الإشعارات
مسح الكل

شرح كتاب عمدة الأحكام ـ الحديث ١١٦


يوسف هشام
(@user550751)
Honorable Member
انضم: مند 9 أشهر
المشاركات: 223
بداية الموضوع  

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ أَكَلَ ثُوماً أَوْ بَصَلاً. فَلْيَعْتَزِلْنَا أَوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا، وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ. وَأُتِيَ بِقِدْرٍ فِيهِ خَضِرَاتٌ مِنْ بُقُولٍ. فَوَجَدَ لَهَا رِيحاً , فَسَأَلَ؟ فَأُخْبِرَ بِمَا فِيهَا مِنْ الْبُقُولِ. فَقَالَ: قَرِّبُوهَا إلَى بَعْضِ أَصْحَابِي. فَلَمَّا رَآهُ كَرِهَ أَكْلَهَا. قَالَ: كُلْ. فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لا تُنَاجِي)) .



الأحكام الفقهية المستنبطة من الحديث:


1. حكم حضور آكل الثوم أو البصل أو ما في معناهما لصلاة الجماعة في المسجد

اختلف الفقهاء في حكم دخول المسجد لمن أكل هذه البقول وظهرت ريحه:

جمهور العلماء (الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة): ذهبوا إلى أن النهي في الحديث يفيد الكرامة التنزيهية الشديدة (أو كراهة التحريم عند بعض الحنفية)، وأن اعتزال المسجد رخصة له ومعذرة في ترك الجماعة، ويجب عليه الاعتزال أو يُخرج إن آذى الناس بؤذاه. (ينظر: فتح الباري لابن حجر، والمجموع للنووي، والذخيرة للقرافي).

الظاهرية وطائفة من أهل الحديث: ذهبوا إلى أن النهي في الحديث يقتضي التحريم المطلق؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "فليعتزلنا أو ليعتزل مسجدنا"، وصيغة الأمر هنا تفيد الوجوب، فيحرم عليه دخول المسجد حتى تذهب الريح. (ينظر: المحلى لابن حزم).

2. إلحاق كل ذي رائحة كريهة بالثوم والبصل في حكم المنع من المسجد

اتفق الفقهاء على إلحاق كل ما له رائحة كريهة تؤذي المصلين والملائكة بالثوم والبصل؛ كالكرات، والفجل، واللحم المنتن، والتدخين، وكذلك من به بخر في فمه أو جرح منتن، علةً مشتركة وهي "الأذى"، فالأحكام تدور مع عللها وجوداً وعدماً. (ينظر: الاستذكار لابن عبد البر، وبداية المجتهد لابن رشد، وكشاف القناع للبهوتي).

3. إخراج آكل الثوم أو البصل من المسجد إن دخل ولم يعتزل من تلقاء نفسه

اختلف الفقهاء في مشروعية إخراجه قهراً وطريقة ذلك:

جمهور الفقهاء (المالكية، والشافعية، والحنابلة): ذهبوا إلى أنه يُشرع ويُستحب إخراجه من المسجد ونفيه منه إلى البقيع أو غيره؛ عملاً بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وعمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذلك دفعاً للأذى عن المصلين والملائكة. (ينظر: المغني لابن قدامة، وشرح صحيح مسلم للنووي).

الحنفية: ذهبوا إلى أنه لا يُخرج طرداً من المسجد، وإنما يُؤمر بالخروج ويُعزر إن أصر؛ تعظيماً لحرمة المسجد ومنعاً للأذى، لكن لا يُطرد طرد الدواب. (ينظر: حاشية ابن عابدين، وعمدة القاري للعيني).

4. حكم أكل الثوم والبصل في أصله (خارج وقت الصلاة أو لمن لا تجب عليه الجماعة)

اتفق الفقهاء على إباحة وأكل الثوم والبصل والكرات في أصلها، وأنها أطعمة حلال وليست بمحرمة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث "كل"، ولما ثبت في الروايات الأخرى أنه قال: "أيها الناس إنه ليس لي تحريم ما أحل الله لي". (ينظر: التمهيد لابن عبد البر، وشرح الإلمام لابن دقيق العيد).

5. حكم تناول الثوم والبصل اختياراً بقصد التخلف عن صلاة الجماعة (التحيل لسقوط الجماعة)

اختلف الفقهاء فيمن أكلهما عامداً ليتخذ ذلك عذراً للتخلف عن المسجد:

المالكية والحنابلة ووجهاً عند الشافعية: ذهبوا إلى تحريم هذا الفعل، وأنه لا يسقط عنه الإثم بالتخلف؛ لأن القاعدة الفقهية تنص على أن "من تعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه"، والتحيل لترك الواجب والعبادة غير جائز. (ينظر: الفروق للقرافي، والإنصاف للمرداوي).

الحنفية والشافعية في المعتمد: ذهبوا إلى أنه يكره له ذلك، ويُعذر في التخلف بوجود الرائحة منعاً لأذية الغير، وإن كان يأثم بترك الجماعة إن كانت فرض عين عند من يقول بفرضيتها، لكن الرخصة في الاعتزال ثابتة دفعاً للمفسدة المتعدية. (ينظر: غمز عيون البصائر للحموي، وتحفة المحتاج لابن حجر الهيتمي).

6. زوال كراهة دخول المسجد لآكل الثوم والبصل إذا طُبخا أو زالت ريحهما

اتفق الفقهاء على أن كراهة دخول المسجد تزول وتنتفي إذا طُبخ الثوم والبصل طبخاً يُميت ريحهما، أو إذا استعمل الآكل ما يذهب بالرائحة تماماً من مطيبات؛ لأن الحكم يدور مع علته، فإذا عُدمت الريح المؤذية عُدم المنع. (ينظر: فتح الباري لابن حجر، وشرح معاني الآثار للطحاوي).

7. خصوصية النبي صلى الله عليه وسلم في الامتناع عن أكل الثوم والبصل وما له رائحة كريهة

اتفق الفقهاء وشُرَّاح الحديث على أن امتناع النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل هذه البقول هو من خصائصه صلى الله عليه وسلم؛ تعليلاً بقوله: "فإني أناجي من لا تناجي" يعني الملائكة وجبريل عليه السلام، والملائكة تأتيه بالوحي في كل وقت وتتأذى مما يتأذى منه بنو آدم. (ينظر: الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض، وعمدة القاري للعيني).



   
اقتباس
شارك: