الحديث رقم ٥٢ :
:: متن الحديث ::
عن أبي محمد الحسنِ بنِ عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنهما، قال:
حَفِظْتُ مِن رسولِ الله ﷺ:
«دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ، وَإِنَّ الكَذِبَ رِيبَةٌ».
رواه الترمذي وقال: حديث صحيح.
:: ترجمة الراوي ::
الحسن بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، أبو محمد، سبط رسول الله ﷺ، وأحد سيدي شباب أهل الجنة، وأشبه الناس برسول الله ﷺ خَلقًا وخُلقًا، وأمه فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ سيدة نساء أهل الجنة.
ولد رضي الله عنه في السنة الثالثة للهجرة، وربّاه النبي ﷺ في حجره، وكان يدخله معه المنبر، ويقول: «اللهم إني أحبه فأحبه».
شهد له الصحابة بالفضل والعلم والحلم، وكان من أزهد أهل زمانه، وأعقلهم سياسة، وأعظمهم حرصًا على وحدة الأمة، حتى تنازل عن الخلافة سنة إحدى وأربعين للهجرة حقنًا لدماء المسلمين، فكان ذلك مصداق قول النبي ﷺ: «إن ابني هذا سيد».
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: «الإمام، السيد، الحليم، سبط رسول الله ﷺ».
وتوفي رضي الله عنه بالمدينة سنة تسع وأربعين أو خمسين للهجرة، ودُفن بالبقيع، رحمه الله ورضي عنه.
:: تخريج الحديث ومن صححه من الأئمة ::
أخرجه الإمام الترمذي في السنن (كتاب صفة القيامة والرقائق والورع)، وقال: حديث صحيح.
وأخرجه الإمام أحمد في المسند، والنسائي في السنن الكبرى، والحاكم في المستدرك وقال: صحيح الإسناد.
وصححه النووي في الأربعين النووية، وابن رجب في جامع العلوم والحكم، وابن حجر في فتح الباري، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي.
وهو حديث عظيم، جعله النووي من الأحاديث التي يدور عليها الإسلام.
:: الإسناد ::
قال الترمذي:
حدّثنا قتيبة بن سعيد
قال حدّثنا جعفر بن سليمان الضبعي
عن أبي عمران الجوني
عن عبد الله بن الصامت
عن الحسن بن علي رضي الله عنهما
عن رسول الله ﷺ.
إسناد متصل صحيح، رجاله ثقات، لا مطعن في أحد منهم.
:: تحقيق رجال الإسناد ::
١. الحسن بن علي رضي الله عنهما **
قال ابن حجر في الإصابة: صحابي جليل، لا يُسأل عن عدالته.
قال الذهبي في السير: الإمام السيد، سبط رسول الله ﷺ.
قال النووي: من أئمة الهدى وسادات أهل الجنة.
قال ابن عبد البر: أجمع أهل العلم على فضله.
قال ابن كثير: كان من أكابر الصحابة علمًا وفضلًا.
٢. عبد الله بن الصامت *
قال ابن حجر في التقريب: ثقة.
قال العجلي في الثقات: تابعي ثقة.
قال ابن حبان في الثقات: من أهل الصدق.
قال الذهبي في الكاشف: ثقة.
قال المزي في تهذيب الكمال: روى عنه الأئمة.
٣. أبو عمران الجوني (عبد الملك بن حبيب) *
قال ابن حجر: ثقة عابد.
قال الذهبي: من كبار التابعين.
قال ابن معين: ثقة.
قال العجلي: بصري تابعي ثقة.
قال ابن سعد: كثير الحديث، مستقيم.
٤. جعفر بن سليمان الضبعي *
قال يحيى بن معين: ثقة.
قال أحمد بن حنبل: صالح الحديث.
قال ابن حجر: صدوق.
قال الذهبي: له أوهام يسيرة وحديثه محتج به.
قال العجلي: ثقة.
٥. قتيبة بن سعيد *
قال ابن حجر: ثقة ثبت.
قال الذهبي: الحافظ الكبير.
قال النسائي: ثقة مأمون.
قال ابن معين: ثقة.
قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث.
:: معاني الكلمات الغريبة ::
يريبك
الريبة هي الشك مع قلق النفس واضطراب القلب، كما فسره النووي في شرح الأربعين وابن رجب في جامع العلوم والحكم.
طمأنينة
سكون القلب وانشراح الصدر، وهو علامة موافقة الفعل للحق، كما قرره ابن القيم في مدارج السالكين.
ريبة
اضطراب القلب وعدم سكونه، وإن زُيّن الفعل في الظاهر.
:: الشرح المفصل للحديث ::
هذا الحديث أصل عظيم من أصول السلوك الإيماني والورع العملي، وقد قال ابن رجب: «هذا الحديث نصف الدين من جهة الورع».
يضع النبي ﷺ قاعدة عامة تُرجع المسلم إلى ميزان دقيق، وهو ميزان القلب الحي الموافق للشرع، لا الهوى ولا الوسوسة.
فأمر ﷺ بترك ما يحصل في النفس منه شك حقيقي مبني على شبهة معتبرة، لا مجرد وساوس، وهذا فرق دقيق بيّنه أهل العلم.
وبيّن أن الصدق – قولًا وعملًا ونيّة – يورث طمأنينة القلب، لأن القلب السليم خُلق ليميل إلى الحق.
وأخبر أن الكذب يورث الريبة، لأن مخالفة الفطرة والشرع لا بد أن تترك أثرًا في النفس ولو خفي عن الناس.
وفي الحديث تربية على صفاء الباطن قبل إصلاح الظاهر، لأن صلاح الظاهر دون طمأنينة القلب علامة خلل.
ولهذا جعله النووي وابن رجب أصلًا في باب الورع، وأساسًا في تهذيب النفس.
:: الفروع الفقهية المستنبطة من الحديث ::
١. استحباب الورع وترك الشبهات
يدل الحديث دلالة واضحة على استحباب الورع وترك الأمور المشتبهة، حمايةً للدين وصيانةً للقلب من التدرج إلى الحرام.
وقد قرر النووي في شرح الأربعين أن هذا الحديث أصل في الورع، وأنه داخل في قوله ﷺ: «الحلال بيّن والحرام بيّن».
والورع هنا ليس واجبًا، لكنه من كمال الإيمان، ويختلف باختلاف حال الناس وعلمهم.
وترك الشبهة ليس تشددًا، بل هو مسلك السلف في حفظ الدين.
وقد قال سفيان الثوري: «ما بلغنا عن المتقين شيء أفضل من الورع».
وفيه حماية للعبد من الوقوع في الحرام من حيث لا يشعر.
٢. اعتبار طمأنينة القلب إذا وافقت الدليل
الحديث يدل على أن طمأنينة القلب علامة معتبرة إذا وافقت النصوص الشرعية، لا إذا خالفتها.
قال ابن تيمية في الفتاوى: «القلب المؤمن يطمئن للحق وينفر من الباطل».
فالقلب السليم ميزان، لكن لا يُقدَّم على الكتاب والسنة.
والفرق بين الطمأنينة والوسوسة بيّنه العلماء، فالوسوسة اضطراب بلا دليل.
أما الطمأنينة فهي سكون مع موافقة الشرع.
وفي ذلك رد على الإفراط والتفريط.
٣. أن الصدق أصل الطمأنينة القلبية
يدل الحديث على أن الصدق ليس مجرد خُلُق اجتماعي، بل هو سبب حياة القلب.
قال ابن القيم في مدارج السالكين: «الصدق يورث القلب نورًا وطمأنينة».
فالصدق في النية والعمل ينعكس راحة نفسية وسكونًا داخليًا.
ولهذا كان الصادق مطمئنًا ولو ابتُلي، والكاذب قلقًا ولو نُعّم.
وفي الحديث تربية على الصدق الشامل.
وهو أساس الاستقامة الظاهرة والباطنة.
٤. تحريم الكذب لما فيه من فساد الباطن
الكذب محرّم، لا لكونه إثمًا فقط، بل لما يترتب عليه من فساد القلب.
قال الغزالي في إحياء علوم الدين: «الكذب يفسد القلب كما يفسد السم البدن».
والريبة المذكورة في الحديث أثر قلبي للكذب.
وهذا يدل على أن المعاصي لها آثار باطنة.
وفيه تحذير من الاستهانة بالكذب بحجة المصالح.
ففساد الباطن أخطر من فساد الظاهر.
٥. أن الورع درجات وليس فرضًا على الجميع
الحديث يدل على استحباب الورع لا وجوبه، كما قرره جمهور الفقهاء.
قال ابن رجب: «الورع درجة زائدة على العدل».
فالعدل واجب، والورع كمال.
ولا يُنكر على من أخذ بالمباح الواضح.
لكن يُمدح من ترك الشبهة.
وهذا من فقه التنزيل.
٦. تقديم سلامة الدين على المصلحة الدنيوية
في الحديث إرشاد إلى تقديم سلامة الدين على المكاسب المحتملة.
فما أورث ريبة في الدين فتركه أولى.
قال أحمد بن حنبل: «إذا اختلف الناس في الشيء، فانظر ما يورثك الطمأنينة».
وفيه ميزان لاتخاذ القرارات.
وهو أصل في المعاملات والفتاوى.
وفيه حفظ للدين على المدى البعيد.
٧. أن القلب السليم علامة صحة الإيمان
يدل الحديث على أن الإيمان الحي يُثمر حساسية تجاه الشبهات.
قال ابن القيم: «فساد القلب أن لا يفرّق بين الطيب والخبيث».
فمن لم يقلق من الشبهة دلّ على ضعف قلبه.
وهذا القلق المحمود علامة حياة.
وفيه تربية على مراقبة القلب.
وهو أصل في تزكية النفس.
:: الدروس التربوية والأخلاقية المستفادة من الحديث ::
الصدق سبب رئيس لراحة النفس وسلامة القلب، وهو أساس الاستقامة الظاهرة والباطنة.
الكذب يورث قلقًا داخليًا لا يزول، ولو استقرت الأحوال ظاهرًا.
الورع حماية للنفس من الانزلاق التدريجي إلى الحرام.
القلب الحي نعمة يجب حفظها بمجانبة الشبهات.
الاستقامة تبدأ من الداخل قبل أن تظهر في السلوك.
اختيار الأسلم دينيًا علامة نضج إيماني لا ضعف شخصية.
صلاح الباطن هو الأساس الحقيقي لصلاح الظاهر.
هذا الحديث ميزان عملي يومي للمسلم في أقواله وأفعاله.
الحديث رقم ٥٣ :
:: متن الحديث ::
عن أبي سفيانَ صَخرِ بنِ حربٍ رضي الله عنه في حديثه الطويل في قصة هِرَقْلَ،
قال هِرقلُ: فماذا يأمركم – يعني النبي ﷺ –
قال أبو سفيان: قلتُ: يقول:
«اعْبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ، وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ، وَالصِّدْقِ، وَالعَفَافِ، وَالصِّلَةِ».
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
:: ترجمة الراوي ::
أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي، أحد سادة قريش في الجاهلية، وكان من عقلائها ودهاتها، وهو والد الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما.
كان أبو سفيان قبل إسلامه من أشد الناس عداوة للنبي ﷺ، وقاد جيوش المشركين في أحد والأحزاب، ثم شرح الله صدره للإسلام يوم فتح مكة فأسلم وحسن إسلامه.
شهد مع النبي ﷺ حنينًا والطائف، وثبت مع المسلمين بعد أن كان قائدًا للمشركين، فكان في ذلك آية من آيات التحول الإيماني.
قال ابن حجر في الإصابة: “كان من المؤلفة قلوبهم، ثم حسن إسلامه، وثبت إيمانه”.
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء: “الإمام، السيد، أسلم يوم الفتح، وشهد حنينًا، وله مواقف مشهورة”.
كان رضي الله عنه صادق اللهجة بعد إسلامه، واشتهر بالصدق حتى في حال كفره، كما في هذه القصة العظيمة مع هرقل.
توفي رضي الله عنه بالمدينة سنة إحدى وثلاثين أو اثنتين وثلاثين للهجرة، وصلى عليه عثمان بن عفان رضي الله عنه.
:: تخريج الحديث ::
أخرجه الإمام البخاري في صحيحه في كتاب بدء الوحي، وكتاب الجهاد، وكتاب المغازي، من حديث ابن عباس عن أبي سفيان.
وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه في كتاب الجهاد والسير.
وهو حديث متفق عليه، تلقته الأمة بالقبول، وعدّه العلماء من أعظم الأحاديث في بيان دعوة النبي ﷺ وأصول الإسلام.
قال النووي في شرح مسلم: “هذا الحديث أصل عظيم في معرفة حقيقة الإسلام ودعوة النبي ﷺ”.
وقال ابن حجر في فتح الباري: “وفيه من الفوائد العقدية والدعوية والسياسية ما لا يُحصى”.
:: الإسناد ::
إسناد البخاري:
قال البخاري: حدّثنا عبد الله بن يوسف
قال حدّثنا الليث بن سعد
عن يونس
عن ابن شهاب الزهري
عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة
عن عبد الله بن عباس
عن أبي سفيان صخر بن حرب رضي الله عنه.
إسناد صحيح متصل، رجاله أئمة حفاظ، احتج بهم الشيخان.
:: تحقيق رجال الإسناد ::
١. عبد الله بن يوسف التنيسي *
قال يحيى بن معين: ثقة.
قال أحمد بن حنبل: ثقة مأمون.
قال النسائي: ثقة.
قال ابن حجر: ثقة ثبت.
قال الذهبي: الإمام الحافظ.
٢. الليث بن سعد *
قال الشافعي: الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به.
قال أحمد بن حنبل: إمام.
قال ابن معين: ثقة.
قال ابن حجر: إمام حافظ فقيه.
قال الذهبي: الحافظ الكبير.
٣. يونس بن يزيد الأيلي *
قال أحمد بن حنبل: ثقة.
قال ابن معين: ثقة.
قال النسائي: ليس به بأس.
قال ابن حجر: صدوق.
قال الذهبي: من أوعية العلم.
٤. محمد بن شهاب الزهري *
قال أحمد: أحسن الناس حديثًا.
قال ابن معين: ثقة.
قال ابن حجر: الحافظ الفقيه.
قال الذهبي: الإمام العلم.
قال الشافعي: ما رأيت أحدًا أقدر على حفظ السنن منه.
٥. عبيد الله بن عبد الله بن عتبة *
قال ابن معين: ثقة.
قال أحمد: من أفقه الناس.
قال ابن حجر: ثقة فقيه.
قال الذهبي: أحد الفقهاء السبعة.
قال العجلي: مدني تابعي ثقة.
٦. عبد الله بن عباس رضي الله عنهما *
قال ابن مسعود: نعم ترجمان القرآن ابن عباس.
قال ابن حجر: حبر الأمة.
قال الذهبي: الإمام البحر.
قال النووي: مجمع على فضله.
قال ابن كثير: أعلم الأمة بالتفسير.
٧. أبو سفيان صخر بن حرب رضي الله عنه *
قال ابن حجر: صحابي مشهور حسن الإسلام.
قال الذهبي: من سادات قريش.
قال ابن عبد البر: أسلم وثبت إسلامه.
قال النووي: عدل صحابي.
قال ابن كثير: له مواقف مشهودة بعد الإسلام.
:: معاني الكلمات الغريبة ::
اتركوا ما يقول آباؤكم
أي من الشرك والضلال والعقائد الباطلة، كما بيّنه ابن حجر في فتح الباري.
العفاف
الكفّ عن المحرمات، خاصة في الشهوات، كما في شرح النووي.
الصلة
صلة الأرحام بالإحسان والبر، كما في فتح الباري.
:: الشرح المفصل للحديث ::
هذا المقطع من حديث هرقل يُعد من أعظم النصوص الجامعة لأصول دعوة النبي ﷺ، إذ لخّص فيه أبو سفيان – وهو يومئذٍ مشرك – حقيقة ما يأمر به الإسلام دون تحريف، فكان ذلك من دلائل صدقه.
ابتدأ النبي ﷺ دعوته بأعظم أصل، وهو توحيد الله وترك الشرك، لأن التوحيد أساس كل إصلاح، ولا تُقبل عبادة ولا خُلق إلا به.
ثم أمر بترك ما عليه الآباء من الباطل، وفي ذلك تقرير لقاعدة عظيمة وهي أن الحق يُعرف بالدليل لا بالتقليد.
ثم ذكر الصلاة، وهي أعظم أركان الإسلام العملية، لأنها صلة بين العبد وربه، وتزكية للنفس.
ثم الصدق، وهو أساس المعاملات والأخلاق، وبه يُعرف صدق الإيمان.
ثم العفاف، وهو حفظ النفس عن الشهوات المحرمة، وصيانة المجتمع من الفساد.
ثم صلة الرحم، وهي من أعظم شعائر الإسلام الاجتماعية، وبها تُحفظ الروابط وتستقيم الأمة.
وفي هذا الترتيب دلالة على شمول الإسلام للعقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملات.
:: الفروع الفقهية المستنبطة من الحديث ::
١. أن التوحيد أصل جميع الأوامر الشرعية
هذا الحديث يدل دلالة صريحة على أن أول ما يُدعى إليه هو توحيد الله، قبل كل عمل أو خُلق.
وقد قرر العلماء أن جميع الواجبات لا تصح إلا بعد صحة العقيدة.
قال ابن تيمية في الفتاوى: “التوحيد أصل كل خير”.
وفيه رد على من يقدّم الأخلاق دون تصحيح العقيدة.
كما يدل على أن الشرك أعظم الذنوب.
وبغير التوحيد لا يتحقق قبول العمل.
٢. بطلان التقليد الأعمى في العقائد
قوله: «اتركوا ما يقول آباؤكم» أصل في ذم التقليد في العقائد.
وقد قرر الأئمة أن التقليد في أصول الإيمان لا يجوز مع القدرة على النظر.
قال ابن القيم في إعلام الموقعين: “التقليد المحض آفة العقول”.
وفيه دعوة لتحرير العقل من سلطان العادة.
وأن الحق يُعرف بالدليل لا بالنسب.
وهذا من أعظم مقاصد الرسالة.
٣. منزلة الصلاة في بناء الإيمان
ذكر الصلاة بعد التوحيد دليل على عظمتها.
وقد أجمع العلماء على أنها أعظم أركان الإسلام العملية.
قال النووي: “الصلاة عماد الدين”.
وفيها تزكية للنفس وربط بالله.
وتركها سبب لانهيار الإيمان.
ولهذا كانت أول ما يُؤمر به بعد العقيدة.
٤. وجوب الصدق في الأقوال والأفعال
الأمر بالصدق يدل على وجوبه وعلو شأنه.
والصدق يشمل القول والعمل والنية.
قال ابن رجب: “الصدق أساس الاستقامة”.
وبه تُحفظ الثقة بين الناس.
وهو علامة الإيمان الحقيقي.
والكذب أصل الفساد.
٥. وجوب العفاف وصيانة النفس
العفاف يشمل عفة الفرج والمال واللسان.
وهو واجب لحفظ الفرد والمجتمع.
قال الغزالي في الإحياء: “العفة رأس الفضائل”.
وبها تُسد أبواب الفتن.
وفي تركها هلاك الأمم.
ولهذا قرنه النبي ﷺ بالصلاة والصدق.
٦. وجوب صلة الرحم وتحريم قطيعتها
الصلة من أعظم الواجبات الاجتماعية.
وقد قرنها النبي ﷺ بأصول الدين.
قال ابن حجر: “صلة الرحم من دلائل كمال الإيمان”.
وقطيعتها سبب للعقوبة.
وبها تدوم الألفة.
وفيها امتثال لأمر الله.
٧. شمول الإسلام للعقيدة والعبادة والأخلاق
هذا الحديث جمع أصول الدين كلها.
فهو دليل على أن الإسلام ليس عبادات فقط.
ولا أخلاق فقط.
بل منظومة متكاملة.
تُصلح القلب والسلوك والمجتمع.
وهو رد على التصورات الناقصة.
:: الدروس المستفادة ::
التوحيد هو الأساس الذي تُبنى عليه جميع الأعمال.
ترك الباطل واجب ولو كان موروثًا عن الآباء.
الصلاة عمود الدين وأعظم شعائره العملية.
الصدق علامة صحة الإيمان واستقامة السلوك.
العفاف حماية للفرد والمجتمع من الفساد.
صلة الرحم من أعظم أسباب البركة.
الإسلام دين شامل ينظم كل جوانب الحياة.
دعوة النبي ﷺ واضحة وصادقة لا غموض فيها.
الكتاب: رياض الصالحين
المؤلف: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (ت ٦٧٦ هـ)
المحقق: شعيب الأرنؤوط [ت ١٤٣٨ هـ]
---