عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ ⦗١٠٥⦘ الشَّجَرَةِ - رضي الله عنه - قَالَ: ((كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الْجُمُعَةَ , ثُمَّ نَنْصَرِفُ. وَلَيْسَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ نَسْتَظِلُّ بِهِ)) .
وَفِي لَفْظٍ: ((كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ , ثُمَّ نَرْجِعُ فَنَتَتَبَّعُ الْفَيْءَ))
الأحكام الفقهية المستنبطة من الحديث:
الفرع الأول: حكم تقديم صلاة الجمعة قبل الزوال (قبل دخول وقت الظهر)
محل الخلاف: دلّ ظاهر اللفظ الأول للحديث («وَلَيْسَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ نَسْتَظِلُّ بِهِ») على التبكير الشديد بالجمعة، مما جعل الفقهاء يختلفون في جواز صلاتها قبل زوال الشمس:
قول الجمهور (الحنفية، والمالكية، والشافعية): ذهبوا إلى أن وقت صلاة الجمعة هو وقت صلاة الظهر، فلا تجزئ صلاتها قبل الزوال أبداً. وحملوا حديث سلمة بن الأكوع على المبالغة في تعجيلها فور الزوال مباشرة، بحيث يكون الظل قصيراً جداً لا يكفي للاستظلال به عند الانصراف، بدليل اللفظ الثاني: «إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ».
قول الحنابلة: ذهب الإمام أحمد بن حنبل في المشهور عنه إلى جواز صلاة الجمعة قبل الزوال (في الساعة السادسة من النهار)، واستدلوا بظاهر اللفظ الأول وبأثار أخرى، وإن كان الأفضل والأولى عندهم صلاتها بعد الزوال خروجاً من الخلاف.
الفرع الثاني: استحباب تعجيل صلاة الجمعة والمبادرة بها فور دخول وقتها
اتفاق الفقهاء: اتفقت المذاهب الأربعة على استحباب المبادرة بصلاة الجمعة وتأديتها في أول وقتها (عقب الزوال مباشرة) دون تأخير، على خلاف صلاة الظهر في شدة الحر (الإبراد). وقد دلّ الحديث بلفظيه بوضوح على هذا التعجيل؛ حيث كان الانصراف يقع والظل لم يمتد بعدُ في الحيطان والسكك امتداداً يُستظل به.
الفرع الثالث: جواز إطلاق لفظ "الجمعة" على فعل الصلاة (التجميع)
اتفاق الفقهاء: دلّ الحديث بلفظه الثاني («كُنَّا نُجَمِّعُ») على جواز استخدام الفعل "جمَّع" أو "نُجمِّع" للدلالة على شهود صلاة الجمعة وإقامتها، وهو اصطلاح لغوي وفقهي سائغ لا خلاف فيه بين العلماء.
الفرع الرابع: مشروعية تتبع الفيء (الظل) بعد الانصراف من الصلاة
اتفاق الفقهاء: دلّ قوله: «ثُمَّ نَرْجِعُ فَنَتَتَبَّعُ الْفَيْءَ» على مشروعية الاستظلال وتتبع الظل عند المشي في الطرقات لاتقاء حرارة الشمس، وهو من باب الأخذ بالرخص المباحة والرفق بالنفس، ولم يختلف الفقهاء في إباحة ومشروعية ذلك للمصلي بعد انصرافه.