الإشعارات
مسح الكل

شرح سلسلة رياض الصالحين، الحديث ٥٧


(@user186955)
Honorable Member
انضم: مند 9 أشهر
المشاركات: 238
بداية الموضوع  

:: متن الحديث ::

عَنْ عُمرَ بنِ الخطابِ، رضيَ اللَّهُ عنه، قَالَ: "بَيْنما نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْد رسولِ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، ذَات يَوْمٍ إِذْ طَلع عَلَيْنَا رجُلٌ شَديدُ بياضِ الثِّيابِ، شديدُ سوادِ الشَّعْر، لا يُرَى عليْهِ أَثَر السَّفَرِ، وَلا يَعْرِفُهُ منَّا أَحدٌ، حتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فَأَسْنَدَ رَكْبَتَيْهِ إِلَى رُكبَتيْهِ، وَوَضع كفَّيْه عَلَى فخِذيهِ وَقالَ: يَا محمَّدُ أَخبِرْنِي عَنِ الإسلامِ فقالَ رسولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: الإِسلامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وأَنَّ مُحَمَّداً رسولُ اللَّهِ وَتُقِيمَ الصَّلاَةَ، وَتُؤتِيَ الزَّكاةَ، وتصُومَ رَمضَانَ، وتحُجَّ الْبيْتَ إِنِ استَطَعتَ إِلَيْهِ سَبيلاً. قَالَ: صدَقتَ. فَعجِبْنا لَهُ يسْأَلُهُ ويصدِّقُهُ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمانِ. قَالَ: أَنْ تُؤْمِن بِاللَّهِ وملائِكَتِهِ، وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ، والْيومِ الآخِرِ، وتُؤمِنَ بالْقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ. قَالَ: صدقْتَ قَالَ: فأَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسانِ. قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّه كَأَنَّكَ تَراهُ. فإِنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فإِنَّهُ يَراكَ قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعةِ. قَالَ: مَا المسْؤُولُ عَنْهَا بأَعْلَمَ مِن السَّائِلِ. قَالَ: فَأَخْبرْنِي عَنْ أَمَاراتِهَا. قَالَ أَنْ تلدَ الأَمَةُ ربَّتَها، وَأَنْ تَرى الحُفَاةَ الْعُراةَ الْعالَةَ رِعاءَ الشَّاءِ يتَطاولُون في الْبُنيانِ ثُمَّ انْطلَقَ، فلبثْتُ ملِيًّا، ثُمَّ قَالَ: يَا عُمرُ، أَتَدرِي منِ السَّائِلُ قلتُ: اللَّهُ ورسُولُهُ أَعْلمُ قَالَ: فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعلِّمُكم دِينِكُمْ "رواه مسلمٌ.

:: ترجمة الراوي ::

عمر بن الخطاب بن نفيل العدوي القرشي، أبو حفص، أمير المؤمنين، ثاني الخلفاء الراشدين، وأحد كبار الصحابة وأئمة الهدى، أسلم في السنة السادسة من البعثة فكان إسلامه فتحًا للمسلمين، وهاجر جهارًا، وشهد بدرًا وأحدًا وسائر المشاهد مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكان شديدًا في الحق لا يخاف في الله لومة لائم، عُرف بالعدل والحزم والفقه، حتى وافق الوحي رأيه في مسائل كثيرة، وهو من كبار فقهاء الصحابة، وكان له اجتهادات عظيمة في السياسة الشرعية والقضاء، تولى الخلافة بعد أبي بكر رضي الله عنه، ففتح الله في عهده الأمصار ونُشرت الشريعة، وهو أول من لُقّب بأمير المؤمنين، ومن فضائله قوله صلى الله عليه وسلم: «لو كان بعدي نبي لكان عمر»، وكان زاهدًا ورعًا شديد المحاسبة لنفسه، استشهد سنة ثلاث وعشرين للهجرة بعد أن طُعن وهو يصلي بالناس الفجر، وأجمع أهل العلم على فضله وعدالته وإمامته رضي الله عنه.

:: التخريج ::

أخرجه الإمام مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، وهو حديث عظيم أصل من أصول الدين، قال النووي: هذا الحديث يجمع جميع علوم الشرع، وصححه جميع الأئمة، وتلقته الأمة بالقبول، واعتمد عليه العلماء في تقسيم الدين إلى مراتب.

:: الإسناد ::

قال الإمام مسلم:

حدثنا يحيى بن يحيى قال قرأت على مالك عن عبد الله بن دينار عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

:: تحقيق رجال الإسناد ::

١. يحيى بن يحيى التميمي

قال ابن معين: ثقة

وقال أحمد: إمام

وقال النسائي: ثقة مأمون

وقال ابن حجر: ثقة ثبت

وقال الذهبي: الإمام

٢. مالك بن أنس

قال الشافعي: مالك حجة الله

وقال أحمد: إمام

وقال ابن معين: ثقة

وقال النسائي: ثقة

وقال الذهبي: إمام دار الهجرة

٣. عبد الله بن دينار

قال ابن معين: ثقة

وقال أحمد: ثقة

وقال النسائي: ثقة

وقال ابن حجر: ثقة ثبت

وقال الذهبي: ثقة

٤. عمر بن الخطاب

صحابي جليل، والصحابة كلهم عدول.

