عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - قَالَ: ((عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - التَّشَهُّدَ - كَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ - كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ , وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ , السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ. أَشْهَدُ أَنْ لا إلَهَ إلَاّ اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ))
١٢٦ - وَفِي لَفْظٍ: ((إذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاةِ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ للهِ - وَذَكَرَهُ - وَفِيهِ: فَإِنَّكُمْ إذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ - وَفِيهِ - فَلْيَتَخَيَّرْ مِنْ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ))
الأحكام الفقهية المستنبطة من الحديث:
حكم التشهد الأول
اختلف الفقهاء في حكم التشهد الأول (الذي يعقبه ركعتان في الصلاة الثلاثية والرباعية): ذهب الشافعية في الأصح والحنابلة في رواية والمالكية في المشهور إلى أنه سنة (وليس بفرض). وذهب الحنابلة في المعتمد من المذهب، وهو قول إسحاق وأبي ثور، إلى أنه واجب يجبر بسجود السهو. وذهب الحنفية إلى أنه واجب يأثم تاركه عمداً وتجب الإعادة معه، لكن الصلاة لا تبطل بتركه.
حكم التشهد الأخير
اختلف الفقهاء في فرضية التشهد الأخير في الصلاة: ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن التشهد الأخير فرض وركن من أركان الصلاة لا تصح الصلاة إلا به. وذهب الحنفية والمالكية إلى أن التشهد الأخير ليس بركن ولا فرض، بل الفرض عندهم هو القعود بمقدار التشهد، أما اللفظ نفسه فـ "سنة" عند المالكية، و"واجب" عند الحنفية.
اختيار صيغة التشهد الأفضل
اختلف العلماء في أي صيغ التشهد المأثورة أفضل: ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن تشهد ابن مسعود (المذكور في الحديث) هو الأفضل والأرجح لشدة عناية الرسول صلى الله عليه وسلم في تعليمه إياه (كفي بين كفيه). وذهب الشافعية إلى أن تشهد ابن عباس رضي الله عنهما ("التحيات المباركات الصلوات...") هو الأفضل. وذهب المالكية إلى أن تشهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ("التحيات لله، الزاكيات لله...") هو الأفضل.
حكم الجلوس للتشهد الأخير
اتفق الفقهاء على أن الجلوس للتشهد الأخير فرض وركن من أركان الصلاة، فمن تركه بطلت صلاته؛ واحتجوا بمفهوم قوله في اللفظ الآخر "إذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل".
حكم السلام على النبي بلفظ الخطاب بعد وفاته
اختلف الفقهاء في استمرار قول "السلام عليك أيها النبي" بصيغة الخطاب بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بناءً على ما رُوي عن ابن مسعود في بعض الروايات خارج الصحيحين (أنه قال: فلما قُبض قلنا السلام على النبي): ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى بقاء اللفظ على صيغة الخطاب "السلام عليك أيها النبي" كما علمه النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه وكما استقر عليه الإجماع العملي في الصلاة. وذهب بعض الصحابة والتابعين، وهو وجه عند الشافعية واختيار بعض الحنابلة كابن تيمية، إلى جواز الإتيان بلفظ الغيبة "السلام على النبي" بعد وفاته.
حكم الدعاء بعد التشهد وقبل السلام
اتفق الفقهاء على مشروعية الدعاء بعد الفراغ من التشهد وقبل السلام؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: "فليتخير من المسألة ما شاء".
صفة الدعاء المخيّر فيه بعد التشهد
اختلف الفقهاء في نوعية الأدعية التي يجوز للمصلي أن يدعو بها في هذا الموضع: ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه يجوز للمصلي أن يدعو بـكل ما شاء من أمور الدين والدنيا والأخرة مما يجوز في الدعاء مطلقا. وذهب الحنفية إلى أنه لا يدعو إلا بما ورد في القرآن أو المأثور من السنة، أو بما يشبه ألفاظ القرآن، ولا يجوز الدعاء بكلام يشبه كلام الناس (مثل طلب الرزق المعين أو نكاح امرأة بعينها) لئلا تبطل الصلاة عندهم.
حكم الترتيب والتوالي في ألفاظ التشهد
اختلف الفقهاء في اشتراط الترتيب والموالاة بين كلمات التشهد: ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الترتيب والموالاة بين كلمات التشهد شرط لصحة الاعتداد به، فلو قدم جملة أو فصل فصلاً طويلاً لم يصح. وذهب الحنفية والمالكية إلى أن الترتيب والموالاة سنة في التشهد، فلو قدم وأخر أو فصل، أجزأه مع الكراهة.