الدر المعقود بشرح سنن أبي داود
شرح سنن أبي داود السجستاني، الأحاديث (404) (405)(406)(407)(408)(409)(410)(411)
5 - باب فِى وَقْتِ صَلاَةِ الْعَصْرِ.
404 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ (1) حَدَّثَنَا اللَّيْثُ (2) عَنِ ابْنِ شِهَابٍ (4) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ (4) أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يُصَلِّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ وَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْعَوَالِى وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ.
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه مالك في الموطأ (2/ 12) (14) والبخاري (550) ومسلم (621) والنسائي (506) (507) (508) وابن ماجة (682). وأبو داود الطيالسي (2207) والبيهقي في الكبرى (2073)
[تراجم الإسناد]
(1) قُتَيْبَةُ أَبُو رَجَاءَ بنُ سَعِيْدِ بنِ جَمِيْلٍ الثَّقَفِيُّ.
(2) الليث بن سعد أبو الحارث الإمام المصري.
(3) ابن شهاب الزهري.
(4) أنس بن مالك أبو حمزة الأنصاري رضي الله عنه، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[شرح الحديث]
يوضح الحديث حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على تعليم الصحابة مواقيت الصلاة، فيقول أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه:"كَانَ يُصَلِّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ" يعني يصلي العصر في أول وقته، والشمس مرتفعة بيضاء أي ضوؤها لم يصفر وحية يعني يشعر الإنسان بحرارتها.
وأول وقت العصر عند الشافعية هو إذا صار ظل الشيء مثله. وآخره غروب الشمس.
عند الأحناف أول وقت العصر إذا صار ظل الشيء مثليه ويستمر كذلك إلى غروب الشمس.
والصحيح أن أول وقت العصر إذا صار ظل الشيء مثله سوى ظل الزوال ويستمر إلى أن تصفر الشمس، ثم هو وقت ضرورة إلى غروبها، وذلك لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وصلى بي جبريل العصر حين كان كل شيء مثل ظله، ثم صلى بي المرة الأخيرة حين صار ظل كل شيء مثليه). [رواه أحمد وأبو داود بسند صحيح] وقد تقدم برقم (393).
*******************************
405 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ (1) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ (2) أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ (3) عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ: وَالْعَوَالِى عَلَى مِيلَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةٍ. قَالَ وَأَحْسَبُهُ قَالَ أَوْ أَرْبَعَةٍ.
- ---------------------------------•
إسناده صحيح:
أخرجه عبد الرزاق (2069) واحمد (12644) والمحاملي في الأمالي (297) وإسناده صحيح.
[تراجم الإسناد]
(1) الحَسَنُ بنُ عَلِيِّ بنِ مُحَمَّدٍ الحُلْوَانِيُّ الهُذَلِيُّ،، الخَلاَّلُ، المُجَاوِرُ بِمَكَّةَ.
قَالَ يَعْقُوْبُ بنُ شَيْبَةَ: كَانَ ثِقَةً، ثَبْتاً، مُتْقِناً. وقال النسائي: "ثقة". وقال الترمذي: "كان حافظًا".
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: كَانَ عَالِماً بِالرِّجَالِ، وَلاَ يَسْتَعمِلُ عِلمَهُ.
(2) عَبْدُ الرَّزَّاقِ بنُ هَمَّامِ بنِ نَافِعٍ الحِمْيَرِيُّ الصَّنْعَانِيُّ، قال العِجْلِيُّ: عَبْدُ الرَّزَّاقِ: ثِقَةٌ.
(3) مَعْمَرُ بنُ رَاشِدٍ أَبُو عُرْوَةَ الأَزْدِيُّ مَوْلاَهُم الإِمَامُ، الحَافِظُ الثقة، البَصْرِيُّ نَزِيْلُ اليَمَنِ.
قَالَ أَحْمَدُ العِجْلِيُّ: لَمَّا دَخَلَ مَعْمَرٌ صَنْعَاءَ، كَرِهُوا أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِم، فَقَالَ لَهُم رَجُلٌ: قَيِّدُوْهُ.
قَالَ: فَزَوَّجُوْهُ.
[شرح الحديث]
العوالي (أو العالية) هي منطقة سكنية وتاريخية تقع في الجهة الشرقية والجنوبية الشرقية من المدينة المنورة، وتمتد من جنوب مسجد قباء وتعتبر قريبة من وسط المدينة (البقيع)، وهي قرى ومزارع في مناطق مرتفعة تقع خارج المدينة القديمة، وتشتهر بأنها أحد أبرز أحياء المدينة المنورة حالياً وتتميز بنخيلها وبساتينها.
والعوالي أولها عَلَى مِيلَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةٍ. وَبَعْضُ العَوَالِي مِنَ المَدِينَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ.
واختلف الفقهاء في تحديد قدر الميل والأغلب أن الميل يعادل ألف باع، وهو ما يوازي (1848) متراً.
وقد قدره بعض المعاصرين الميل بالأقيسة المعروفة الآن فذكر أن الميل يعادل ألف باع والباع أربعة اذرع شرعية فتكون مسافته 4×1000× 46.2 = 1848 متراً.
***********************************
406 - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى (1) حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (2) عَنْ مَنْصُورٍ (3) عَنْ خَيْثَمَةَ (4) قَالَ: حَيَاتُهَا أَنْ تَجِدَ حَرَّهَا.
- ---------------------------------•
صحيح من قول خيثمة بن عبد الرحمن:
أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (3301) والبيهقي في الكبرى (2077) وفي الخلافيات (1358).
[تراجم الإسناد]
(1) يوسف بن موسى بن راشد بن بلال القطان، أَبُو يعقوب الكوفي المعروف بالرازي. قَال أَبُو حاتم: صدوق.
وَقَال النَّسَائي: لا بأس به.
(2) جرير بن عبد الحميد الضبى الرازي. قال أبو حاتم صدوق. وقال العجلي: ثقة. وقال الدارقطني: من الثقات الحفاظ.
(3) مَنْصُور بن الْمُعْتَمِرِ، قال فيه يحيى القطان: كان منصور من أثبت الناس.
وقال ابن مهدي: كان منصور أثبت أهل الكوفة.
(4) خَيْثَمَةُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أَبِي سَبْرَةَ المَذْحِجِيُّ، قال العجلي: تابعي ثقةٌ.
[شرح الحديث]
في الأثر فسر خيثمة بن الرحمن رحمه الله معنى أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى العصر والشمس حية فقال حياتها أن تجد حرها، يعني أول وقت العصر.
*******************************
407 - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ (1) قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ (2) عَنِ ابْنِ شِهَابٍ (3) قَالَ عُرْوَةُ (4) وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِى عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يُصَلِّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِى حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ.
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه البخاري (545) ومسلم (611) والترمذي (159) والنسائي (505) وعبد الرزاق (2073) وأحمد (24095) والدارمي (1223).
[تراجم الإسناد]
(1) عبد الله بن مسلمة القعنبى الحارثى، أبو عبد الرحمن المدنى البصرى، قال أبو حاتم: ثقة حجة لم أر أخشع منه. وقال أبو زرعة: ما كتبت عن أحد أجل فى عينى منه.
(2) الإمام مالك بن أنس إمام المدينة ومؤسس المذهب المالكي.
(3) ابن شهاب الزهري.
(4) عروة بن الزبير بن العوام ابن أخت عائشة رضي الله عنها.
[شرح الحديث]
تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يُصَلِّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِى حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ" يعني الشمس مرتفعة لم يظهر الظل من نوافذ الحجرة.
ولفظ البخاري عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى العَصْرَ، وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا لَمْ يَظْهَرِ الفَيْءُ مِنْ حُجْرَتِهَا»
قال ابن رجب في فتح الباري (4/ 276):
ووجهة الدلالة من الحديث على تعجيل العصر: أن الحجرة الضيقة القصيرة الجدران يسرع ارتفاع الشمس منها، ولا تكون الشمس فيها موجودة، إلا والشمس مرتفعة في الأفق جداً.
