عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنه قَالَ: ((خَطَبَنَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ الأَضْحَى بَعْدَ الصَّلاةِ , فَقَالَ: مَنْ صَلَّى صَلاتَنَا وَنَسَكَ ⦗١٠٧⦘ نُسُكَنَا فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ , وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلاةِ فَلا نُسُكَ لَهُ. فَقَالَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ - خَالُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ - يَا رَسُولَ اللَّهِ , إنِّي نَسَكْتُ شَاتِي قَبْلَ الصَّلاةِ. وَعَرَفْتُ أَنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ. وَأَحْبَبْتُ أَنْ تَكُونَ شَاتِي أَوَّلَ مَا يُذْبَحُ فِي بَيْتِي. فَذَبَحْتُ شَاتِي , وَتَغَذَّيْتُ قَبْلَ أَنْ آتِيَ الصَّلاةَ. فَقَالَ: شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , فَإِنَّ عِنْدَنَا عِنَاقاً هِيَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ شَاتَيْنِ أَفَتُجْزِي عَنِّي؟ قَالَ: نَعَمْ , وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ))
الأحكام الفقهية المستنبطة من الحديث:
الفرع الأول: اشتراط ذبح الأضحية بعد صلاة العيد (تحديد بداية وقت الذبح)
أجمع العلماء على أن الذبح قبل دخول وقت الأضحية لا يجزئ، ولكنهم اختلفوا في تحديد البداية الدقيقة لوقت الذبح على عدة أقوال:
مذهب الشافعية والحنابلة: وقت الأضحية يدخل إذا مضى من الوقت بعد طلوع شمس يوم النحر قدر ما يتسع لركعتين خفيفتين وخطبتين خفيفتين، سواء صلّى المضحي أو لم يصلّ، وسواء صلّى الإمام أو لم يصلّ.
مذهب الحنفية: يختلف الوقت باختلاف الأماكن؛ فإن كان المضحي من أهل الأمصار (المدن التي تقام فيها صلاة العيد) فلا يجوز له الذبح إلا بعد صلاة العيد. أما أهل القرى والبوادي (الذين لا تجب عليهم صلاة العيد ولا تقام عندهم) فيجوز لهم الذبح بعد طلوع الفجر الثاني يوم النحر.
مذهب المالكي: لا يجوز الذبح إلا بعد صلاة الإمام وخطبته وفراغه من ذبح أضحيته (أو مضي زمن ذبح الإمام إن لم يذبح)، فإن ذبح المضحي قبل ذبح الإمام لم تجزئه أضحيته.
الفرع الثاني: السن المجزئ في الأضحية من المعز (إجزاء الجذع من المعز)
العناق هي الأنثى من ولد المعز لم تبلغ سنة (وهي جذعة). وقد اختلف الفقهاء في إجزاء الجذع من المعز في الأضحية:
جمهور العلماء (الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة): اتفقوا على أنه لا يجزئ من المعز إلا الثني (وهو ما تم له سنة ودخل في الثانية)، ولا يجزئ الجذع من المعز لأحدٍ بعد أبي بردة بن نيار رضي الله عنه؛ للفظ الحديث الصريح: «ولن تجزي عن أحد بعدك».
مذهب الأوزاعي وعطاء بن أبي رباح: ذهبوا إلى جواز التضحية بالجذع من المعز مطلقاً ولجميع الناس، وحملوا قوله صلى الله عليه وسلم «ولن تجزي عن أحد بعدك» على الرفق بأبي بردة أو لخصوصية أخرى لم يرتضها الجمهور لمخالفتها ظاهر النص التقييدي.
الفرع الثالث: حكم الأضحية (هل هي واجبة أم سنة مؤكدة؟)
اختلف الفقهاء في حكم الأضحية على قولين:
مذهب الشافعية والحنابلة وهو المشهور عن المالكية: الأضحية سنة مؤكدة وليست بواجبة على القادر.
مذهب الحنفية وهو رواية عن مالك وأحمد: الأضحية واجبة عيناً على الموسر المقيم في يوم النحر.
الفرع الرابع: حكم تكرار الأضحية في البيت الواحد (هل تجزئ الشاة الواحدة عن أهل البيت؟)
اختلف الفقهاء في مدى إجزاء الشاة الواحدة عن الرجل وأهل بيته:
مذهب المالكية والشافعية والحنابلة: تجزئ الشاة الواحدة عن الرجل وعن أهل بيته (من يلتزم بنفقتهم) في الثواب.
مذهب الحنفية: لا تجزئ الشاة الواحدة إلا عن شخص واحد فقط، فإن كان في البيت أكثر من موسر وجب على كل واحد منهم أضحية مستقلة.
الفرع الخامس: وجوب صلاة العيد
دلت الإشارة في الحديث «من صلى صلاتنا» على مشروعية صلاة العيد، واختلف الفقهاء في حكمها:
مذهب الشافعية والمالكية: صلاة العيد سنة مؤكدة.
مذهب الحنفية: صلاة العيد واجبة على الأعيان (الذين تجب عليهم الجمعة).
مذهب الحنابلة: صلاة العيد فرض كفاية؛ إذا قام بها من يكفي سقط الإثم عن الباقين.
الفرع السادس: جواز الاجتهاد والاستدلال في عصر النبوة
استنبط الأصوليون وشراح الحديث من قول أبي بردة: «وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب... فذبحت شاتي وتغذيت قبل أن آتي الصلاة» جواز بناء المكلف تصرفه على غلبة الظن والاستنباط من مقاصد الشريعة (حيث علم أن يوم العيد يوم ضيافة وأكل فبادر بالذبح ليتغذى وأهله)، ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم أصل تصرفه المبني على هذا الاستنباط، وإنما بيّن له الحكم التوقيفي لوقت الأضحية الشرعي. (وهذا فرع أصولي متفق عليه في الجملة من حيث إقرار النبي لنية أبي بردة واجتهاده، وإن لم يصحح الفعل الشرعي لعدم موافقته الوقت).