الإشعارات
مسح الكل

سلسلة شرح رياض الصالحين الحديث ( 7 )


(@user186955)
Honorable Member
انضم: مند 9 أشهر
المشاركات: 238
بداية الموضوع  

* متن الحديث

عن أبي يزيد مَعْنِ بن يزيد بن الأخنس رضي الله عنهم، وهو وأبوه وجدّه صحابيون، قال:  

كان أبي يزيد أخرج دنانير يتصدّق بها فوضعها عند رجل في المسجد، فجئتُ فأخذتُها فأتيتُه بها، فقال: والله ما إياك أردتُ، فخاصمتُه إلى رسول الله ﷺ، فقال: «لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ، وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ».  

رواه البخاري.

 

---

 

* ترجمة الراوي

 

مَعْن بن يزيد بن الأخنس السلمي من الصحابة الكرام، وهو من القلائل الذين اجتمع لهم شرف الصحبة في ثلاثة أجيال: هو وأبوه وجدّه. وهذا يدل على أن أسرته كانت من أوائل من أسلم، ومن أكثرهم ملازمة للنبي ﷺ. كان أبوه يزيد بن الأخنس من أهل السابقة، ومن أهل الصدق والديانة، وكان معروفًا بالكرم والإنفاق، وهو الذي وقعت منه القصة المذكورة في الحديث. أما معن نفسه فقد نشأ في بيت إيمان، وتربّى على يد أبيه الذي كان يحرص على الصدقة، وعلى حضور المسجد، وعلى ملازمة النبي ﷺ، مما جعل معنًا يتشرّب روح العبادة منذ صغره.

 

وقد ذكر أهل السير أن معنًا كان من أهل الفقه والفهم، وأنه كان يروي عن النبي ﷺ وعن أبيه، وأنه كان من أهل الورع، وأنه كان شديد التحري في الرواية، لا يحدّث إلا بما سمعه أو شهده. وكان من أهل المدينة، وشهد كثيرًا من أحداثها، وكان معروفًا بين الصحابة والتابعين. وقد أثنى عليه أهل العلم، وذكروا أنه كان من أهل الصدق، وأنه كان من أهل العبادة، وأنه كان من أهل العلم. وقد روى عنه عدد من كبار التابعين، وانتشر حديثه في كتب السنة. وتوفي في المدينة في زمن مبكر من خلافة بني أمية، بعد أن عاش حياة مليئة بالعلم والعبادة.

 

---

 

* تخريج الحديث ومن صححه أو ضعفه من المتقدمين

 

هذا الحديث أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، في كتاب الزكاة، باب: "إذا تصدق على ابنه وهو لا يشعر". وصحيح البخاري هو أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى، وقد تلقته الأمة بالقبول، واتفق العلماء على صحة أحاديثه. وقد أورد البخاري هذا الحديث في سياق بيان أثر النية في الصدقة، وأن العبرة بما نواه المتصدّق، لا بما وقع بعد ذلك من تصرفات غير مقصودة. وقد ذكره أهل الحديث في أبواب متعددة، منها: باب النية، باب الصدقة، باب الهبة، باب القضاء، باب اختلاف المتخاصمين، باب تصرف الإنسان في ماله.

 

وقد اتفق المتقدمون على صحة هذا الحديث، ولم يُعرف عن أحد من أهل العلم تضعيفه أو الاعتراض عليه. بل هو من الأحاديث التي تُعدّ أصلًا في باب النية، وفي باب الصدقة، وفي باب الهبة، وفي باب القضاء. وقد استدل به الفقهاء في كتبهم، وذكروه في مسائل كثيرة، مما يدل على مكانته العلمية. وقد ذكره الشراح في سياق بيان أن النية هي أساس العمل، وأن العبرة بما قصده الإنسان، لا بما وقع منه بغير قصد. وهذا الحديث من الأحاديث المحكمة التي لا معارض لها، وقد بنى عليه العلماء قواعد فقهية عظيمة.

 

---

 

* معاني الكلمات الغريبة

 

لفظ أخرج دنانير يدل على أن يزيد بن الأخنس أعدّ مالًا مخصوصًا للصدقة، والدنانير هي الذهب المضروب، وكانت من أثمن الأموال. ولفظ يتصدّق بها يدل على أن نيته كانت خالصة لله تعالى، وأنه قصد بها الفقراء والمساكين. ولفظ فوضعها عند رجل في المسجد يدل على أن هذا الرجل كان موضع ثقة، وأنه كان وسيطًا في إيصال الصدقة إلى مستحقيها، وهذا كان معروفًا في زمن النبي ﷺ. ولفظ فجئت فأخذتها يدل على أن معنًا لم يكن يعلم أنها صدقة، وأنه أخذها ظانًا أنها مال مباح له. ولفظ ما إياك أردت يدل على أن يزيد لم يقصد ابنه بالصدقة، وأنه قصد بها غيره. ولفظ فخاصمته إلى رسول الله ﷺ يدل على أن الصحابة كانوا يتحاكمون إلى النبي ﷺ في كل صغيرة وكبيرة، وأنهم كانوا يطلبون حكم الشرع في كل شيء. ولفظ لك ما نويت يا يزيد يدل على أن العبرة في الصدقة بالنية. ولفظ ولك ما أخذت يا معن يدل على أن الأخذ بغير علم لا يفسد الصدقة، وأن الآخذ إذا كان محتاجًا أو مستحقًا جاز له الأخذ.

