عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَعَثَ رَجُلاً عَلَى سَرِيَّةٍ فَكَانَ يَقْرَأُ لأَصْحَابِهِ فِي صَلاتِهِمْ , فَيَخْتِمُ بـ «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: سَلُوهُ لأَيِّ شَيْءٍ صَنَعَ ذَلِكَ؟ فَسَأَلُوهُ. فَقَالَ: لأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ , فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: أَخْبِرُوهُ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُحِبُّهُ))
الأحكام الفقهية المستنبطة من الحديث:
جواز إمامة الفاضل والمفضول وتأمير الأقل علماً للعارض:
دل الحديث على جواز تولية الرجل إماماً أو أميراً في الصلاة والسفر وإن كان في القوم من هو أفضل منه في بعض الجوانب، إذا اقتضت المصلحة ذلك. وقد اتفق الفقهاء على صحة إمامة المفضول مع وجود الفاضل، ولم يختلفوا في جوازها وصحتها من حيث الأصل.
جواز الجمع بين سورتين فأكثر في الركعة الواحدة في الفريضة:
دل قوله: "فَيَخْتِمُ بـ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ" على أنه كان يقرأ سورة أخرى ثم يقرأ معها سورة الإخلاص في ركعة واحدة. وقد اختلف الفقهاء في حكم الجمع بين سورتين في الركعة الواحدة في صلاة الفريضة؛ فذهب الجمهور من الحنفية، والشافعية، والحنابلة إلى جواز الجمع بين السور في الركعة الواحدة بلا كراهة، بينما ذهب المالكية في المعتمد عندهم إلى كراهة الجمع بين سورتين في الركعة الواحدة في صلاة الفريضة (وتجوز عندهم في النافلة)، واستثنوا من ذلك السور القصار التي لا يستقل بعضها بفرض عند خوف فوات الركوع.
حكم تكرار سورة معينة (كالإخلاص) والتزامها في كل ركعة:
دل الحديث على التزام هذا الصحابي قراءة سورة الإخلاص وخاتماً بها في كل ركعة، وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم له. وقد اختلف الفقهاء في كراهة التزام سورة معينة في الصلاة؛ فذهب الشافعية والحنابلة إلى عدم كراهة ذلك ما دام المكلف يقرأ بها تبركاً أو محبة، بينما كره الحنفية والمالكية التزام سورة بعينها في الصلاة وقراءتها دائماً دون غيرها؛ لما فيه من هجر بقية القرآن وإيهام العوام بالوجوب، إلا إن كان ذلك تيسيراً على المأمومين أو لعذر، كما نصوا على كراهة تكرار السورة نفسها في الركعتين من الفريضة لغير ضرورة.
العمل بخبر الواحد والاعتماد على تبليغ السرايا والآحاد:
استنبط شراح الحديث من بعث النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً على سرية، وقبول الصحابة لقوله وإمامته، ثم نقلهم لفعله بعد رجوعهم؛ قبول خبر الواحد والعمل به في الأحكام والشهادات والتبليغ. وقد اتفق الفقهاء على وجوب العمل بخبر الواحد الثقة في الأحكام الشرعية إذا استوفى الشروط المعتبرة، ولم يختلفوا في أصل حجيته.
استحباب محبة سورة الإخلاص وتدبر معاني صفات الرحمن:
دل الحديث على أن محبة صفات الله عز وجل والثناء عليه بما تضمنته هذه السورة العظيمة سبب لنيل محبة الله تعالى. وقد اتفق الفقهاء والعلماء على استحباب قراءة سورة الإخلاص ومحبتها والعناية بها، وفضل إكثار القراءة بها في الصلاة وخارجها، ولم يقع بينهم اختلاف في مشروعية ذلك وفضله.