الإشعارات
مسح الكل

سلسلة شرح رياض الصالحين، الحديث ( 6 )


(@user186955)
Honorable Member
انضم: مند 9 أشهر
المشاركات: 238
بداية الموضوع  

* متن الحديث
* متن الحديث

عن أبي عبد الله جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما قال:  

كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزَاةٍ، فَقَالَ: «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالًا، مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ، حَبَسَهُمُ الْمَرَضُ».  

وفي رواية: «إِلَّا شَرَكُوكُمْ فِي الْأَجْرِ»  

رواه مسلم

---

* ترجمة الراوي

جابر بن عبد الله الأنصاري هو أحد كبار الصحابة، ومن أشهر رواة الحديث، ومن المكثرين الذين نقلوا عن رسول الله ﷺ علمًا غزيرًا. اسمه الكامل: جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السلمي الخزرجي، من بني سَلِمة، إحدى قبائل الخزرج المشهورة في المدينة. نشأ في بيت إيمان وجهاد، فأبوه عبد الله بن عمرو بن حرام من السابقين إلى الإسلام، ومن النقباء الذين شهدوا بيعة العقبة الثانية، وقد استُشهد في غزوة أُحد، فكان لاستشهاده أثر كبير في حياة جابر، إذ تحمّل مسؤولية أسرته وهو شاب صغير، وكان له تسع أخوات، وكان يقوم عليهن بعد استشهاد أبيه، مما يدل على نضجه المبكر، وتحمله للمسؤولية، وعمق شخصيته.

شهد جابر العقبة الثانية مع أبيه، وكان صغير السن، لكنه كان حاضرًا في أهم لحظات تأسيس الدولة الإسلامية. ثم لازم النبي ﷺ ملازمة طويلة، وروى عنه دقائق الأحكام، وكان من أكثر الصحابة رواية للحديث، إذ بلغ مجموع ما رواه أكثر من ألف وخمسمائة حديث، وهو من السبعة المكثرين المعروفين. وقد أثنى عليه كبار الصحابة والتابعين، وكان مقصدًا لطلاب العلم، حتى إن بعض التابعين كانوا يرحلون إليه من الشام والعراق ليسمعوا منه حديثًا واحدًا.

شارك جابر في تسع عشرة غزوة مع النبي ﷺ، منها: الخندق، بني المصطلق، خيبر، الفتح، حنين، وغيرها. وتخلف عن بدر وأحد بأمر النبي ﷺ ليقوم على خدمة أخواته بعد استشهاد أبيه، وهذا يدل على أن النبي ﷺ كان يراعي ظروفه الخاصة. وكان جابر من فقهاء الصحابة، يُرجع إليه في مسائل الحج خاصة، وله روايات دقيقة في صفة حج النبي ﷺ، حتى قال العلماء: "حديث جابر في الحج أصلٌ في الباب".

كان جابر معروفًا بالزهد والورع، وكثرة العبادة، وحسن الخلق، وكان كريمًا، سخيًا، محبًا للعلم، دقيقًا في النقل، لا يحدّث إلا بما سمعه أو تحقّق منه. وقد عاش طويلًا حتى أدركه كبار التابعين، ورووا عنه، وانتشر علمه في الأمصار. توفي رضي الله عنه سنة 78 هـ تقريبًا، ودُفن بالبقيع، وكان آخر من مات من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار.

---

* تخريج الحديث ومن صححه أو ضعفه من المتقدمين

هذا الحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، في كتاب الجهاد والسير، وهو من الأحاديث المتفق على صحتها عند أهل العلم، لأنه من رواية جابر بن عبد الله، وهو من أثبت الصحابة، ومن رواية مسلم الذي انتقى أحاديث صحيحه بأعلى درجات الدقة. وقد تلقى العلماء هذا الحديث بالقبول، ولم يُعرف عن أحد من المتقدمين تضعيفه أو الاعتراض عليه، بل هو من الأحاديث التي تُعدّ أصلًا في باب النية، وفي باب الأعذار الشرعية، وفي باب مشاركة المعذورين في الأجر.

وقد ذكره أهل الحديث في أبواب متعددة، منها: باب النية، باب الجهاد، باب الأعذار، باب فضل المرض، باب مشاركة العاملين في الأجر. واحتج به الفقهاء في كتبهم، واستدلوا به على مسائل كثيرة، مما يدل على مكانته العلمية. وقد أخرجه أيضًا أصحاب السنن بطرق أخرى، وكلها صحيحة أو حسنة، مما يزيد الحديث قوة وثبوتًا. وقد نص العلماء على أن هذا الحديث من الأحاديث المحكمة التي لا معارض لها، وأنه أصل في قاعدة: "من نوى الخير وعجز عنه كُتب له أجره". وذكره الشراح في سياق بيان فضل النية، وفضل الإخلاص، وفضل المعذورين الذين منعهم المرض أو غيره من الأعذار الشرعية. وقد اتفق أهل العلم على أن الحديث صحيح بلا خلاف، وأنه من الأحاديث التي يُبنى عليها كثير من الأحكام الفقهية.

---

* معاني الكلمات الغريبة

لفظ غزاة يدل على خروج النبي ﷺ وأصحابه في غزوة، والغزوة هي القتال الذي يخرج فيه النبي ﷺ بنفسه. ولفظ ما سرتم مسيرًا يدل على كل حركة في سبيل الله، سواء كانت طويلة أو قصيرة، فكل خطوة محسوبة. ولفظ ولا قطعتم واديًا يشير إلى المشقة، لأن قطع الوديان في الجزيرة العربية كان من أصعب مراحل السفر، لكثرة الرمال أو الصخور أو الحرّ. ولفظ حبسهم المرض يدل على أن المرض كان مانعًا قهريًا، لا اختيار فيه، وأنهم كانوا يريدون الخروج لولا هذا العذر. ولفظ شركوكم في الأجر يدل على المشاركة الكاملة، لا الجزئية، وأنهم نالوا نفس الثواب الذي ناله المجاهدون، رغم أنهم لم يخرجوا بأبدانهم.

وقد ذكر أهل اللغة أن كلمة "شركوكم" تفيد المساواة في أصل الأجر، وأن كلمة "حبسهم" تفيد أن العذر كان قاهرًا، وأنهم كانوا صادقين في نيتهم. وذكر الشراح أن هذا الحديث أصل في باب النية، وأنه يدل على أن الأعمال لا تُعتبر بصورها الظاهرة فقط، بل بما يقوم في القلب من صدق وإخلاص.

---

* شرح موجز للحديث

يخبر النبي ﷺ أصحابه بأن هناك رجالًا في المدينة لم يخرجوا معهم للجهاد، ومع ذلك شاركوهم في الأجر مشاركة كاملة، لأن نيتهم كانت صادقة، ولولا المرض الذي منعهم لخرجوا معهم. وهذا يدل على أن النية الصادقة تبلغ العبد منازل العاملين، وأن العذر الشرعي لا يحرم صاحبه من الأجر، بل قد يرفعه. وقد ذكر الشراح أن هذا الحديث أصل في قاعدة: "من همّ بحسنة فلم يعملها كُتبت له حسنة كاملة"، وأنه يدل على فضل الإخلاص، وعلى أن الله ينظر إلى القلوب قبل الأعمال.

---

* سبب ورود الحديث

ورد الحديث في سياق غزوة تخلف فيها بعض الصحابة لعذر المرض، فبيّن النبي ﷺ أن تخلفهم لم ينقص من أجرهم شيئًا، لأن نيتهم كانت صادقة، ولأنهم كانوا يتمنون الخروج معه، لكن المرض منعهم. وقد ذكر الشراح أن هذا الحديث نزل في قوم من الصحابة كانوا معروفين بالصدق والإخلاص، وأن النبي ﷺ أراد أن يرفع معنوياتهم، وأن يبين للأمة أن العذر الشرعي لا يحرم صاحبه من الأجر.

---

* الفروع الفقهية المستنبطة من الحديث

* الفرع الأول: من نوى عملًا صالحًا ومنعه عذر شرعي كُتب له أجره كاملًا
اتفق الفقهاء على أن من نوى عبادة ثم منعه عذر شرعي كُتب له أجرها كاملًا، واستدلوا بهذا الحديث، وبحديث "إنما الأعمال بالنيات"، وبحديث "إذا مرض العبد أو سافر كُتب له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا". وهذا يشمل الجهاد، والصلاة، والصيام، والحج، وسائر العبادات.

* الفرع الثاني: المريض يُعذر في ترك الجهاد
اتفق الفقهاء على أن المريض معذور في ترك الجهاد، وأنه لا يجب عليه الخروج إذا كان المرض يمنعه، وأنه لا إثم عليه، وأنه يُكتب له الأجر إن كان صادق النية.

* الفرع الثالث: المريض إذا كان يعمل العبادة قبل المرض كُتب له أجرها
اتفق الفقهاء على أن من كان يعمل عبادة ثم مرض، كُتب له أجرها كما كان يعملها وهو صحيح، واستدلوا بالأحاديث الصحيحة في هذا الباب.

* الفرع الرابع: اشتراك غير الحاضرين في الأجر بنية صادقة
اتفق الفقهاء على أن من شارك العاملين بالنية الصادقة شاركهم في الأجر، وأن هذا أصل في باب النيات، وأنه يدخل في عموم قوله ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات".

* الفرع الخامس: أن العذر الشرعي يرفع الإثم ويبقي الأجر
اتفق الفقهاء على أن العذر الشرعي يرفع الإثم، وأنه لا يؤاخذ به



   
اقتباس
شارك: