الدر المعقود بشرح سنن أبي داود
الأحاديث (1055) (1056) (1057) (1058) (1059)
214 - باب مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ.
1055 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ (1) حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ (2) أَخْبَرَنِى عَمْرٌو (3) عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى جَعْفَرٍ (4) أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ (5) حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ (6) عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهَا قَالَتْ: " كَانَ النَّاسُ يَنْتَابُونَ الْجُمُعَةَ مِنْ مَنَازِلِهِمْ وَمِنَ الْعَوَالِى".
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه البخاري (902) ومسلم (847) وابن خزيمة (1754) وابن حبان (1237) والبيهقي في الكبرى (5580).
ولفظ البخاري: كَانَ النَّاسُ يَنْتَابُونَ يَوْمَ الجُمُعَةِ مِنْ مَنَازِلِهِمْ وَالعَوَالِيِّ، فَيَأْتُونَ فِي الغُبَارِ يُصِيبُهُمُ الغُبَارُ وَالعَرَقُ، فَيَخْرُجُ مِنْهُمُ العَرَقُ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْسَانٌ مِنْهُمْ وَهُوَ عِنْدِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا».
[تراجم الإسناد]
(1) أحمد بن صالح المصرى، قَالَ أَحْمَدُ العِجْلِيُّ: ثِقَةٌ، صَاحِبُ سُنَّةٍ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: ثِقَةٌ، وقَالَ البُخَارِيُّ: ثِقَةٌ، صَدُوْقٌ، مَا رَأَيْتُ أَحَداً يَتَكَلَّمُ فِيْهِ بِحُجَّةٍ، وتكلم فيه ابن معين والنسائي، والصواب أنه ثقة.
(2) عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبِ بنِ مُسْلِمٍ، المِصْرِيُّ، وثقه أحمد بن حنبل وابن معين وابن عدي.
(3) عمرو بن الحارث المصري. وثقه ابن معين وأبو زرعة، والعجلي، والنسائي.
(4) عبيد الله بن أبي جعفر الحافظ، فقيه مصر أبو بكر المصري، قال أحمد بن حنبل: ليس به بأس، كان يتفقه.
وقال أبو حاتم والنسائي وابن سعد: ثقة.
(5) مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزبير بن العوام القرشي الأسدي المدني. قَال النَّسَائي: ثقة. وذكره ابنُ حِبَّان في كتاب "الثقات".
(6) عروة بن الزبير بن العوام أحد الفقهاء الأثبات.
[شرح الحديث]
في هذا الباب بيان لوجوب الجمعة على أهل الحضر (القرى والمدن وأهل بيوت الحجر وما شابه ذلك) بخلاف أهل البادية أصحاب بيوت الشعر المتقرقين في الصحراء وكذا لا تجب الجمعة على المسافر الآخذ في السير وقت الجمعة، ولو حضروا مسجدا فصلوا الجمعة أجزأتهم.
وهذا قول جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية والحنابلة)، وذهب الحنفية أنه تجب الجمعة على أهل البوادي إذا كانوا مقيمين في مكان (مثل الخيام)، وكانوا يستوطنون فيه.
وفي هذا الحَديثِ تُخبِرُ عائشةُ رَضيَ اللهُ عنها أنَّ النَّاسَ كانوا يَحضُرونَ لِصَلاةِ الجُمُعةِ مِن مَنازلِهم ومِنَ العَوالي، وهي مَناطقُ بالقُربِ مِنَ المَدينةِ؛ لِيُصَلُّوا مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في مَسجِدِه، «فيَأْتُونَ في الغُبارِ»، ووقَعَ في رِوايةِ مسلمٍ: «فيَأْتُون في العَباءِ» جمْعُ عَباءةٍ، وكان يُصيبُهم غُبارُ الطَّريقِ والعرَقُ، ومِثلُ هذا يَتسبَّبُ في اتِّساخِ الثِّيابِ وظُهورِ الرَّوائحِ الكَريهةِ، وهو ما لا يَتناسَبُ مع شَخصِ المسلِمِ في نفْسِه، فضْلًا عن أنْ يكونَ ذلك مع الجَماعاتِ والجُمَعِ في المَساجدِ.
