الإشعارات
مسح الكل

شرح كتاب عمدة الأحكام ـ الحديث المائة وثلاثة


يوسف هشام
(@user550751)
Honorable Member
انضم: مند 9 أشهر
المشاركات: 223
بداية الموضوع  

عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: ((صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم - إحْدَى صَلاتَيْ الْعَشِيِّ - قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: وَسَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ. وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا - قَالَ: فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ , ثُمَّ سَلَّمَ. فَقَامَ إلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي الْمَسْجِدِ , فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا كَأَنَّهُ غَضْبَانُ وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى , وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. وَخَرَجَتِ السَّرَعَانُ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالُوا: قَصُرَتِ الصَّلاةُ - وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ - فَهَابَا ⦗٨٤⦘ أَنْ يُكَلِّمَاهُ. وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ طُولٌ , يُقَالُ لَهُ: ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , أَنَسِيتَ , أَمْ قَصُرَتِ الصَّلاةُ؟ قَالَ: لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ. فَقَالَ: أَكَمَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ. فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى مَا تَرَكَ. ثُمَّ سَلَّمَ , ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ. ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ , ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ. ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ. فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ: ثُمَّ سَلَّمَ؟ قَالَ: فَنُبِّئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ))



الأحكام الفقهية المستنبطة من الحديث :


أولًا: جواز السهو على الأنبياء في الأفعال البلاغية والعبادات

اتفق فقهاء المذاهب الأربعة وعامة العلماء على جواز السهو على النبي ﷺ في الأفعال والعبادات (كالصلاة)، وأن ذلك يقع منه تشريعًا للأمة ليعلموا كيف يصنعون إذا سهوا؛ لقوله في الحديث لما سُئل: «لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ» بناءً على ظنه، وتأكيده للفعل بعد ذلك وسجوده للسهو. ولما كان هذا الأصل متفقًا عليه، فلا حاجة لذكر المذاهب فيه.

ثانيًا: حكم الكلام الساهي أو العمد لمصلحة الصلاة

اختلف الفقهاء في حكم الكلام الصادر من المصلي إذا سلم سهوًا من نقص في صلاته، ثم تكلم بناءً على أنه أتم صلاته، أو تكلم لمصلحة الصلاة:

الشافعية والمالكية والحنابلة (في المعتمد): لا تبطل الصلاة بالكلام اليسير إذا كان المصلي يعتقد أنه خرج من الصلاة بالسلام سهوًا، أو إذا كان الكلام لإصلاح الصلاة وتنبيه الإمام (كقول ذي اليدين والاستفهام البعدي)، بشرط ألا يكثر الكلام عرفًا.

الحنيفة: تبطل الصلاة بالكلام مطلقًا، سواء كان ساهيًا، أو جاهلًا، أو يعتقد أنه خرج من الصلاة، أو كان لمصلحة الصلاة؛ ويرون أن حديث ذي اليدين منسوخ؛ لأن الكلام في الصلاة حُرِّم لاحقًا.

ثالثًا: حكم الفعل والحركة والمشي اليسير في الصلاة سهوًا

دل الحديث على أن النبي ﷺ قام من مكانه ومشى إلى خشبة معروضة في المسجد، وشبك بين أصابعه، واختلف الفقهاء في حكم العمل اليسير والمشي لمن سلم سهوًا ثم أراد البناء على صلاته:

الشافعية والمالكية والحنابلة: يجوز العمل والمشي اليسير لمن سلم سهوًا ويصح له أن يبني على صلاته ويأتي بما نقص منها إذا لم يطل الفصل عرفًا ولم يستدبر القبلة لغير حاجة الصلاة.

الحنفية: تبطل الصلاة بالمشي والانتقال من مكان الصلاة والتحول عن القبلة؛ لأن الانتقال من مصلاه وتبديل مكانه يُعدّ قاطعًا للصلاة عندهم، فلا يجوز له البناء بل يستأنف الصلاة من جديد.

رابعًا: حكم البناء على الصلاة لمن سلم من نقص سهوًا

إذا سلم المصلي من ركعتين في رباعية سهوًا، ثم تذكر أو ذُكّر بعد زمن يسير، فهل يبني على ما مضى أم يستأنف الصلاة؟

الشافعية والمالكية والحنابلة: يبني على ما مضى من صلاته، فيأتي بالركعتين الباقيتين ثم يسجد للسهو، ما لم يطل الفصل عرفًا أو يخرج من المسجد.

الحنفية: لا يبني، بل يجب عليه استئناف الصلاة (إعادتها من أولها)؛ لأن السلام عندهم قاطع للصلاة إذا تخلله كلام أو مشي أو تبديل مكان.

خامسًا: موضع سجود السهو (قبل السلام أم بعده) لمن سلم من نقص

اختلف الفقهاء في موضع سجود السهو لمن سلم من ركعتين (عن نقص) بناءً على ما جاء في روايات الحديث:

الحنفية والحنابلة: يكون سجود السهو كله بعد السلام؛ أخذًا بظاهر الحديث: «ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ... ثُمَّ سَلَّمَ».

المالكية: السجود هنا يكون بعد السلام؛ لأن القاعدة عندهم أن السجود يكون بعد السلام إذا كان السهو عن زيادة، وهنا تخلل الصلاة سلام وكلام ومشي (وهي زيادات).

الشافعية: سجود السهو كله يكون قبل السلام دائمًا في جميع الحالات (سواء للزيادة أو النقص)؛ ووجهوا الحديث بأن فعل النبي ﷺ بعد السلام كان لبيان الجواز أو أنه منسوخ، والأفضل والأولى عندهم أن يكون قبل السلام.

سادسًا: مشروعية السلام بعد سجود السهو

اتفق فقهاء المذاهب الأربعة على أن من سجد للسهو بعد السلام، فإنه يجب عليه أن يسلم سلامًا آخر يخرج به من سجدتي السهو؛ لقول عمران بن حصين في آخر الحديث: «ثُمَّ سَلَّمَ». وبما أنهم متفقون على وجوب أو مشروعية هذا السلام، فلا نتعرض للخلاف في تفاصيله.

سابعًا: حكم تشبيك الأصابع في المسجد

اختلف الفقهاء في حكم تشبيك الأصابع في المسجد بناءً على فعل النبي ﷺ في الحديث: «وَشَبَّك بَيْنَ أَصَابِعِهِ»:

الشافعية والحنابلة والحنيفة: يُكره تشبيك الأصابع لمن كان خارجًا إلى الصلاة أو منتظرًا لها في المسجد، أما بعد الفراغ من الصلاة وقضائها فلا كراهة في ذلك؛ مستدلين بفعل النبي ﷺ حيث شبك بين أصابعه بعد أن ظن أنه فرغ من الصلاة.

المالكية: يُكره التشبيك في المسجد مطلقًا لمن هو في الصلاة أو ينتظرها، وأما العامد لغير ذلك فلا يكره عنده، ووجهوا تشبيك النبي ﷺ بأنه كان علامة على مقتضى بشريته من الغضب أو الفكر لمَّا ظن تمام الصلاة.



   
اقتباس
شارك: