عَنْ جَابِرِ بنِ عبدِ اللهِ رضي الله عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لِمُعَاذٍ: ((فَلَوْلا ⦗٨٢⦘ صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى , وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا , وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَى؟ فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ الْكَبِيرُ وَالضَّعِيفُ وَذُو الْحَاجَةِ))
الأحكام الفقهية المستنبطة من الحديث:
أولًا: استحباب تخفيف الصلاة على الإمام مراعاةً للمأمومين
اتفق فقهاء المذاهب الأربعة (الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة) على أنه يُستحب للإمام أن يُخفف الصلاة بالناس تخفيفًا لا يُخلّ بأركانها وسننها، مراعاةً لأحوال المأمومين من كبار السن، والمرضى، وذوي الحاجات؛ لقوله ﷺ: «فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ الْكَبِيرُ وَالضَّعِيفُ وَذُو الْحَاجَةِ». وبما أنهم متفقون على أصل الحكم، فلا حاجة لتفصيل الخلاف في جزئياته.
ثانيًا: مقدار القراءة المستحب في صلاة العشاء
اختلف الفقهاء في المقدار المستحب أن يقرأ به الإمام في صلاة العشاء بناءً على ما أرشد إليه الحديث:
الحنفية والحنابلة والشافعية: يندب للإمام في صلاة العشاء أن يقرأ من "أوساط المفصل" (وهي السور التي تبدأ من سورة عمّ أو البروج إلى سورة الضحى، مثل السور المذكورة في الحديث: الأعلى، والشمس، والليل).
المالكية: يندب في العشاء القراءة من "أوساط المفصل" كالشمس والليل ونحوها، إلا أنهم يرون أن سورة "الأعلى" و"الليل" تعدّ لديهم من "قصار المفصل"؛ لأن التقسيم عندهم يختلف قليلًا، ومع ذلك فالقصد مراعاة التخفيف المبين في الحديث.
ثالثًا: تطويل الصلاة لدرجة تنفير المأمومين
اختلف الفقهاء في حكم الإطالة الزائدة التي تؤدي إلى مشقة المأمومين أو تنفيرهم:
الشافعية والحنابلة وبعض الحنفية: يكره للإمام إطالة الصلاة إطالةً تشق على المأمومين؛ مستدلين بالإنكار واللوام في روايات الحديث («أفتانٌ أنت يا معاذ؟»).
المالكية: يرى بعضهم أن الإطالة المشقة ممنوعة (تحرم) إذا أدت إلى ترك الناس للصلاة مع الجماعة أو خروجهم منها لعذر مبيح، ويكره ما دون ذلك.
رابعًا: صلاة المفترض خلف المتنفل
دلت القصة في رواياتها الصحيحة (المفسرة لهذا اللفظ) على أن معاذًا كان يصلي مع النبي ﷺ العشاء (وهي له نافلة)، ثم يذهب فيصلي بقومه (وهي لهم فريضة)، وفي حكم هذه المسألة اختلاف مشهور:
الشافعية والحنابلة (في المعتمد من المذهب): يجوز صلاة المفترض خلف المتنفل؛ لأن النبي ﷺ علم بصنيع معاذ ولم ينكر عليه أصل صلاته بهم، وإنما أنكر عليه الإطالة.
الحنفية والمالكية: لا تصح صلاة المفترض خلف المتنفل؛ بناءً على قاعدة "بناء القوي على الضعيف"، ووجهوا حديث معاذ بأن صلاته الأولى مع النبي ﷺ كانت هي النافلة (تطوعًا) وصلاته بقومه هي الفريضة، أو أن ذلك كان خصوصية في أول الأمر ثم نُسخ.
خامسًا: قطع المأموم الصلاة مع الإمام لعذر والانفراد عنها
في الرواية الشارحة للحديث، أن رجلًا انصرف من الصلاة لما أطال معاذ وصلى وحده، ولم ينكر عليه النبي ﷺ مفارقته، واختلف الفقهاء في جواز قطع الصلاة والانفراد لعذر:
الشافعية والحنابلة: يجوز للمأموم قطع نية الاقتمام (المفارقة) وإكمال صلاته منفردًا لعذر؛ كالإطالة الزائدة من الإمام أو عارض صحي، وصلاته صحيحة.
الحنفية والمالكية: لا يجوز للمأموم قطع الصلاة أو الانفراد لمجرد الإطالة، فإن قطعها لغير عذر قاهر بطلت صلاته ويجب عليه إعادتها؛ لأن صلاة معاذ كانت تُعد تطوعًا عندهم فلم تبطل صلاة الرجل، أو أن الرجل قطعها بالكلية ثم استأنفها منفردًا من جديد.