*********************************
408 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَنْبَرِىُّ (1) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِى الْوَزِيرِ (2) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْيَمَامِىُّ (4) حَدَّثَنِى يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَلِىِّ بْنِ شَيْبَانَ (5) عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَلِىِّ بْنِ شَيْبَانَ قَالَ قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- الْمَدِينَةَ فَكَانَ يُؤَخِّرُ الْعَصْرَ مَا دَامَتِ الشَّمْسُ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً.
- ---------------------------------•
ضعيف:
أخرجه أبو نعيم في "معرفة الصحابة" (4952)، و ابن عبد البر في "التمهيد" (1/ 298 - 299).
لجهالة محمد بن يزيد اليمامي، وكذا شيخه يزيد بن عبد الرحمن.
[تراجم الإسناد]
(1) محمد بن عبد الرحمن بن عبد الصمد العنبرى، أبو عبد الله البصرى، قال ابن حجر والذهبي: ثقة.
(2) إِبْرَاهِيم بْن أَبي الوزير، واسم أَبي الوزير: عُمَر بن مطرف. قال أبو حاتم الرازي: ليس به بأس. وقال الدارقطني: ثقة ليس في حديثه ما يخالف الثقات.
(3) مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْيَمَامِىُّ، قال ابن حجر: مجهول.
(4) يزيد بن عبد الرحمن بن علي بن شيبان الحنفي اليمامي: مجهول. "اللسان" (9/ 313).
(5) عَبْد الرَّحْمَنِ بن علي بن شيبان الحنفي السحيمي اليمامي والد يَزِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن. ذكره ابنُ حِبَّان فِي كتاب "الثقات". ووثقه ابن حجر والذهبي.
(6) علي بن شيبان الحنفي السحيمي اليمامي، والد عَبْد الرحمن بْن عَلِيّ بْن شيبان، له صحبة.
[شرح الحديث]
هذا الحديث إسناده ضعيف ومتنه يخالف ما ورد في صحيح مسلم (613) من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه وفيه: "ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْعَصْرِ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ لَمْ تُخَالِطْهَا صُفْرَةٌ".
وحديث أنس رضي الله عنه وفيه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يُصَلِّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ وَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْعَوَالِى وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ. [أخرجه البخاري ومسلم، وتقدم برقم (404)]
************************
409 - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ (1) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِى زَائِدَةَ (2) وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ (3) عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ (4) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ (5) عَنْ عَبِيدَةَ (6) عَنْ عَلِىٍّ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ: «حَبَسُونَا عَنْ صَلاَةِ الْوُسْطَى صَلاَةِ الْعَصْرِ مَلأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا».
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه البخاري (2931) (4111) (4533) (6396) ومسلم (627) والترمذي (2984) والنسائي (473) وابن ماجه (684) وأحمد (591) (990) (994) (1134) (1150) (1151) (1221) (1327) والدارمي (1268).
[تراجم الإسناد]
(1) عُثْمَان بْن مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن عُثْمَان أَبُو الحسن العبسي الكوفي، المعروف بابن أَبِي شيبة.
(2) يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، أبو سعيد، قَالَ أَحْمَدُ، وَيَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ: ثِقَةٌ.
وَقَالَ ابْنُ المَدِيْنِيِّ: هُوَ مِنَ الثِّقَاتِ.
(3) يزيد بن هارون أبو خالد السلمي الواسطي الحافظ. قال أحمد بن حنبل: كان يزيد حافظا متقنا.
(4) هشام بن حسان الإمام العالم، الحافظ محدث البصرة، أبو عبد الله الأزدي، القردوسي، البصري. قال احمد: لا بأس به. وقال ابن معين: لا بأس به.
(5) محمد بن سيرين الإمام، شيخ الإسلام، أبو بكر الأنصاري، البصري، مولى أنس بن مالك، خادم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان أبوه من سبي جرجرايا تملكه أنس، ثم كاتبه على ألوف من المال، فوفاه وعجل له مال الكتابة قبل حلوله.
