- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه -: ((أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ رضي الله عنهما: كَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ الصَّلاةَ بِ «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» )) .
وَفِي رِوَايَةٍ: ((صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ , فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ))
- وَلِمُسْلِمٍ: ((صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِ «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» , لا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلا فِي آخِرِهَا))
الأحكام الفقهية المستنبطة من الحديث:
أولًا: وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة
اتفق فقهاء المذاهب الأربعة (الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة) على مشروعية استفتاح القراءة بـ «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» (أي سورة الفاتحة)، وعلى أن قراءتها ركن أو واجب من واجبات الصلاة التي لا تصح الصلاة إلا بها في الجملة، ولما كان أصل مشروعية قراءتها متفقًا عليه، فلا حاجة لتفصيل الخلاف في جزئية هل هي ركن في كل ركعة أم في أغلب الصلاة.
ثانيًا: حكم الجهر والإسرار بالبسملة في الصلاة المكتوبة
اختلف الفقهاء في حكم الجهر بـ «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» أو الإسرار بها بناءً على اختلافهم في توجيه روايات الحديث:
الحنفية والحنابلة: يُستحب الإسرار بالبسملة، ولا يجهر بها الإمام في الصلاة الجهرية؛ مستدلين برواية: «فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» ورواية مسلم: «لا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلا فِي آخِرِهَا» أي لا يذكرونها جهرًا.
الشافعية: يُستحب الجهر بالبسملة في الصلاة الجهرية (كالظهر والعشاء والمغرب)؛ ووجهوا الحديث بأن معنى «يَسْتَفْتِحُونَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ» أي بسورة الفاتحة وليس فيه نفي قراءة البسملة جهرًا، وأعلّوا رواية النفي.
المالكية: يرى المشهور في المذهب كراهة القراءة بالبسملة أصلاً في الصلاة المكتوبة (الفرض)، سواء جهرًا أو سرًا، لا في أول الفاتحة ولا في أول السورة التي بعدها؛ أخذًا بظاهر رواية «لا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ».
ثالثًا: هل البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة؟
استنبط العلماء من الحديث مأخذًا في مسألة كون "البسملة" آية من الفاتحة ومن السور أم لا، واختلفوا في ذلك:
الشافعية: البسملة آية كاملة من الفاتحة ومن كل سورة كُتبت في أولها.
الحنفية: البسملة آية مستقلة من القرآن الكريم، أُنزلت للفصل بين السور، وليست آية من الفاتحة ولا من غيرها من السور.
الحنابلة: البسملة آية من الفاتحة، وليست آية من باقي السور، وفي رواية أخرى عن الإمام أحمد موافقة للحنفية أنها آية مستقلة وليست من الفاتحة.
المالكية: البسملة ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها من السور إلا في سورة النمل.
رابعًا: حكم قراءة دعاء الاستفتاح قبل الفاتحة
أخذ بعض العلماء من قوله: «كَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ الصَّلاةَ بِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» حكمًا يتعلق بـ "دعاء الاستفتاح" (مثل: سبحانك اللهم وبحمدك..):
المالكية: تمسكوا بظاهر الحديث على أنه لا يُشرع دعاء الاستفتاح بعد تكبيرة الإحرام، بل يدخل المصلي في قراءة الفاتحة فورًا؛ لأنهم يستفتحون بالحمد لله.
الحنفية والشافعية والحنابلة: يندب ويُستحب دعاء الاستفتاح سرًا بعد تكبيرة الإحرام وقبل القراءة؛ ووجهوا الحديث بأن المراد بـ "يستفتحون الصلاة بالحمد لله" أي: يستفتحون "القراءة" بها، أو أنها أول ما يُسمع جهرًا، فلا ينافي ذلك وجود ذكر سرّي قبله ثبت بأحاديث أخرى.