجوز الصلاة فيه. أما إذا كان رطباً فلا بد من غسله.
مذهب الشافعية والحنابلة: الفرك مستحب لإزالة الأثر وتنظيف الثوب، لكن الثوب طاهر أصلاً سواء فرك أو لم يفرك، لأن المني عندهم ليس بنجس.
مذهب المالكية: لا يطهر المني إلا بالغسل بالماء، ولا يجزئ الفرك عندهم لأنهم يلحقونه بسائر النجاسات التي لا يطهرها إلا الماء.
3. جواز الصلاة في ثوب فيه أثر غسل النجاسة (بقع الماء)
أفاد الحديث بوضوح فرعاً فقهياً اتفق عليه الفقهاء في الجملة:
الحكم: يجوز للمصلي أن يصلي في الثوب الذي غسلت منه النجاسة وإن كان أثر الماء (البقعة) لا يزال رطباً ظاهراً فيه. فبقاء بلل الماء الطهور بعد تطهير المحل لا يمنع من صحة الصلاة، وهذا مأخوذ من قوله: "وإن بقع الماء في ثوبه".
4. المبادرة إلى الصلاة وحسن تبعل الزوجة
استنبط الشراح (مثل ابن حجر في فتح الباري والنووي في شرح مسلم) فروعاً تتعلق بالهدي النبوي:
الحكم: جواز خروج الإمام أو المصلي للصلاة وفي ثوبه أثر الغسل أو التنظف، ودلالة ذلك على التواضع وعدم التكلف. كما استنبطوا منه خدمة الزوجة لزوجها في غسل ثيابه وتفقد طهارته، وهو ما كان من فعل عائشة رضي الله عنها.
5. حكم مني غير الآدمي
بناءً على القياس المستنبط من الحديث، توسع الفقهاء في نوع المني:
الشافعية والحنابلة: فرقوا بين مني الآدمي (طاهر) ومني ما لا يؤكل لحمه (نجس).
الحنفية والمالكية: أجروا حكم النجاسة على جميع أنواع المني (آدمي وغيره) طرداً للأصل عندهم في خروج المستقذرات من المخرجين.