عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: ((كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي شِدَّةِ الْحَرِّ. فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ جَبْهَتَهُ مِنَ الأَرْضِ: بَسَطَ ثَوْبَهُ فَسَجَدَ عَلَيْهِ))
الأحكام الفقهية المستنبطة من الحديث:
1. مشروعية السجود على الثوب والحائل عند العذر كشدة الحر أو البرد
أقوال الفقهاء: اتفق العلماء على جواز السجود على الحائل المنفصل كالسجادة والحصير، وكذلك الحائل المتصل (كالثوب) إذا كان هناك عذر يمنع مباشرة الأرض كشدة الحر أو البرد. ونقل هذا الاتفاق والجواز في الجملة عند العذر ابن عبد البر في "الاستذكار" وابن قدامة في "المغني"، وحيث اتفقوا على مشروعية ذلك عند العذر فلا تعرض للمذاهب فيه.
2. حكم السجود على ثوب متصل بالمصلي (كأكمامه أو طرف ثيابه وعمامته) بغير عذر
أقوال الفقهاء: اختلف الفقهاء في صحة السجود على ثوب يلبسه المصلي أو يتحرك بحركته إذا سجد عليه لغير عذر:
القول الأول: يجوز السجود عليه وتصح الصلاة مع الكراهة التنزيهية، وهو مذهب الحنفية والمالكية. جاء في "الدر المختار" للحصكفي الحنفي: «ويكره تنزيهاً السجود على شيء من ثيابه أو عمامته لغير عذر».
القول الثاني: لا يصح السجود على شيء متصل بالمصلي يتحرك بحركته، وتبطل الصلاة إن تعمد ذلك بغير عذر، وهو مذهب الشافعية. جاء في "المجموع شرح المهذب" للنووي الشافعي: «أن مذهبنا أنه لا يجوز السجود على ثوب متصل به ولا عمامة ولا غيرهما مما يتحرك بحركته... فإن سجد على شيء من ذلك لم تصح صلاته».
القول الثالث: يصح السجود عليه ويجوز بلا كراهة إن كان لعذر، ويكره إن كان لغير عذر، لكن الصلاة صحيحة في الحالين، وهو مذهب الحنابلة. جاء في "المغني" لابن قدامة: «ولا يكره السجود على الثوب إذا كان لعذر... وإن سجد عليه لغير عذر كره وصحت صلاته».
3. وجوب تمكين الجبهة من الأرض في السجود
أقوال الفقهاء: اختلف الفقهاء في حد التمكين الواجب للجبهة ومباشرتها لموضع السجود:
القول الأول: يجب تمكين الجبهة ومباشرتها للأرض أو ما اتصل بها من حائل يصح السجود عليه، بحيث ينال ثقل الرأس موضع السجود، وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة. جاء في "فتح القدير" لابن الهمام الحنفي: «وحقيقة السجود وضع الجبهة على الأرض بتمكين».
القول الثاني: إنما الواجب هو مجرد وضع الجبهة على موضع السجود بأي جزء منها دون اشتراط التمكين الثقيل، وهو المشهور عند المالكية. جاء في "الشرح الصغير" للدردير: «والفرض وضع جزء من الجبهة».
4. رَفْع الحرج والمشقة في العبادات (القواعد الكلية)
أقوال الفقهاء: اتفق الفقهاء والمحدثون على أن هذا الحديث أصل في قاعدة "المشقة تجلب التيسير"؛ حيث رخص النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالبسط والسجود على الثياب اتقاءً لحرارة الأرض ودفعاً للمشقة الخارجة عن المعتاد، وحيث اتفقوا على هذا الفرع فلا تعرض للمذاهب فيه.