عَنْ جَابِرِ بنِ عبدِ اللهِ رضي اللهُ عنهما أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: ((مَنْ أَكَلَ الثُّومَ وَالْبَصَلَ وَالْكُرَّاثَ فَلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الإِنْسَانُ)) . وفي روايةٍ ((بني آدمَ)) .
الأحكام الفقهية المستنبطة من الحديث:
1. حكم قربان المساجد لمن أكل الكُرّاث وما في معناه
اتفق الفقهاء على الحاق الكُرّاث بالثوم والبصل في حكم النهي عن قربان المساجد؛ للتنصيص عليه في هذه الرواية "والكراث"، ولأن العلة فيه واحدة وهي الرائحة النفاذة المستكرهة التي تؤذي المصلين والملائكة. (ينظر: الاستذكار لابن عبد البر، والمجموع للنووي).
2. حكم دخول آكل هذه البقول إلى مصلى العيد والجنائز ومجالس العلم ونحوها
اختلف الفقهاء في سريان هذا المنع على غير المساجد المبنية، كالمصليات ومجالس الذكر:
الجمهور (الحنفية والشافعية والحنابلة): ذهبوا إلى أن المنع يشمل مصلى العيد والجنائز ومجالس العلم والذكر؛ لأن العلة هي أذية الآدميين والملائكة، وهي متحققة في كل مجتمع وخاصة في عبادة، والملائكة تحضر مجالس العلم والذكر. (ينظر: حاشية ابن عابدين، والفتوحات الربانية لابن علان، والإنصاف للمرداوي).
المالكية: ذهبوا في المشهور إلى أن المنع مقصور على المساجد المبنية فقط؛ وقوفاً مع نص الحديث "فلا يقربن مسجدنا"، ولأن للمسجد حرمة وأحكاماً خاصة لا تنطبق على غيره من المصليات التابعة للمقابر أو الصحاري. (ينظر: مواهب الجليل للحطاب، والذخيرة للقرافي).
3. إثبات صفة التأذي للملائكة الكرام مما يتأذى منه البشر
اتفق الفقهاء وشراح الحديث على أن الملائكة تتأذى بالروائح الكريهة والمنتنة والأقذار كما يتأذى بنو آدم؛ للنص الصريح في الحديث: "فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنسان"، ويترتب على ذلك وجوب تنزيه المساجد عن كل ما يؤذي الملائكة المقربين وحفظها طيبة طاهرة. (ينظر: فتح الباري لابن حجر، وعمدة القاري للعيني).
4. حكم دخول آكل الثوم والبصل والكرات إلى المسجد في غير أوقات الصلاة (حين يخلو المسجد)
اختلف الفقهاء فيمن دخل المسجد بهذه الرائحة في وقت ليس فيه جماعة ولا مصلون:
الشافعية والحنابلة وبعض المالكية: ذهبوا إلى كراهة دخوله أيضاً حتى لو كان المسجد خالياً من الآدميين؛ لأن المسجد لا يخلو من ملائكة الرحمن المقيمين فيه أو الطوافين، والحديث علل بأذية الملائكة مطلقاً ولم يقيدها بأوقات الصلوات. (ينظر: مغني المحتاج للشربيني، وكشاف القناع للبهوتي).
الحنفية وبعض المالكية: ذهبوا إلى أن الكراهة تزول أو تخف إذا كان المسجد خالياً؛ لأن الأذية الكبرى تقع على المصلين الآدميين بقطع خشوعهم، فإذا انعدموا جاز الدخول لحاجة، والملائكة الحفظة لا تفارق العبد على كل حال. (ينظر: البناية لشرح الهداية للعيني، والمنتقى للباجي).