(6) عَبِيْدَةُ بنُ عَمْرٍو السَّلْمَانِيُّ المُرَادِيُّ الكُوْفِيُّ صاحب علي وابن مسعود رضي الله عنهما أسلم قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين ولم يره فهو تابعي. قَال أَحْمَد بْن عَبد اللَّهِ العجلي: كوفي تابعي ثقة.
[شرح الحديث]
يوم الخندق وهي غزوة الأحزاب، ووقعت أحداث هذه الغزوة في شهر ذي القعدة من السنة الخامسة للهجرة، وكان المحرّك لها يهود بني النضير بعد إجبار المسلمين لهم على الخروج من المدينة عقاباً على خيانتهم وغدرهم، مما أثار في قلوبهم مشاعر الحقد والغيظ، فأخذوا يحيكون المؤامرات والدسائس للقضاء على المسلمين، وإنهاء سيطرتهم على المدينة.
فجمع اليهود الأحزاب وحزبوهم ضد المسلمين، وجاءت الأخبار إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باقتراب الأحزاب من المدينة، فعقد اجتماعاً عاجلاً مع كبار المهاجرين والأنصار لمناقشة ما ينبغي فعله لصدّ العدوان، فاتفقت آراؤهم على ضرورة الخروج إلى تلك القوّات ومنعها من الوصول، لكنّ سلمان الفارسيّ رضي الله عنه كان له رأيٌ آخر، حيث أشار على النبي - صلى الله عليه وسلم - بحفر خندقٍ كبير كما كانوا يفعلونه في أرض فارس، فأُعجب النبي - صلى الله عليه وسلم - بفكرته، وأمر بحفر الخندق في شمال المدينة، وذلك لأنّ بقيّة الجهات كانت محصّنةً بالبيوت المتقاربة والأشجار المتشابكة، والأراضي الصخريّة، التي تحول دون دخول المشركين وتقدّمهم.
ووصلت جموع الأحزاب إلى المدينة، ليفاجؤوا بوجود خندقٍ يحول بينهم وبين اقتحامها، فلم يكن أمامهم سوى ضرب الحصار على المسلمين، والبحث عن فرجةٍ تمكنهم من الدخول، لكنّ المسلمين كانوا يقظين لمحاولاتهم، فكانوا يرمونهم بالسهام لمنعهم من الاقتراب.
واستمرّت المناوشات بين الفريقين طيلة أيام الحصار، تمكّن خلالها خمسةٌ من المشركين من اقتحام الخندق، فقُتل منهم اثنان وفرّ الباقون، واستُشهد بعض المسلمين، كان منهم سعد بن معاذ رضي الله عنه الذي أُصيب في ذراعه، فدعا الله عزوجل أن يطيل في حياته حتى يقرّ عينه في بني قريظة، فاستجاب الله دعاءه ومات بعد أن حكم فيهم بحكم الله.
ونظراً للضربات المتواصلة من المشركين، اضطر المسلمون في بعض الأحيان إلى تأخير الصلاة، وربما فاتهم وقتها بالكلّية، حتى دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - عليهم بقوله: (ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم نارا كما شغلونا عن الصلاة حتى غابت الشمس) رواه البخاري.
قوله صلى الله عليه وسلم "حَبَسُونَا عَنْ صَلاَةِ الْوُسْطَى صَلاَةِ الْعَصْرِ " فدل ذلك على أن صلاة العصر هي الصلاة الوسطى.
ولها فضل قال تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى. وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238].
والحبس هنا بالانشغال والقتال حتى غربت الشمس، وذلك قبل نزول صلاة الخوف.
ثم قال صلى الله عليه وسلم: "مَلأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا" وفيه مشروعية الدعاء على العدو المعتدين والظالمين.
وفي بيان حرصه صلى الله عليه وسلم على عدم فوات الخير.
وفيه وجوب قضاء الفوائت.
وفيه عدم مؤاخذة المكره.
