عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: ((مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ , ثُمَّ رَاحَ في الساعَةِ ⦗١٠٤⦘ الأُولى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً. وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً. وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ. وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً. وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً. فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلائِكَةُ يَسْمَعُونَ الذِّكْرَ))
الأحكام الفقهية المستنبطة من الحديث:
أولاً: حكم غسل الجمعة
اختلف الفقهاء في حكم غسل الجمعة هل هو واجب (يأثم تاركه) أم سنة مستحبة على قولين:
القول الأول (أنه سنة مؤكدة ومستحب): وهو قول جمهور العلماء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة، وحكاه بعضهم إجماعاً بعد العصر الأول. ووجه الدلالة من الحديث عندهم أن الغسل لو كان واجباً لَمَا علّق الشارع حصول الثواب المترتب على التبكير به (بقرينة التخيير والترغيب بقرابين النوافل).
القول الثاني (أنه واجب فرض): وهو مذهب أهل الظاهر، ورواية عن الإمام أحمد، وقول طائفة من السلف، مستدلين بظاهر أحاديث أخرى مثل "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم". (ينظر: "الاستذكار" لابن عبد البر، "المغني" لابن قدامة، "المجموع" للنووي).
ثانياً: وقت غسل الجمعة وهل يجزئ قبل الفجر أو يتقيد بالذهاب؟
اختلف الفقهاء في تحديد الوقت الذي يصح فيه غسل الجمعة وتأثيره في تحصيل السُنّة على ثلاثة أقوال:
القول الأول (يبدأ من طلوع الفجر الثاني ولا يصح قبله): وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة. فلو اغتسل بعد الفجر أجزأه وإن لم يتصل بالذهاب إلى الصلاة، إلا أن الشافعية والحنابلة قالوا: الأفضل اتصال الغسل بالرواح (الذهاب).
القول الثاني (اشتراط اتصال الغسل بالرواح إلى المسجد): وهو مذهب المالكية. فالغسل عندهم مرتبك بالذهاب، فلو اغتسل بعد الفجر ثم نام أو أحدث فاصلاً طويلاً (غير يسير) ثم ذهب، لم يجزئه غسل الجمعة وتلزمه إعادته لتحصيل السنة.
القول الثالث (يجزئ قبل الفجر في ليلتها): وهو قول ضعيف شاذ عند بعض الفقهاء، ولم يرتضه عامة أصحاب المذاهب. (ينظر: "بداية المجتهد" لابن رشد، "المجموع" للنووي، "كشاف القناع" للبهوتي).
ثالثاً: المراد بالساعات المذكورة وتحديد وقت الابتداء بها
اختلف الفقهاء في المراد بالساعات الخمس الواردة في الحديث، ومتى يبدأ وقتها على قولين:
القول الأول (تبدأ الساعات من طلوع الفجر الثاني): وهو مذهب الشافعية، والحنابلة، وجمهور العلماء. واعتبروا أن الساعات المذكورة هي ساعات النهار الشرعي (الممتد من طلوع الفجر إلى غروب الشمس)، فيقسّم الوقت من الفجر إلى خروج الإمام إلى اثني عشر جزءاً (ساعات فلكية معنوية تزيد وتنقص بحسب طول النهار وقصره)، وتكون الساعات الخمس الأولى منها هي المقصودة بالتبكير.
القول الثاني (تبدأ الساعات من طلوع الشمس): وهو مذهب المالكية في المشهور عندهم. وذهب مالك إلى أن الذهاب (الرواح) لا يكون إلا بعد الزوال (زوال الشمس)، واعتبر الساعات المذكورة أجزاءً لطيفة متقاربة تقع قبيل الزوال بيسير، أو أنها مجرد تقسيم لمراتب التبكير والمسارعة عند النداء للجمعة وليست ساعات حقيقية من أول النهار لأن الذهاب أول النهار عندهم مكروه أو غير مشروع. (ينظر: "فتح الباري" لابن حجر، "الذخيرة" للقرافي، "طرح التثريب" للعراقي).
رابعاً: حكم التقرب بغير بهيمة الأنعام بالهدايا والصدقات (كالطير والبيض)
اختلف الفقهاء في جواز إطلاق لفظ "التقريب" أو "الهدي" على غير بهيمة الأنعام (كالدجاج والبيض) على قولين:
القول الأول (جواز إطلاق الهدي والتقريب على غير الأنعام مجازاً في باب التطوع): وهو مذهب الجمهور، حيث استدلوا بالحديث على جواز الصدقة والتقرب بالطير والبيض كأعمال بر، مع اتفاقهم على أن الهدي الواجب في الحج والضحايا لا يجزئ فيه إلا بهيمة الأنعام (الإبل والبقر والغنم).
القول الثاني (عدم إطلاق الهدي إلا على الأنعام): وهو مذهب المالكية؛ حيث رأوا أن سياق الحديث جاء على سبيل ضرب الأمثال والتشبيه المعنوي لبيان تفاوت درجات الثواب والفضل، وليس لإثبات مشروعية التقرب بالبيض والدجاج حقيقةً؛ إذ الهدي والقرابين عندهم شرعاً مقصورة على الأنعام. (ينظر: "المنتقى شرح الموطأ" للباجي، "المغني" لابن قدامة).
خامساً: سقوط فضل التبكير ودخول وقت الملائكة لسماع الخطبة
اتفق الفقهاء على أن فضل التبكير الخاص بكتبة الملائكة في الصحف (الذي يوجب الحصول على ثواب القرابين المذكورة) ينقطع بخروج الإمام للخطبة وجلوسه على المنبر؛ لأن الملائكة حينها تطوي الصحف وتجلس للاستماع، ولا يكتب بعد ذلك إلا ثواب الصلاة وإدراك الجمعة دون فضيلة التبكير الساعاتي. (ينظر: "شرح صحيح مسلم" للنووي، "عمدة القاري" للعيني).
سادساً: تفضيل الإبل على البقر في الهدايا والصدقات
اتفق الفقهاء على أن جنس الإبل (البدنة) أفضل في القربات والصدقات والهدايا من جنس البقر، وأن البقر أفضل من الغنم (الكبش)، لترتيب النبي ﷺ ثواب القربات في الحديث تنازلياً من البدنة ثم البقرة ثم الكبش. (ينظر: "الاستذكار" لابن عبد البر، "طرح التثريب" للعراقي).