عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول))
الأحكام الفقهية المستنبطة من الحديث:
1. حكم إجابة المؤذن (متابعة الأذان)
اختلف الفقهاء في حكم إجابة المؤذن على قولين:
القول الأول (الجمهور): ذهب الشافعية، والحنابلة، والمالكية في المشهور، وصاحبا أبي حنيفة (أبو يوسف ومحمد بن الحسن) إلى أن إجابة المؤذن مستحبة (سنة) وليست بواجبة. واستدلوا بصرف الأمر في الحديث من الوجوب إلى الندب بقرينة حديث الأعرابي الذي سأل عن الصلوات الخمس فقال: "هل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع".
القول الثاني (الوجوب): ذهب الحنفية في المعتمد عندهم، والظاهرية، ورواية عن الإمام أحمد، وهو قول طائفة من السلف كأهل الظاهر، إلى أن إجابة المؤذن واجبة؛ أخذاً بظاهر الأمر في قوله صلى الله عليه وسلم: "فقولوا مثل ما يقول"، والأمر يقتضي الوجوب ما لم تصرفه قرينة، ولم يروا القرائن السابقة صارفة.
[المراجع: فتح الباري لابن حجر، المجموع للنووي، بدائع الصنائع للكاساني، المغني لابن قدامة].
2. حكم المتابعة في الحيعلتين (حي على الصلاة، حي على الفلاح)
اختلف العلماء في صفة إجابة المؤذن عند قوله "حي على الصلاة، حي على الفلاح" بناءً على منطوق هذا الحديث والأحاديث الأخرى المفسرة له:
القول الأول (الجمهور): ذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وهو المشهور عند المالية، إلى أن السامع يقول في الحيعلتين: "لا حول ولا قوة إلا بالله" (الحوقلة). وجمعوا بين هذا الحديث وبين حديث عمر بن الخطاب في صحيح مسلم الذي نص على الحوقلة، فجعلوا حديث عمر مفسراً ومخصصاً لعموم حديث أبي سعيد "فقولوا مثل ما يقول".
القول الثاني (المطابقة): ذهب بعض أهل العلم، ومنهم الإمام مالك في رواية (واختارها بعض أصحابه كابن حبيب)، والظاهرية، إلى أن السامع يقول مثل قول المؤذن تماماً: "حي على الصلاة، حي على الفلاح"؛ تمسكاً بظاهر العموم في حديث أبي سعيد "فقولوا مثل ما يقول" دون استثناء.
القول الجمعي: وروي عن بعض السلف وجوب الجمع بينهما، فيقول: "حي على الصلاة، لا حول ولا قوة إلا بالله".
[المراجع: صحيح مسلم بشرح النووي، الاستذكار لابن عبد البر، المغني لابن قدامة].
3. إجابة الأعمى والمنفرد (من لا يتوجه إليه الأذان للإعلام بخصوصه)
اتفق الفقهاء على أن حكم سماع الأذان عام، فيستحب (أو يجب عند القائلين به) لكل من سمع الأذان أن يتابع المؤذن، سواء كان السامع منفرداً في بيته، أو كان أعمى، أو كان في جماعة؛ لأن اللفظ جاء عاماً "إذا سمعتم المؤذن" ولم يفرق بين حال وحال.
4. حكم المتابعة في التثويب (الصلاة خير من النوم) في أذان الفجر
اختلف الفقهاء في اللفظ الذي يقوله السامع عند تثويب المؤذن في الفجر على أقوال:
القول الأول: ذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة، إلى أن السامع يقول: "صدقت وبررت" أو "صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، الصلاة خير من النوم". وعللوا ذلك بأن هذا موضع تصديق، والمحاكاة التامة فيه ليست مقصودة كالحيعلة.
القول الثاني: ذهب المالكية في المشهور، والظاهرية، إلى أن السامع يقول كما يقول المؤذن: "الصلاة خير من النوم"؛ عملاً بظاهر حديث أبي سعيد الخدري "فقولوا مثل ما يقول".
[المراجع: رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين، المجموع للنووي، الشرح الكبير للدردير].
5. حكم إجابة المؤذن أثناء قراءة القرآن
اختلف الفقهاء فيمن كان يقرأ القرآن فسمع الأذان:
القول الأول (الجمهور): ذهب الشافعية، والحنابلة، والحنفية، إلى أن القارئ يقطع قراءته ليشتغل بمتابعة المؤذن؛ لأن إجابة المؤذن عبادة مؤقتة يفوت وقتها بفراغ المؤذن، أما قراءة القرآن فوقتها متسع ويمكن تداركها.
القول الثاني: ذهب المالكية إلى أن القارئ يستمر في قراءته ولا يقطعها من أجل الأذان، إلا إن كان في أواخر السور أو الآيات فيجوز له القطع، ورأوا أن قراءة القرآن أفضل من الذكر المتمثل في المتابعة.
[المراجع: كشاف القناع للبهوتي، مواهب الجليل للحطاب، الفتاوى الهندية].
6. حكم إجابة المؤذن للمصلي (أثناء الصلاة)
اختلف الفقهاء في المصلي إذا سمع الأذان وهو في صلاته الفريضة أو النافلة:
القول الأول: ذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة، إلى أن المصلي لا يجيب المؤذن في صلاته، فإن أجابه باللفظ (مثل الحيعلة أو التثويب) بطلت صلاته عند بعضهم إن قصد الخطاب، وإن قصد الذكر لم تبطل لكنه يكره، ويسن له أن يقضي المتابعة بعد فراغه من الصلاة إن لم يطل الفصل.
القول الثاني: ذهب الشافعية إلى أن المصلي يجيب المؤذن في نفسه بالكلمات التي تبطل الصلاة كالتشهد والتكبير، أما الحيعلتان فلا يقولهما لأنها خطاب آدمي تبطل الصلاة به، بل يحوقل (يقول لا حول ولا قوة إلا بالله) لأنها ذكر.
[المراجع: الأم للشافعي، المغني لابن قدامة، حاشية ابن عابدين، المدونة].
7. حكم إجابة المؤذن للمتخلي (في الخلاء وقضاء الحاجة)
اتفق الفقهاء على أن من كان في الخلاء يقضي حاجته لا يجيب المؤذن بلسانه؛ تعظيماً لاسم الله تعالى وتنزيهاً له عن هذا الموضع، ويقضي الأذان تداركاً بعد خروجه وفراغه إن لم يطل الفصل.