وفيه أن الضرورة تقدر بقدرها، والضرورات تبيح المحظورات.
***************************************
410 - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ (1) عَنْ مَالِكٍ (2) عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ (3) عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ (4) عَنْ أَبِى يُونُسَ مَوْلَى عَائِشَةَ (5) - رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهُ قَالَ أَمَرَتْنِى عَائِشَةُ أَنْ أَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا وَقَالَتْ إِذَا بَلَغْتَ هَذِهِ الآيَةَ فَآذِنِّى {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى} فَلَمَّا بَلَغْتُهَا آذَنْتُهَا فَأَمْلَتْ عَلَىَّ "حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَصَلاَةِ الْعَصْرِ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ" ثُمَّ قَالَتْ عَائِشَةُ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-.
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه مالك في الموطأ (1/ 138) رقم (25) و مسلم (629) والترمذي (2982) والنسائي (472) وأحمد (24448) (25450)
وله شاهد عن حفصة رضي الله عنها
أخرجه مالك في الموطأ (1/ 139) رقم (26)، وعبد الرزاق (2202) وابن أبي شيبة (8599) وأبو يعلى في المسند (7129).
[تراجم الإسناد]
(1) عبد الله بن مسلمة القعنبى.
(2) الإمام مالك بن أنس.
(3) زَيْدُ بنُ أَسْلَمَ أَبُو عَبْدِ اللهِ العَدَوِيُّ العُمَرِيُّ؛ أحد التابعين؛ قال مالك بن أنس وغيره: كانت لزيد بن أسلم حلقة في مسجد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان ثقة كثير الحديث، وقال عبد الله بن أحمد: سئل أبي، عن زيد بن أسلم. فقال: ثقة. «العلل» (856).
وعن يحيى بن معين قال: زيد بن أسلم مدني ثقة.
(4) الْقَعْقَاعُ بْنُ حَكِيمٍ الْمَدَنِيُّ؛ وَثَّقَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، ويحيى ابن معين؛ وَقَال أَبُو حاتم: ليس بحديثه بأس.
وذكره ابنُ حِبَّان في كتاب "الثقات؛ روى له الْبُخَارِيّ فِي "الأدب"، والباقون.
(5) أبو يونس المدنى، مولى عائشة، ذكره ابنُ حِبَّان فِي كتاب "الثقات".
[شرح الحديث]
اختلف الصحابة في تعيين الصلاة الوسطى، فمنهم من قال هي العصر وهو الصحيح. وهو مروي علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وأبو هريرة، وعائشة وحفصة رضي الله عنهم. واستدلوا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر -ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً.
ومنها: أنها لا تُجمع إلى غيرها لا في سفر ولا مطر ولا غيرهما، فتأكدت عن غيرها.
ومنها: أنه يَجتمع في الفجر ظلمةُ الليل وضوءُ النهار، وتشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار.
ومنهم من قال هي الظهر، وهو مروي عن زيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري وابن عمر رضي الله عنهم.
ومنهم من قال هي الصبح وهو مروي عن أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وابن عباس، وأبي بن كعب وجابر، وأبي موسى الأشعري، رضي الله عنهم، وطاووس، وعطاء، وعكرمة، ومجاهد، ومالكٍ في المشهور عنه، والشافعي، وغيرهم، أنها الصبح. واستدلوا بأنها بين صلاتي ليل وصلاتي نهار، وبأنها وقت القنوت.
وقوله في الحديث: "حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَصَلاَةِ الْعَصْرِ" دل الحديث أن صلاة العصر غير الصلاة الوسطى لأن الشيء لا يعطف على نفسه إلا أن يكون من باب التفسير والتوضيح، على مذهب من يرى جواز كتابة التفسير مع القرآن في نفس الصحيفة عند أمن اللبس، وكان بعض الصحابة يفعله كأبي بن كعب وابن مسعود.
قال الشافعي: حديث عائشة أنها سمعت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «وصلاةِ العصر» يدل على أن الوسطى ليست العصر. اهـ. نقله البيهقي في "معرفة السنن والآثار (2834) ".
وصلاة العصر لها فضل كبير، قال صلى الله عليه وسلم: مَن تَرَكَ صَلَاةَ العَصْرِ فقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ. [رواه البخاري (553)]
قال: " الذي تَفُوتُهُ صَلَاةُ العَصْرِ، كَأنَّما وُتِرَ أهْلَهُ ومَالَهُ [أخرجه البخاري (552) ومسلم (626)]
وقال صلى الله عليه وسلم":لَنْ يَلِجَ النَّارَ أَحَدٌ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا، يَعْنِي الفَجْرَ وَالْعَصْرَ " [مسلم (634)]
فحث صلى الله عليه وسلم على المحافظة عليها حثا لم يحث مثله على غيرها من الصلوات وإن كانت المحافظة على جميعها واجبة.
توجيه قراءة عائشة رضي الله عنها:
كتابة عائشة - رضي الله عنها - هذه اللفظة في مصحفها فيه وجوه من الاحتمال، فيحتمل أنه لم يبلغها النسخ، ويحتمل أنها أثبتتها على جهة التفسير، لا على أنها قرآن، قال الزرقاني في "شرح الموطأ " في الكلام على قول عائشة - رضي الله عنها - (1/ 490): سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ الْبَاجِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنَّهَا سَمِعَتْهَا عَلَى أَنَّهَا قُرْآنٌ، ثُمَّ نُسِخَتْ - ... ولَعَلَّ عَائِشَةَ لَمْ تَعْلَمْ بِنَسْخِهَا، أَوِ اعْتَقَدَتْ أَنَّهَا مِمَّا نُسِخَ حُكْمُهُ وَبَقِيَ رَسْمُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ ذَكَرَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّهَا مِنْ غَيْرِ الْقُرْآنِ؛ لِتَأْكِيدِ فَضِيلَتِهَا، فَظَنَّتْهَا قُرْآنًا، فَأَرَادَتْ إِثْبَاتَهَا فِي الْمُصْحَفِ لِذَلِكَ، أَوْ أَنَّهَا اعْتَقَدَتْ جَوَازَ إِثْبَاتِ غَيْرِ الْقُرْآنِ مَعَهُ، عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أُبَيٍّ، وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ جَوَّزُوا إِثْبَاتَ الْقُنُوتِ، وَبَعْضِ التَّفْسِيرِ فِي الْمُصْحَفِ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدُوهُ قُرْآنًا. اهـ.
وقال القاسمي - رحمه الله - في تفسيره (2/ 164): فهذا من عائشة - رضي الله عنها - إعلام بالمراد من (الوسطى) عندها، ضمّت التأويل إلى أصل التنزيل؛ لأمن اللبس فيه؛ لأن القرآن متواتر، مأمون أن يزاد فيه أو ينقص، وكان في أول العهد بنسخه ربما ضمّ بعض الصحابة تفسيرًا إليه، أو حرفًا يقرؤه؛ ولذا لمّا خشي عثمان - رضي الله عنه - أن يرتاب في كونه من التنزيل - مع أنه ليس منه - أمر بأن تجرد المصاحف في عهده مما زيد فيها من التأويل، وحروف القراءات التي انفرد بعض الصحب، وأن يقتصر على المتواتر تنزيله، وتلقّيه من النبيّ صلّى الله عليه وسلم. انتهى.
****************************************
411 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى (1) حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ (2) حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (3) حَدَّثَنِى عَمْرُو بْنُ أَبِى حَكِيمٍ (4) قَالَ سَمِعْتُ الزِّبْرِقَانَ (5) يُحَدِّثُ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ (6) عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يُصَلِّى الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ وَلَمْ يَكُنْ يُصَلِّى صَلاَةً أَشَدَّ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنْهَا فَنَزَلَتْ {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى} وَقَالَ «إِنَّ قَبْلَهَا صَلاَتَيْنِ وَبَعْدَهَا صَلاَتَيْنِ».
