عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخِطْمِيِّ الأَنْصَارِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: حَدَّثَنِي الْبَرَاءُ - وَهُوَ غَيْرُ كَذُوبٍ - قَالَ:
((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ: لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَقَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - سَاجِدًا , ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ))
الأحكام الفقهية المستنبطة من الحديث :
أولاً: وجوب أو مشروعية متابعة الإمام وتأخر المأموم عنه حتى يشرع في الركن
دل الحديث على أن المأموم لا ينبغي له البدء في الهويّ إلى السجود حتى يصل الإمام إلى الأرض ويضع جبهته عليها، وقد اتفق الفقهاء على مشروعية هذه المتابعة واستحبابها بالهيئة المذكورة في الحديث، فلا حاجة لتفصيل المذاهب فيها؛ لقوله: «لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَقَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - سَاجِدًا».
ثانياً: حكم مقارنة المأموم لإمامه في أفعال الصلاة أو تباطئه الشديد عنه
اختلف الفقهاء في حكم من يركع أو يسجد مع إمامه في نفس الوقت (المقارنة)، أو يتخلف عنه بركن كامل بناءً على مفهوم المتابعة الواردة في الحديث:
المذهب الشافعي والمذهب الحنبلي: يكره للمأموم مقارنة إمامه في الأفعال (كالركوع والسجود)، وتصح الصلاة مع الكراهة إلا في تكبيرة الإحرام فإن مقارنته فيها تبطل الصلاة، أما التخلف عنه بركنين فعليين بلا عذر فيبطل الصلاة.
المذهب الحنفي والمذهب المالكي: المقارنة في الأفعال مكروهة تنزيهاً أو تحريماً عند بعضهم، والأصل عندهم أن أفعال المأموم يجب أن تقع تعقيباً لأفعال الإمام بلا مهلة ولا تراخٍ كبير، فإن سبقه بالركن لزمه إعادته خلفه، فإن لم يعد بطلت صلاته عند بعضهم.
ثالثاً: تعديل الظهر واستقراره في الرفع من الركوع قبل الهوي إلى السجود
أفاد الحديث أن الصحابة كانوا يبقون قياماً منتصبين بعد رفعهم من الركوع، ولا يشرعون في السجود إلا بعد تمكن النبي صلى الله عليه وسلم من سجوده، وقد اتفق الفقهاء على وجوب الاعتدال من الركوع والطمأنينة فيه، فلا تعرض للمذاهب فيه؛ لقوله: «إذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ: لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ».
رابعاً: جواز تزكية الراوي ووصفه بالصدق والأمانة
استنبط شراح الحديث من قول عبد الله بن يزيد الخطمي في حق البراء رضي الله عنه: «وَهُوَ غَيْرُ كَذُوبٍ» فرعاً متعلقاً بالشهادات والرويات، وهو جواز تزكية الرجل بما فيه وتوثيقه عند النقل عنه تنبيهاً على ضبطه وصيانته، ولم يختلف الفقهاء والمحدثون في جواز هذا الثناء والتزكية للحاجة.
خامساً: الاعتماد على الرؤية البصرية في متابعة الإمام عند عدم سماع التكبير أو لزيادة التحقق
دل الحديث على أن الصحابة كانوا يرقبون أفعال النبي صلى الله عليه وسلم بأعينهم ليعلموا متى يقع ساجداً فيسجدوا بعده، واختلف الفقهاء في مدى اشتراط رؤية الإمام أو من خلفه لصحة الائتمام:
المذهب الحنفي والمذهب الشافعي والمذهب الحنبلي: يصح ائتمام المأموم بالإمام إذا كان يسمع التكبير (سواء رأى الإمام أو لم يره) بشرط اجتماعهم في المسجد أو اتصاد الصفوف، وتكون الرؤية وسيلة من وسائل العلم بانتقالات الإمام.
المذهب المالكي: يشترطون لصحة الائتمام خارج المسجد أو في الدور المجاورة إمكانية رؤية الإمام أو رؤية من يراه من المأمومين، ولا يكتفون بمجرد سماع الصوت (التسميع أو التكبير) إذا وجدت حوائل تمنع الرؤية والاتصال.