************************
1056 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ (1) حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ (2) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ (3) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ - يَعْنِى الطَّائِفِىَّ (4) - عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ نُبَيْهٍ (5) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هَارُونَ (6) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «الْجُمُعَةُ عَلَى كُلِّ مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةٌ عَنْ سُفْيَانَ مَقْصُورًا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو لَمْ يَرْفَعُوهُ وَإِنَّمَا أَسْنَدَهُ قَبِيصَةُ.
- ---------------------------------•
ضعيف:
أخرجه الدارقطني (1590) والبيهقي في الكبرى (5581)، (5582) وأبو بكر المروزي في "الجمعة وفضلها " رقم (67) وابن المنذر في الأوسط (1761) وفيه أبو سلمة بن نبيه، وعبد الله بن هارون وهما مجهولان.
[تراجم الإسناد]
(1) محمد بن يحيى الذهلي، أحد الأثبات الثقات.
(2) قبيصة بن عقبة. الثقة العابد أبو عامر السوائي الكوفي. وثقه ابن معين، وقال النسائي وغيره: ليس به بأس.
(3) سفيان الثوري.
(4) مُحَمَّد بن سَعِيد الطائفي، أَبُو سَعِيد المؤذن. وثقه الدارقطني، وقال الذهبي: مجهول، وقال ابن حجر: صدوق.
(5) أَبُو سلمة بن نبيه، حجازي. قال الذهبي وابن حجر: مجهول.
(6) عبد الله بن هارون، و يقال ابن أبى هارون، الحجازى، قال ابن حجر: مجهول.
[شرح الحديث]
قوله: "الْجُمُعَةُ عَلَى كُلِّ مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ" أي الجمعة واجبة على كل من سمع الأذان من أهل التكليف وهو المسلم البالغ العاقل المقيم المستطيع. ولو كان المسافر غير شاد وهو يسمع النداء وجب عليه الجمعة.
وذهب الشَّافِعِي وَمَالِك وَأَحْمَد بن حَنْبَلٍ إلى وجوب الْجُمُعَةَ عَلَى أَهْلِ الْمِصْرِ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعُوا النِّدَاءَ.
وقال الشافعي: وَتَجِبُ الْجُمُعَةُ عِنْدَنَا عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْمِصْرِ وَإِنْ كَثُرَ أَهْلُهُ، حَتَّى لَا يَسْمَعَ أَكْثَرُهُمُ النِّدَاءَ. [راجع / الأوسط لابن المنذر (4/ 36)]
وذلك لقوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9]، وظاهر الآيةِ وجوبُ الجُمُعةِ على مَن سمِعَ النِّداءَ.
********************
215 - باب الْجُمُعَةِ فِى الْيَوْمِ الْمَطِيرِ.
1057 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ (1) أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ (2) عَنْ قَتَادَةَ (3) عَنْ أَبِى الْمَلِيحِ (4) عَنْ أَبِيهِ (5) أَنَّ يَوْمَ حُنَيْنٍ كَانَ يَوْمَ مَطَرٍ فَأَمَرَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- مُنَادِيَهُ أَنِ الصَّلاَةُ فِى الرِّحَالِ.
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" (356) والنسائي (854) وابن ماجه (936) وعبد الرزاق (1924) وأحمد (20280) (20700) (20702) وابن الجعد في المسند (960)، (3455) والطيالسي (1417) وابن خزيمة (1657) (1658) (1863) وابن أبي شيبة في المسند (899) وفي المصنف (6263)، (6265) والبزار (2334) وابن حبان (2079) (2081) وابن الأعرابي في المعجم (1370) والطبراني في الأوسط (541).
وللحديث شاهد عن ابن عباس: أخرجه البخاري (616)، (668) ومسلم (699).
[تراجم الإسناد]
(1) مُحَمَّدُ بنُ كَثِيْرٍ أَبُو عَبْدِ اللهِ العَبْدِيُّ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: صَدُوْقٌ. وقال أحمد بن حنبل: ثقة.
(2) هَمَّامُ بنُ يَحْيَى بنِ دِيْنَارٍ العَوْذِيُّ، قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ المُبَارَكِ: هَمَّامٌ ثَبْتٌ فِي قَتَادَةَ.
قال يَزِيد بنَ زُرَيْعٍ: هَمَّامٌ حِفْظُه رَدِيْءٌ، وَكِتَابُهُ صَالِحٌ. وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: ثِقَةٌ، رُبَّمَا غَلِطَ. وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: لاَ بَأْسَ بِهَمَّامٍ.
(3) قتادة بن دعامة، أبو الخطاب السدوسي. ثقة حافظ، موصوف بالتدليس.
(4) أَبُو المَلِيْحِ بنُ أُسَامَةَ بنِ عُمَيْرٍ الهُذَلِيُّ أحد الأثبات، واسم أبي المليح عامر بن أسامة.
(5) أُسَامَةُ بْنُ عُمَيْرٍ الْهُذَلِيَّ وَهُوَ أَبُو أَبِي الْمَلِيحِ الْهُذَلِيُّ صحابي.
له صحبة ورواية، وهو والد أبى المليح الهذلي، من أنفس هذيل، لم يرو عن أسامة غير ابنه أبي المليح.
[شرح الحديث]
«الصَّلاَةُ فِى الرِّحَالِ» هي رخصة نبوية للتخلف عن صلاة الجماعة في المسجد، حيث يُنادي المؤذن بها عند وجود مشقة كالمطر الشديد أو الوحل، و البرد القارس أو الرياح القوية، ليُصلي المسلمون في بيوتهم أو أماكن إقامتهم دفعاً للحرج والمشقة. ومن صلى في بيته أو رَحْلة صلى ظهرا.
وذهب الحنفية أن المطر الشديد مسقط لوجوب الجمعة. وذهب الشافعية أن المطر الذي يبل الثياب عذر للتخلف عن الجمعة، وعند المالكية أن المطر الذي يحمل على تغطية الرؤوس من أعذار التخلف عن الجمعة والجماعة، أما الحنابلة فقال ابن قدامة في المغني وهو حنبلي: ولا تجب الجمعة على من في طريقه إليها مطر يبل الثياب، أو وحل يشق المشي إليها فيه. انتهى.
*********************
1058 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى (1) حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى (2) حَدَّثَنَا سَعِيدٌ (3) عَنْ صَاحِبٍ لَهُ عَنْ أَبِى مَلِيحٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ.
- ---------------------------------•
صحيح لغيره: وهذا إسناده ضعيف لإبهام شيخ سعيد بن أبي عروبة.
[تراجم الإسناد]
(1) أَبُو مُوْسَى العَنَزِيُّ مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى بنِ عُبَيْدٍ؛ وثقه ابن معين؛ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: صَدُوْقٌ، صَالِحُ الحَدِيْثِ. وَقَالَ النَّسَائِيُّ: كَانَ لاَ بَأْسَ بِهِ، كَانَ يُغَيِّرُ فِي كِتَابِهِ. وقال الدارقطني: كان أحد الثقات.
(2) عَبْدُ الأَعْلَى بنُ عَبْدِ الأَعْلَى السَّامِيُّ، القُرَشِيُّ، البَصْرِيُّ؛ قَالَ يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ: ثِقَةٌ. وَأَمَّا ابْنُ سَعْدٍ، فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ بِالقَوِيِّ. وقال أحمد: كان يرى القدر. قال العجلي: بصري، ثِقَةٌ. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة.
(3) سعيد بن أبي عروبة، الإمام، الحافظ عالم أهل البصرة، وأول من صنف السنن النبوية، أبو النضر بن مهران العدوي.
وثقه يحيى القطان. وقيل اختلط بعد ما كبر سنه، ووصفه بعضهم بالتدليس.
**************************
1059 - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ (1) قَالَ سُفْيَانُ بْنُ حَبِيبٍ (2) خَبَّرَنَا عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ (3) عَنْ أَبِى قِلاَبَةَ (4) عَنْ أَبِى الْمَلِيحِ (5) عَنْ أَبِيهِ (6) أَنَّهُ شَهِدَ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فِى يَوْمِ جُمُعَةٍ وَأَصَابَهُمْ مَطَرٌ لَمْ تَبْتَلَّ أَسْفَلُ نِعَالِهِمْ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا فِى رِحَالِهِمْ.
- ---------------------------------•
إسناده صحيح:
أخرجه ابن خزيمة (1863) والحاكم في المستدرك (1085) والبيهقي في الكبرى (5649) كلهم عن سفيان بن حبيب عن خالد الحذاء.
قال الألباني في تعليقه عن صحيح ابن خزيمة (3/ 179): إسناده صحيح وأخرجه جماعة وصححه الحاكم والذهبي من هذه الطريق وكلهم قالوا سفيان بن حبيب عن خالد الحذاء غير أبي داود قال: " قال سفيان بن حبيب خبرنا عن خالد " فمن قرأها خبرنا مبنيا للمجهول أعله بالانقطاع وليس كذلك لرواية الجماعة.
[تراجم الإسناد]
(1) نصر بن علي بن نصر بن علي بن صهبان بن أبي، الحافظ العلامة الثقة أبو عمرو، الأزدي الجهضمي البصري الصغير، وهو حفيد الجهضمي الكبير.
(2) سفيان بن حبيب، الحافظ الثبت أبو محمد البصري البزاز. وثقه أبو حاتم الرازي.
(3) خالد بن مهران، الإمام الحافظ الثقة أبو المنازل البصري المشهور بالحذاء، أحد الأعلام.
(4) أبو قلابة الجرمي البصري. واسمه عبد الله بن زيد بن عمرو أو عامر بن ناتل بن مالك، شيخ الإسلام.
(5) أَبُو المَلِيْحِ بنُ أُسَامَةَ بنِ عُمَيْرٍ الهُذَلِيُّ أحد الأثبات، واسم أبي المليح عامر بن أسامة.
(6) أُسَامَةُ بْنُ عُمَيْرٍ الْهُذَلِيَّ وَهُوَ أَبُو أَبِي الْمَلِيحِ الْهُذَلِيُّ صحابي.
له صحبة ورواية، وهو والد أبى المليح الهذلي، من أنفس هذيل، لم يرو عن أسامة غير ابنه أبي المليح.
[شرح الحديث]
الحديث يرويه أبو المليح عن أبيه أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم زمن صلح الحديبية (في سفر)، والحديبية هي بِئرٌ قريبةٌ مِن مَكَّةَ، وكان اليوم يوم جمعة ونزل مطرٌ خفيف لم يبلل أسفل نعالهم (أي لم تكن الأرض طينية وحلة تعيق الحركة وتشق المشي)، ومع ذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم منادِيَه أن ينادي: "صلّوا في رحالكم" (أي في بيوتكم أو خيامكم).
وفي الحديث: المطر الخفيف الذي لا يبلل أسفل النعل هو عذرٌ يبيح للمسلم عدم حضور صلاة الجماعة في المسجد، ويجوز له الصلاة في بيته.
وفيه: حرص الإسلام على رفع الحرج.
وفيه: أن المشقة تجلب التيسير.
والله الموفق
الدر المعقود بشرح سنن أبي داود
أبو عاصم البركاتي الأثري المصري