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه النسائي في "الكبرى" (355) وأحمد (21595) والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (992) (993) والطبراني في "الكبير" (5/ 125) رقم (4821) والبيهقي في الكبرى (2154).
[تراجم الإسناد]
(1) أَبُو مُوْسَى العَنَزِيُّ مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى بنِ عُبَيْدٍ؛ وثقه ابن معين؛ قَالَ مُحَمَّدُ بنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ: حُجَّةٌ. وَقَالَ صَالِحٌ جَزَرَةُ: صَدُوْقُ اللَّهْجَةِ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: صَدُوْقٌ، صَالِحُ الحَدِيْثِ. وَقَالَ النَّسَائِيُّ: كَانَ لاَ بَأْسَ بِهِ، كَانَ يُغَيِّرُ فِي كِتَابِهِ. وقال الدارقطني: كان أحد الثقات.
(2) غُنْدَرٌ مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ الهُذَلِيُّ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: كَانَ غُنْدَرٌ صَدُوْقاً، مُؤَدِّياً، وَفِي حَدِيْثِ شُعْبَةَ ثِقَةً، وَأَمَّا فِي غَيْرِ شُعْبَةَ، فَيُكْتَبُ حَدِيْثُهُ، وَلاَ يُحْتَجُّ بِهِ.
(3) شعبة بن الحجاج، أبو بسطام، الإمام الكبير أحد الأعلام.
(4) عَمْرُو بْنُ أَبِي حَكِيمٍ الْوَاسِطِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْكُرْدِيِّ. قال فيه ابن معين: ثقة. وقال أبو داود: ثقة.
(5) الزبرقان بن عَمْرو بن أمية، ويُقال: الزبرقان بن عَبد الله بن عَمْرو بن أمية الضمري. قال النَّسَائي: ثقة. وذكره ابنُ حِبَّان فِي كتاب "الثقات".
(6) عروة بن الزبير بن العوام أحد الأعلام.
[معانى بعض الكلمات]:
الهاجرة: وقت شدة الحر.
[شرح الحديث]
قوله " يُصَلِّي الظُّهْرَ بالهاجرة" (أي نصف النَّهَار عِنْد اشتداد الْحر)، قِيلَ سُمِّيَتْ هَاجِرَةً مِنَ الْهَجْرِ وَهُوَ التَّرْكُ لِأَنَّ النَّاسَ يَتْرُكُونَ التَّصَرُّفَ حِينَئِذٍ بِشِدَّةِ الْحَرِّ وَيَقِيلُونَ، وَلَمْ تَكُنْ صَلَاةٌ أَشَدَّ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا فَنَزَلَتْ: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} [البقرة: 238] وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الْمُبَادَرَةِ بِالصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، وفي الحديث جزم زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ بِأَنَّهَا الظُّهْرُ. وهذا اجتهاد من زيد رضي الله عنه.
قال الشوكاني في نيل الأوطار (1/ 392):
والأثر استدل به مَنْ قَالَ: إنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى هِيَ الظُّهْرُ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ مُجَرَّدَ كَوْنِ صَلَاةِ الظُّهْرِ كَانَتْ شَدِيدَةً عَلَى الصَّحَابَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ نَازِلَةً فِيهَا، غَايَةُ مَا فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمُنَاسِبَ أَنْ تَكُونَ الْوُسْطَى هِيَ الظُّهْرُ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُعَارَضُ بِهِ تِلْكَ النُّصُوصَ الصَّحِيحَةَ الصَّرِيحَةَ الثَّابِتَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرَهُمَا مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ. [انتهى]
وَقَالَ: "إِنَّ قَبْلَهَا صَلَاتَيْنِ، وَبَعْدَهَا صَلَاتَيْنِ" وبهذا يطلق على كل صلاة أنها وُسطى؛ لأن كل الصَّلوَات الخَمس مَا مِنها صَلَاة إلا وقَبلهَا صَلاتان، وبعدَهَا صَلاتَان.
والله الموفق
شرحه/ أبو عاصم البركاتي المصري الأثري
[الدر المعقود بشرح سنن أبي داود]