عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُحَيْنَةَ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ((أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - صَلَّى بِهِمْ الظُّهْرَ فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ , وَلَمْ يَجْلِسْ. فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ , حَتَّى إذَا قَضَى الصَّلاةَ , وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ: كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ. فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ سَلَّمَ))
الأحكام الفقهية المستنبطة من الحديث :
1. حكم التشهد الأول والجلوس له
محل الخلاف: اختلف الفقهاء في حكم التشهد الأول والجلوس له بناءً على ترك النبي صلى الله عليه وسلم له وجبره بالسجود:
الجمهور (المالكية، والشافعية، والرواية المشهورة عن أحمد): أنه سنة وليس بواجب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرجع إليه بعد أن استتم قائماً، ولو كان فرضاً لم يسقط بالسهو ولرجع إليه.
الحنفية، والرواية الأخرى عن أحمد (وهي المذهب): أنه واجب، يأثم تاركه عمداً، ويسقط سهواً ويجبر بسجود السهو، واستدلوا بملازمة النبي صلى الله عليه وسلم له، وأمره بالمرجوع إليه في أحاديث أخرى، ولأن السجود جَبَرَهُ، والسنن لا تُجبر بالسجود بل الواجبات.
2. حكم سجود السهو
محل الخلاف: اختلف العلماء في حكم سجود السهو لمن سها في صلاته:
الحنفية والحنابلة: سجود السهو واجب، يأثم تاركه وتبطل الصلاة بفلان طرقه عند الحنابلة إن كان عن نقص، واستدلوا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم به وملازمته له.
المالكية والشافعية: سجود السهو سنة مؤكدة، لا تبطل الصلاة بتركه، لأن السجود شرع لجبر النقص، والجابر لا يكون أقوى من الأصل (التشهد الأول) وهو سنة عندهم.
3. محل سجود السهو (قبل السلام أم بعده؟)
محل الخلاف: اختلف الفقهاء في الموضع المشروق لسجود السهو (أقبل السلام أم بعده؟) نظراً لتعارض ظواهر الأحاديث، وفي هذا الحديث سجد النبي صلى الله عليه وسلم قبل السلام:
الشافعية والحنابلة (في المشهور): السجود كله قبل السلام؛ لظاهر هذا الحديث «فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ»، واعتبر الشافعية ذلك في كل سهو، بينما الحنابلة قالوا: ما جاء في النص أنه قبل السلام (كالنقص) يسجد له قبل السلام، وما جاء بعد السلام (كالزيادة) يسجد له بعده.
الحنفية: سجود السهو كله بعد السلام، وحملوا الأحاديث التي فيها السجود قبل السلام على النسخ أو على أن المراد بالسلام هنا هو السلام الأول التحللي.
المالكية: التفصيل؛ إن كان السهو عن نقص (كتارك التشهد الأول هنا) فالسجود قبل السلام، وإن كان عن زيادة فالسجود بعد السلام.
4. سقوط التشهد الأول إذا استتم المصلي قائماً وعدم الرجوع إليه
محل الخلاف: إذا سها المصلي فقام إلى الثالثة ودخل في القراءة أو استتم قائماً:
الجمهور (المالكية، والشافعية، والحنابلة): أنه إذا استتم قائماً كره له الرجوع إلى التشهد، فإن رجع بعد القراءة عالمماً عامداً بطلت صلاته عند بعضهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مضى في صلاته ولم يرجع.
الحنفية: يرجع ما لم يقيد الركعة الثالثة بالسجدة، فإن رجع وقعد للتشهد صحت صلاته وسجد للسهو، والرجوع عندهم أولى ما لم يسجد للركعة الزائدة.
5. متابعة المأموم لإمامه في السهو والقيام
محل الاتفاق: اتفقت المذاهب الأربعة على أن المأموم يجب عليه متابعة إمامه إذا قام نادباً أو ساهياً عن التشهد الأول، لقوله في الحديث: «فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ»، فلا يجوز للمأموم أن يتخلف ويجلس للتشهد وحده بل يتابع إمامه، ويسقط عنه التشهد تبيعاً لإمامه.
6. التكبير لسجود السهو
محل الخلاف: حكم التكبير عند الهوي لسجود السهو والرفع منه:
الجمهور (الحنفية، الشافعية، الحنابلة): يُكبر لكل سجدة هَوياً ورفعاً، لقوله في الحديث: «كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ».
المالكية: لا يكبر لافتتاح سجود السهو إن كان بعد السلام، ويكبر إن كان قبل السلام في الهوي والرفع.
7. سلام المصلي بعد سجود السهو
محل الاتفاق: اتفقت المذاهب الأربعة على أن من سجد للسهو قبل السلام فإنه يُسلم بعد السجدتين للخروج من الصلاة، لقوله في الحديث: «فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ سَلَّمَ»