 

---

 

* شرح موجز للحديث

 

يبيّن الحديث أن يزيد بن الأخنس أخرج مالًا للصدقة، ووضعه عند رجل في المسجد ليقوم بتوزيعه على الفقراء، فجاء ابنه معن فأخذ المال دون أن يعلم أنه صدقة، فلما رآه أبوه قال: "ما إياك أردت"، أي لم أقصدك بالصدقة، فوقع الخلاف بينهما، وذهبا إلى النبي ﷺ ليحكم بينهما. فحكم النبي ﷺ بأن يزيد له أجر ما نوى، لأن الصدقة بنيت على النية، وأن معنًا له ما أخذ، لأن أخذه كان بغير علم، ولأنه من أهل الاستحقاق. وهذا الحديث أصل في باب النية، وفي باب الصدقة، وفي باب القضاء، وفي باب تصرف الإنسان في ماله.

 

---

 

* سبب ورود الحديث

 

سبب ورود الحديث أن يزيد بن الأخنس أراد أن يتصدق بمال، فوضعه عند رجل في المسجد ليقوم بتوزيعه، فجاء ابنه معن فأخذ المال دون أن يعلم أنه صدقة، فلما علم أبوه بذلك قال: "ما إياك أردت"، أي لم أقصدك بالصدقة، فوقع الخلاف بينهما، وذهبا إلى النبي ﷺ ليحكم بينهما. فحكم النبي ﷺ بأن العبرة بالنية، وأن يزيد له أجر ما نوى، وأن معنًا له ما أخذ، لأنه أخذه بغير علم، ولأنه من أهل الاستحقاق. وهذا السبب مذكور في كتب الحديث وشروح البخاري.

 

---

 

* الفروع الفقهية المستنبطة من الحديث

 

* الفرع الأول: العبرة في الصدقة بالنية لا بالوصول الفعلي للمتصدَّق عليه

اتفق الفقهاء على أن الصدقة إذا نواها صاحبها ثم حصل مانع أو تغيّر في وصولها، فإن أجرها ثابت بنية صاحبها، واستدلوا بقول النبي ﷺ: "لك ما نويت يا يزيد".

 

* الفرع الثاني: من أخذ مالًا يظنه مباحًا فتبين أنه صدقة، جاز له أخذه إن كان من أهلها

اتفق الفقهاء على أن من أخذ مالًا بغير علم أنه صدقة، وكان من أهل الاستحقاق، جاز له أخذه، واستدلوا بقول النبي ﷺ: "ولك ما أخذت يا معن".

 

* الفرع الثالث: إذا تصدق الإنسان على غير من قصد، صحت الصدقة إذا كان الآخذ مستحقًا

اختلف الفقهاء:  

- الحنفية والمالكية والشافعية: الصدقة صحيحة إذا كان الآخذ مستحقًا.  

- الحنابلة: إن كان الآخذ غير مستحق لم تصح، وإن كان مستحقًا صحت.  

والحديث يدل على صحة الصدقة إذا كان الآخذ مستحقًا.

 

* الفرع الرابع: جواز التحاكم إلى القاضي في مسائل الهبات والصدقات

اتفق الفقهاء على جواز التحاكم في مثل هذه المسائل، كما فعل معن ويزيد.

 

* الفرع الخامس: أن النية أساس العبادات المالية كما هي أساس العبادات البدنية

اتفق الفقهاء على أن النية شرط في الصدقة، كما هي شرط في الصلاة والصيام.

 

* الفرع السادس: أن الصدقة إذا خرجت من يد صاحبها بنية صحيحة، فقد برئت ذمته

اتفق الفقهاء على أن الصدقة إذا خرجت من يد صاحبها بنية صحيحة، فقد تمت، ولو وقع بعد ذلك تغيير غير مقصود.

 

---

 

* الدروس التربوية والأخلاقية المستفادة من الحديث

 

- * أهمية النية في الأعمال كلها، وأن العبرة بما قصده الإنسان، لا بما وقع منه بغير قصد.  

- * أن الصدقة عبادة قلبية قبل أن تكون عبادة مالية، وأن الإخلاص فيها أساس القبول.  

- * أن الخطأ غير المقصود لا يؤاخذ به الإنسان، كما وقع من معن.  

- * أن التحاكم إلى الشرع هو الأصل في حياة المسلم، كما فعل الصحابة.  

- * أن النبي ﷺ كان يحكم بالعدل، ويراعي النيات، ويبين للناس أن الله ينظر إلى القلوب.  

- * أن الصدقة لا تضيع عند الله، ولو وقع فيها تغيير بعد خروجها من يد صاحبها.  

- * أن على المسلم أن يربي أبناءه على الصدق، والوضوح، والرجوع إلى الشرع في كل شيء.  

- * أن من أخذ مالًا يظنه مباحًا، وكان من أهل الاستحقاق، فلا حرج عليه.  

- * أن الإسلام دين رحمة، يراعي الأعذار، ويعذر الجاهل، ويرفع الحرج.  

- * أن النية قد ترفع العمل، وقد تجعل الخطأ صوابًا، وقد تجعل الصواب خطأً، بحسب ما قام في القلب.

 

---



   
اقتباس
شارك: