عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ , لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ))
الأحكام الفقهية المستنبطة من الحديث:
1. حكم ستر العاتق (الكتف) في الصلاة للمصلي إذا كان ثوبه واسعاً يمكنه الالتحاف به
اختلف الفقهاء في هذه المسألة بناءً على توجيه النهي في الحديث:
جمهور العلماء (الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن الإمام أحمد): ذهبوا إلى أن ستر العاتق في الصلاة مستحب وليس بواجب، وأن الصلاة تصح مع الكراهة التنزيهية إن تركه وهو قادر عليه. وحملوا النهي في الحديث على التنزيه والإرشاد؛ لأن العورة المغلظة هي السوأتان والمخففة ما بين السرة والركبة، والعاتق ليس عورة. (ينظر: شرح صحيح مسلم للنووي، فتح الباري لابن حجر، المجموع للشافعي).
المذهب عند الحنابلة (وهي المفردات): ذهبوا إلى أن ستر العاتق (أو أحدهما على الأقل في الفرض) واجب وفرض في الصلاة مع القدرة عليه، فلو صلى وقادر على ستر عاتقه ولم يستر منه شيئاً، لم تصح صلاته؛ عملاً بظاهر النهي الصريح في الحديث والذي يقتضي الفساد. (ينظر: المغني لابن قدامة، والإنصاف للمرداوي).
2. حكم صلاة العاري مع القدرة على الثوب
اتفق الفقهاء على تحريم الصلاة عارياً لمن وجد ما يستر به عورته، وعلى بطلان صلاته إن فعل؛ لأن الحديث ينهى عن الصلاة في الثوب الواحد بشرط عاتقه، فمن باب أولى يمنع الصلاة بلا ثوب أصلاً، وستر العورة شرط من شروط صحة الصلاة بالإجماع عند القدرة. (ينظر: الاستذكار لابن عبد البر، مراتب الإجماع لابن حزم).
3. حكم الصلاة في الثوب الواحد الملتحف به
اتفق الفقهاء على جواز الصلاة في الثوب الواحد إذا كان واسعاً يستر العورة ويمكن الالتحاف به؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث "في الثوب الواحد"، وإنما اشترط أن يوضع منه شيء على العاتق ليتمكن من ستر العورة ولا يسقط الثوب أثناء ركوعه وسجوده. (ينظر: عمدة القاري للعيني، سبل السلام للصنعاني).
4. اشتراط ستر العاتق في صلاة النفل (التطوع)
اختلف القائلون بوجوب ستر العاتق (وهم الحنابلة) في انسحاب هذا الحكم على صلاة النفل:
الرواية المشهورة في مذهب الحنابلة: أن وجوب ستر العاتق مختص بصلاة الفرض فقط دون النفل؛ لأن النفل يتسامح فيه ما لا يتسامح في الفرض.
الرواية الثانية عن الإمام أحمد: أنه واجب في الفرض والنفل على حد سواء؛ لأن الأصل أن ما ثبت في الفرض ثبت في النفل إلا بدليل تخصيص، والحديث جاء عاماً "لا يصلي أحدكم". (ينظر: الشرح الكبير لشمس الدين ابن قدامة، الفروع لابن مفلح).
5. حد الواجب ستره من العاتق عند القائلين بالوجوب
اختلف الحنابلة في القدر الواجب ستره من الكتف بناءً على اللفظ الوارد في الروايات ("شعر سائر العاتق" أو "منه شيء"):
القول الأول (وهو المذهب): يجزئ ستر أحد العاتقين فقط؛ لأن اللفظ جاء بالمفرد "ليس على عاتقه" ولأن بعض الروايات جاءت بلفظ "على عاتقيه" فحملوا المطلق على المقيد بالحد الأدنى وهو ستر أحدهما.
القول الثاني: يجب ستر العاتقين معاً؛ امتثالاً للرواية التي جاءت بصيغة التثنية "ليس على عاتقيه منه شيء". (ينظر: كشاف القناع للبهوتي، والمبدع لابن مفلح).