:: الكلمات الغريبة ::

أماراتها: علاماتها

الأمة: الجارية المملوكة

ربتها: سيدتها

العالة: الفقراء

مليًا: زمنًا طويلاً

:: الشرح المفصل للحديث ::

هذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام، بل هو من أجمع الأحاديث، حتى قال العلماء إنه أم السنة، لأنه جمع مراتب الدين الثلاث الإسلام والإيمان والإحسان، وبيّن أركان كل مرتبة، وفيه بيان منهج التعليم النبوي، حيث جاء جبريل في صورة رجل ليعلّم الصحابة بطريقة السؤال والجواب، وفيه بيان أن الإسلام هو الأعمال الظاهرة، والإيمان هو أعمال القلوب والاعتقادات، والإحسان هو كمال المراقبة، كما دل الحديث على أن علم الساعة مما استأثر الله به، وأن أشراطها منها ما يدل على انقلاب الموازين الاجتماعية، كما في تولي غير الأكفاء وارتفاع الفقراء بالبنيان، وفيه دليل على أن التعليم بالسؤال من أنفع طرق التعليم، وأن الدين مبني على مراتب متدرجة، وأن العبد يرتقي من الإسلام إلى الإيمان إلى الإحسان، وكلما زاد تحقيقًا لها زاد قربه من الله.

:: الفروع الفقهية المستنبطة من الحديث ::

١. تقسيم الدين إلى مراتب ثلاث

هذا الحديث أصل في تقسيم الدين إلى الإسلام والإيمان والإحسان، وهو تقسيم معتبر عند أهل السنة، يبيّن أن الدين ليس مرتبة واحدة بل درجات، وكل مرتبة لها أعمالها، وهذا يفيد في فهم النصوص الشرعية وعدم الخلط بينها، كما أن فيه ردًا على من سوّى بين الظاهر والباطن دون تفريق.

قال النووي: هذا الحديث أصل عظيم في بيان الدين كله.

٢. أن الإسلام هو الأعمال الظاهرة

دل الحديث على أن الإسلام يشمل الأركان العملية الظاهرة كالصلاة والزكاة والصوم والحج، وهذا يبيّن أن العمل جزء من الدين لا ينفصل عنه، وأن تركه يؤثر في حقيقة الإسلام، وفيه رد على المرجئة الذين أخرجوا العمل من مسمى الإيمان.

قال ابن تيمية: الإسلام يتناول الأعمال الظاهرة بالإجماع.

٣. أن الإيمان يشمل الاعتقاد

الإيمان في الحديث فُسّر بالأصول الاعتقادية، مما يدل على أن الإيمان قول واعتقاد، وليس مجرد تصديق، بل يتضمن الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر، وهذا أصل في باب العقيدة.

قال البخاري: لقيت أكثر من ألف عالم، فما رأيت أحدًا يختلف في أن الإيمان قول وعمل.

٤. مرتبة الإحسان أعلى المراتب

الإحسان هو أعلى مراتب الدين، وهو مقام المراقبة، أن يعبد العبد ربه كأنه يراه، فإن لم يصل لذلك استحضر أن الله يراه، وهذا يورث الإخلاص والخشوع، ويجعل العبادة حية مؤثرة.

قال ابن القيم: الإحسان لبّ الدين وروحه.

٥. جواز التعليم بالسؤال والجواب

في الحديث دليل على أن التعليم بطريق السؤال من أنفع طرق التعليم، لأنه يثير الانتباه ويثبت المعلومة، وقد استخدمه جبريل بأمر الله ليعلم الصحابة.

قال ابن حجر: فيه استحباب السؤال للتعليم.

٦. أن علم الساعة من الغيب

دل قوله: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» على أن علم الساعة من الغيب الذي استأثر الله به، فلا يعلمه نبي ولا ملك، وهذا أصل في باب الغيب.

قال القرطبي: هذا دليل على انفراد الله بعلم الساعة.

٧. بيان أشراط الساعة

ذكر الحديث بعض أشراط الساعة، كاختلال الموازين الاجتماعية، وتولي غير الأكفاء، وظهور الترف، وهذا يدل على قرب القيامة عند ظهور هذه العلامات.

قال النووي: هذه من العلامات التي وقعت ويزداد وقوعها.

:: الدروس المستفادة ::

١. الدين كامل شامل يجمع بين الظاهر والباطن، فلا يكتمل إيمان العبد إلا بتحقيق الجانبين معًا.

٢. طلب العلم بأسلوب السؤال من أنفع الوسائل، لأنه يرسّخ الفهم ويثير الانتباه.

٣. الإحسان أعلى مراتب الدين، وهو مراقبة الله في السر والعلن مما يزكي النفس ويصلح العمل.

٤. لا يعلم الغيب إلا الله، وفي ذلك تربية على التوكل والتسليم وعدم التعلق بالمجهول.

٥. تغير أحوال الناس من علامات الساعة، مما يدعو المسلم للثبات وعدم الاغترار بالدنيا.

٦. أهمية الجمع بين العلم والعمل، فالإسلام أعمال، والإيمان اعتقاد، والإحسان كمالهما.

٧. الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتعلمون بأدب وتعجب، مما يدل على تعظيمهم للعلم.

٨. هذا الحديث يصلح أن يكون منهجًا متكاملًا لتعليم الدين في جميع مراحله.



   
اقتباس
شارك: