الدر المعقود بشرح سنن أبي داود
الأحاديث (782)(783) (784)(785)
أبو عاصم البركاتي الأثري المصري
126 - باب مَنْ لَمْ يَرَ الْجَهْرَ بِ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ).
782 - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (1) حَدَّثَنَا هِشَامٌ (2) عَنْ قَتَادَةَ (3) عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه البخاري (743) ومسلم (399) والترمذي (246) والنسائي (902) (903) (907) وابن ماجه (813) والحميدي في مسنده (1233) وأحمد (11991) (12084) (12135) (12810) (12845) وقتادة متابع، تابعه مَنْصُور بن زَاذَانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يُسْمِعْنَا قِرَاءَةَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَصَلَّى بِنَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَلَمْ نَسْمَعْهَا مِنْهُمَا» أخرجه النسائي (906) وإسناده صحيح.
وتابعه كذلك ثابت البناني أخرجه أحمد (13784) وابن خزيمة (497) وكذلك حميد الطويل أخرجه أحمد (14051) ومالك في الموطأ (1/ 81) وأبو يعلى (3031).
وتابعه كذلك أبو نعامة الحنفي، أخرجه أحمد (13259).
وللحديث شاهد عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَانَ يَفْتَتِحُ الْقِرَاءَةَ بِ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] " أخرجه ابن ماجه (814) وأبو يعلى الموصلي (6221) وإسناده ضعيف.
[تراجم الاسناد]
(1) مُسْلِمُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ أَبُو عَمْرٍو الأَزْدِيُّ الفَرَاهِيدِيُّ؛ وثقه ابن معين؛ وقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: وَهُوَ ثِقَةٌ، صَدُوْقٌ.
(2) هشام الدستوائي؛ ثقة حافظ.
(3) قتادة بن دعامة السدوسي البصري صاحب أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه كان حافظ عصره وهو مشهور بالتدليس وصفه به النسائي وغيره.
قال الذهبي: وَهُوَ حُجّةٌ بِالإِجْمَاعِ إِذَا بَيَّنَ السَّمَاعَ، فَإِنَّهُ مُدَلِّسٌ مَعْرُوْفٌ بِذَلِكَ، وَكَانَ يَرَى القَدَرَ - نَسْأَلُ اللهَ العَفْوَ.
[شرح الحديث]
قول أنس رضي الله عنه " أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} أي كانوا يسرون بالسملة ثم يجهرون بِ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، ويؤيد هذا رواية أبي نَعامَةَ الحَنَفِىِّ، عن أَنَسِ بنِ مالكٍ قالَ: كان رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكرٍ وعُمَرُ لا يَقرَءونَ. يَعنى: لا يَجهَرونَ بـ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} أحمد (13259) والبيهقي في الكبرى (2457).
قال الترمذي في سننه (1/ 329) [ط بشار]: وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ: كَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ القِرَاءَةَ بِالحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّمَا مَعْنَى هَذَا الحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، كَانُوا يَفْتَتِحُونَ القِرَاءَةَ بِالحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، مَعْنَاهُ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَبْدَءُونَ بِقِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الكِتَابَ قَبْلَ السُّورَةِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ: أَنَّهُمْ كَانُوا لاَ يَقْرَءُونَ {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}.
وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَرَى: أَنْ يُبْدَأَ بِ {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، وَأَنْ يُجْهَرَ بِهَا إِذَا جُهِرَ بِالقِرَاءَةِ. [انتهى]
وتُسَنُّ قِراءةُ البَسْملةِ سرًّا في الصَّلاة قبل الفاتحةِ وكلِّ سورةٍ، وهذا مذهبُ الحنفيَّةِ، والحنابلةِ، واختارَه ابنُ تيميَّةَ، وذلك استنادا على حديث الباب.
ومِن المُحالِ أن يكونَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يجهَرُ بها دائمًا في كلِّ يومٍ وليلةٍ خمسَ مرَّاتٍ أبدًا، حضَرًا وسفَرًا، ويَخفَى ذلك على خلفائِه الرَّاشدينَ، وعلى جمهورِ أصحابِه، وأهلِ بلدِه في الأعصارِ الفاضلةِ.
ولو جهر الإمام بالبسملة فلا ينهى عن ذلك وليس ذلك بدعة ولا معصية، وفي الحديث عن نعيم بن عبد الله المجمر قال: صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، فَقَرَأَ بِـ {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، ثُمَّ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ حَتَّى بَلَغَ {وَلَا الضَّالِّينَ} قال: "آمِينَ". وَقَالَ النَّاسُ: آمِينَ، وَيَقُولُ كُلَّمَا سَجَدَ: "اللهُ أَكْبَرُ"، وَإِذَا قَامَ مِنَ الْجُلُوسِ قَالَ: "اللهُ أَكْبَرُ"، وَيَقُولُ إِذَا سَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عليه وآله وسلم. [أخرجه النسائي (905) وابن الجارود في المنتقى (184) وابن خزيمة (499) (688) والبزار (8156) وابن حبان (1797) والدارقطني (1168) وقال: هَذَا صَحِيحٌ وَرُوَاتُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ].
وحديث أبي هريرة يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر بالبسملة أحيانا، وكان أغلب فعله الإسرار بها، ويذلك يجمع بين الأدلة.
مسألة: قرآنية البسملة.
قال الإمام النووي في "المجموع شرح المهذب" (3/ 300، ط. دار الفكر): [اعلم أَنَّ مسألة الجهر ليست مَبْنِيَّة على مسألة إثبات البسملة؛ لأَنَّ جماعة مِمَّن يرى الإسرارَ بها لا يعتقدونها قرآنًا، بل يرونها مِن سننه كالتعوذ والتأمين، وجماعة ممن يرى الإسرار بها يعتقدونها قرآنًا، وإنما أسروا بها وجهر أولئك لما ترجَّح عند كل فريق من الأخبار والآثار] اهـ.
************************
783 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ (1) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ (2) عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ (3) عَنْ بُدَيْلِ بْنِ مَيْسَرَةَ (4) عَنْ أَبِى الْجَوْزَاءِ (4) عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَفْتَتِحُ الصَّلاَةَ بِالتَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةَ بِ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وَكَانَ إِذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ وَلَمْ يُصَوِّبْهُ وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ، وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِىَ قَائِمًا، وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِىَ قَاعِدًا، وَكَانَ يَقُولُ فِى كُلِّ رَكْعَتَيْنِ «التَّحِيَّاتُ». وَكَانَ إِذَا جَلَسَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عَقِبِ الشَّيْطَانِ وَعَنْ فِرْشَةِ السَّبُعِ، وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلاَةَ بِالتَّسْلِيمِ.
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه مسلم (498) وابن ماجه (869) وأحمد (25617) والدارمي (1272) وأبو عوانة في المستخرج (1802) والحاكم في المستدرك (1101).
[تراجم الاسناد]
(1) مسدد بن مسرهد البصري.
(2) عَبْدُ الوَارِثِ بنُ سَعِيْدِ بنِ ذَكْوَانَ العَنْبَرِيُّ، قال أحمد: كان صالحا في الحديث.
وَقَال معاوية بْن صالح: قلت ليحيى بْن مَعِين: من أثبت شيوخ البَصْرِيّين؟ قال: عبد الوارث بن سَعِيد، مع جماعة سماهم.
وَقَال أبو زُرْعَة: ثقة. وَقَال أَبُو حَاتِم: ثقة صدوق. وَقَال النَّسَائي: ثقة ثبت.
(3) حسين المعلم، هو أبو عبد الله الحسين بن ذكوان، العوذي، البصري، المؤدب. وثقه أبو حاتم الرازي، والنسائي، وقد ذكره العقيلي في كتاب " الضعفاء " وقال: هو مضطرب الحديث. وقال يحيى بن سعيد القطان -وذكر حسينا المعلم - فقال: فيه اضطراب.
(4) بديل بن ميسرة العقيلي البَصْرِيّ. قال يحيى بْن مَعِين: ثقة. وكذلك قال محمد بن سعد، والنَّسَائي، وَقَال أَبُو حاتم: صدوق.
(5) أوس بن عَبد اللَّهِ الربعي، أَبُو الجوزاء البَصْرِيّ، قَال أَبُو زُرْعَة، وأبو حاتم: ثقة.
[معانى بعض الكلمات]:
يشخص: يرفع.
يصوب: ينكس ويخفض.
[شرح الحديث]
قول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَفْتَتِحُ الصَّلاَةَ بِالتَّكْبِيرِ" أي تكبيرة الإحرام وهي أول أركان الصلاة وهي قول " الله أكبر" ولابد من التلفظ وتحريك اللسان بها.
وقولها " وَالْقِرَاءَةَ بِ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} أي كان يفتتح الجهر بالقراءة بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وكان يسر بأدعية الاستفتاح والتعوذ والبسملة.
ثم قالت " وَكَانَ إِذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ وَلَمْ يُصَوِّبْهُ وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ" يعني رأسه كانت بالاستواء مع ظهره فلا يشخص أي يرفع رأسه فوق ظهره، ولا يصوبه أي يخفضه، ولكن بين ذلك بحيث يكون الرأس مساوياً للظهر.
ثم قالت "وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِىَ قَائِمًا" يعني يعتدل قائما ينتصب ظهره مستقيماً بعد الانحناء، ويتم وقوفه ويطمئن ويسكن في قيامه بحيث يعود كل فقار (عظم) من فقارات الظهر إلى مكانه، ولا يسارع في الهويّ إلى السجود قبل استقرار جسده.
ثم قالت "وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ" أي بعد السجدة الأولى.
"لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِىَ قَاعِدًا": أي لا يعجل بالسجدة الثانية مباشرة، بل يجلس مستقيماً ومعتدلاً (يطمئن) قبل أن يسجد، وهي الجلسة التبي بين السجدتين، وهي من أركان الصلاة.
"وَكَانَ يَقُولُ فِى كُلِّ رَكْعَتَيْنِ «التَّحِيَّاتُ». وهو التشهد الأول. والتشهد الأول من واجبات الصلاة، والتشهد الأخير من أركان الصلاة.
"وَكَانَ إِذَا جَلَسَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى " يفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى: أي يبسطها على الأرض ويجلس عليها.
ويَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى: أي يرفعها قائمة ويجعل أصابعها متوجهة نحو القبلة. والافتراش من هيئات الصلاة وهو من السنن والمستحبات.
" وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عَقِبِ الشَّيْطَانِ" و «عُقبة الشيطان» هي هيئة جلوس منهي عنها في الصلاة، وهي أن يلصق المصلي أليتيه بالأرض وينصب ساقيه وفخذيه، ويضع يديه على الأرض (الإقعاء) كإقعاء الكلب أو الذئب، وهذه الجلسة تنافي الخشوع، وتدل على العجلة، وعدم الطمأنينة.
قالت " وَعَنْ فِرْشَةِ السَّبُعِ" وذلك منهي عنه، وافتِراشِ السَّبُعِ"، أي: نهَى عن مَدِّ المصلِّي ذراعَيْه على الأرضِ وهو ساجدٌ، وهذه هيئةُ السِّباعِ عِندَ جُلوسِها ولا تُوحي بالوَقارِ والخشوعِ والتَّذلُّلِ للهِ في الصَّلاةِ، بل يَرفَعُ مِرفَقَيه عنِ الأرضِ مُباعِدًا بهِما عن جانِبَيه كما كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيْه وسلَّم يَفعَلُ.
"وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلاَةَ بِالتَّسْلِيمِ" أي بقول: السلام عليكم ورحمة الله، وهو آخر أركان الصلاة والتسليمة الأولى ركن والتسليمة الثانية من المندوبات، وهذا مذهبُ المالكيَّةِ والشافعيَّةِ، وروايةٌ عن أحمدَ، وهو مذهبُ الجمهورِ مِن الصَّحابةِ والتَّابعينَ ومَن بعدَهم، واختارَه ابنُ حزمٍ، وابنُ قُدامةَ.
وقال بعضهم بوجوبها، وهذا مذهبُ الحنابلةِ، وقولٌ عند المالكيَّةِ، وقولُ بعضِ أهلِ الظَّاهرِ، واستدلوا بحديث جابرِ بنِ سمُرةَ رضيَ اللهُ عنه، قال: إنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إنَّما يكفي أحدَكم أنْ يضَعَ يدَه على فخِذِه، ثم يُسلِّمَ على أخيه مِن على يمينِه وشِمالِه)) [رواه مسلم (431)].
************************
784 - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ (1) حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ (2) عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ (3) قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «أُنْزِلَتْ عَلَىَّ آنِفًا سُورَةٌ». فَقَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} حَتَّى خَتَمَهَا. قَالَ «هَلْ تَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ». قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ «فَإِنَّهُ نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّى فِى الْجَنَّةِ».
- ---------------------------------•
صحيح:
مسلم (400) وأحمد (11996) وأبو يعلى (3951) وأبو نعيم في المستخرج (888) والآجري في الشريعة (1088).
[تراجم الاسناد]
(1) هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ بنِ مُصْعَبِ بنِ أَبِي بَكْرٍ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: صَدُوْقٌ. وَقَالَ النَّسَائِيُّ: ثِقَةٌ؛ وذكره ابنُ حِبَّان في كتاب "الثقات".
(2) محمد بن فضيل بن غزوان، أحد الثقات، تقدمت ترجمته.
(3) المختار بن فلفل، كوفي، ثقة، بكاء، عابد، يروي عن أنس بن مالك.
[شرح الحديث]
قوله صلى الله عليه وسلم " «أُنْزِلَتْ عَلَىَّ آنِفًا سُورَةٌ». فَقَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، والمعنى أنه صلى الله عليه وسلم قرأ البسملة في أول السورة، فاستدل بذلك أن البسملة تنزل في أوائل السور.
فَقَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} حَتَّى خَتَمَهَا. قَالَ «هَلْ تَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ». قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
قَالَ «فَإِنَّهُ نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي فِي الْجَنَّةِ».
وفي رواية أحمد (12542) " أُعْطِيتُ الْكَوْثَرَ، فَإِذَا هُوَ نَهَرٌ يَجْرِي كَذَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، حَافَّتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ، لَيْسَ مَشقُوقًا، فَضَرَبْتُ بِيَدِي إِلَى تُرْبَتِهِ، فَإِذَا مِسْكَةٌ ذَفِرَةٌ، وَإِذَا حَصَاهُ اللُّؤْلُؤُ ".
****************
785 - حَدَّثَنَا قَطَنُ بْنُ نُسَيْرٍ (1) حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ (2) حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الأَعْرَجُ الْمَكِّىُّ (3) عَنِ ابْنِ شِهَابٍ (4) عَنْ عُرْوَةَ (5) عَنْ عَائِشَةَ وَذَكَرَ الإِفْكَ قَالَتْ جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ وَقَالَ «أَعُوذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ)». الآيَةَ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَهَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ قَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ لَمْ يَذْكُرُوا هَذَا الْكَلاَمَ عَلَى هَذَا الشَّرْحِ وَأَخَافُ أَنْ يَكُونَ أَمْرُ الاِسْتِعَاذَةِ مِنْ كَلاَمِ حُمَيْدٍ.
- ---------------------------------•
إسناده ضعيف: لضعف قطن بن نسير، وجعفر الضبعي متكلم فيه.
والحديث أخرجه البيهقي في "الكبرى" (2381) من طريق أبي داود.
[تراجم الاسناد]
(1) قطن بن نسير أَبُو عباد الْغُبَرِيّ. قَالَ ابن أَبِي حاتِم: رأيتُ أَبِي يحمل عَلَيْهِ. وقال ابن عدِيّ: كَانَ يسرق الحديث ويوصله.
(2) جعفر بن سليمان، أبو سليمان الضبعي، البصري. "فيه كلام"، قال ابن سعد: ثقة، فيه ضعف.، وقال ابن معين: ثقة، وكان يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ يَسْتَضْعِفُهُ.
(3) حميد بن قيس الأعرج المكي، وقال أبو زرعة الدمشقي: حميد بن قيس أحد الثقات. وقال أبو داود: حميد بن قيس ثقة. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن خراش: ثقة صدوق.
(4) محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. أحد الحفاظ.
(5) عروة بن الزبير بن العوام. أحد الحفاظ.
[شرح الحديث]
الحديث يثبت الاستعاذة عند تلاوة القرآن، والله تعالى يقول: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل: 98]. وصيغة الاستعاذة هي أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وكذا: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
قال البيهقي في السنن الكبرى (3/ 409): قالَ الشيخُ - رحِمه اللهُ -: فالنَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - قرأَ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}. عندَ افتِتاحِ سورَةٍ، ولَم يَقرأْها عندَ افتِتاحِ آياتٍ لم تكُنْ أَوَّلَ سورَةٍ، وفِي ذَلِكَ تأْكيدٌ لما رُوّينا عن ابنِ عباسٍ - رضي الله عنهما -، وأَنَّها إنَّما كُتِبَت في المَصاحِفِ حَيثُ نَزَلَت، واللَّهُ أَعلَمُ.
والله الموفق
الدر المعقود بشرح سنن أبي داود
أبو عاصم البركاتي الأثري المصري