الدر المعقود بشرح سنن أبي داود
الأحاديث (875)(876)(877)(878)(879)
154 - باب فِى الدُّعَاءِ فِى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
875 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ (1) وَأَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ (2) وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ (3) قَالُوا حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ (4) أَخْبَرَنَا عَمْرٌو - يَعْنِى ابْنَ الْحَارِثِ (5) - عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ (6) عَنْ سُمَىٍّ مَوْلَى أَبِى بَكْرٍ (7) أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا صَالِحٍ ذَكْوَانَ (8) يُحَدِّثُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ».
- ---------------------------------•
صحيح
أخرجه مسلم (482) وأحمد (9461) والنسائي في الكبرى (727) وأبو يعلى الموصلي في المسند (6658).
[تراجم الإسناد]
(1) أحمد بن صالح المصرى، أبو جعفر ابن الطبرى، قَالَ أَحْمَدُ العِجْلِيُّ: أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ: مِصْرِيٌّ، ثِقَةٌ، صَاحِبُ سُنَّةٍ.
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: ثِقَةٌ، وقَالَ البُخَارِيُّ: أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ: ثِقَةٌ، صَدُوْقٌ.
(2) أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بنُ عَمْرِو بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ السَّرْحِ الأُمَوِيُّ مَوْلاَهُمُ، الفَقِيْهُ، المِصْرِيُّ. قال أبو حاتم: لا بأس به. وقال النسائي، وغيره: كان ثقة ثبتا صالحا. وقال ابن يونس: كان من الصالحين الأثبات.
(3) مُحَمَّد بْن سلمة بْن عَبد اللَّهِ بن أَبي فاطمة المرادي الجملي، مولاهم، أَبُو الحارث المِصْرِي. ثقة ثبت.
(4) عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبِ، المِصْرِيُّ، وثقه أحمد بن حنبل وابن معين وابن عدي.
(5) عمرو بن الحارث، المصري. وثقه ابن معين وابن سعد والعجلي وأبو زرعة والنسائي.
(6) عمارة بن غزية بن الحارث، بن عمرو بن غزية، الأنصاري، الخزرجي، البخاري، المازني، المدني، أحد الثقات.
(7) سُمَيٌّ المَدَنِيُّ مولى أَبِي بَكْرٍ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ الحَارِثِ بنِ هِشَامٍ الفَقِيْهِ، وَثَّقَهُ: أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ، وَغَيْرُهُ.
(8) أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ ذَكْوَانُ بنُ عَبْدِ اللهِ مَوْلَى أُمِّ المُؤْمِنِيْنَ جُوَيْرِيَةَ الغَطَفَانِيَّةِ؛ قَالَ فيه أحمد: ثِقَةٌ ثِقَةٌ، مِنْ أَجَلِّ النَّاسِ وَأَوْثَقِهِم.
[شرح الحديث]
المعنى أن السجود يقرب العبد من الله لأنه صورة عظيمة للعبادة والتعظيم، قالَ تَعَالَى: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [الْعَلَقِ: 19]
قال القرطبي: هذا أقرب بالرتبة والكرامة، لا بالمسافة والمساحة. انتهى.
وكلَّما ازدادَ تَواضُعُ العبدِ وخشوعُه زادَ قُربًا مِن الله، ووضْعُ الوجهِ والأنف في الأرض قمَّةُ التَّواضُع والتَّذلُل، وهنا يكون الدُّعاء من قلبٍ خاشع، ومُتواضِع لله فيكون أقربَ لاستجابةِ الدُّعاء.
وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ:
وَكُنْ لِرَبِّكَ ذَا حُبٍّ لِتَخْدِمَهُ ... إِنَّ الْمُحِبِّينَ لِلْأَحْبَابِ خُدَّامُ
وَأَنْشَدَ آخَرُ:
مَا لِلْمُحِبِّ سِوَى إِرَادَةِ حُبِّهِ ... إِنَّ الْمُحِبَّ بِكُلِّ بِرٍّ يَضْرَعُ
وفي الحديث: بيانُ مَوضِع من مواضِع الدُّعاء في الصَّلاة وهو السُّجودُ وبيانُ فَضْله.
وفيه: الحثُّ على الإكثارِ من الدُّعاء في السُّجودِ.
*************************
876 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ (1) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ (2) عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ سُحَيْمٍ (3) عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ (4) عَنْ أَبِيهِ (5) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- كَشَفَ السِّتَارَةَ وَالنَّاسُ صُفُوفٌ خَلْفَ أَبِى بَكْرٍ فَقَالَ «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلاَّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ، وَإِنِّى نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا الرَّبَّ فِيهِ وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِى الدُّعَاءِ فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ».
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه مسلم (479) والنسائي (1045) وفي "السنن الكبرى" (637) وابن ماجه (3899) والشافعي في الأم (1/ 133) والحميدي في المسند (495) وأحمد في المسند (1900) والدارمي (1364) وأبو يعلى في المسند (2387) وابن الجارود في المنتقى (203) وابن خزيمة (548) وسعيد بن منصور في "التفسير" (1069) والسراج في حديثه (25).
[تراجم الإسناد]
(1) مسدد بن مسرهد البصري.
(2) سفيان بن عيينة، أحد الثقات الأعلام، قال الإمام الشافعي. لولا مالك وسفيان بن عيينة، لذهب علم الحجاز.
(3) سُلَيْمان بن سحيم، أَبُو أيوب المدني. قال أحمد بن حنبل: ليس به بأس. وَقَال النَّسَائي وابن سعد: ثقة.
(4) إِبْرَاهِيم بْن عَبد الله بْن معبد بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي المدني. وثقه الذهبي. وقال ابن حجر: صدوق.
(5) عَبد الله بْن معبد بن عباس بن عبد المطلب، قال أَبُو زُرْعَة: ثقة. وذكره ابنُ حِبَّان فِي كتاب "الثقات".
[معانى بعض الكلمات]:
قمن: خليق وجدير.
[شرح الحديث]
قوله " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلاَّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ " يشير إلى انقطاع الوحي بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وبقاء "المبشرات" (الرؤيا الصالحة) كجزء من النبوة سَواء رآها المُسلم بنفسه أو رآها غيره له.
والرؤيا الصالحة التي تبشر المسلم بالخير، أو تحذره من الشر، أو تذكره بالله. وهي جزء من أجزاء النبوة، وهي علامة على صدق المؤمن، وكونها من النبوة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مكث في أول نبوته يرى الرؤيا فتقع كفلق الصبح، فهي من أجزاء نبوته -عليه الصلاة والسلام.
وقوله: "ألا وإنِّي نُهِيت أن أقْرَأ القرآن راكِعا أو ساجِدا" معناه: أن الله تعالى نهى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقرأ القرآن في حال الركوع أو السُّجود، وما نُهي عنه صلى الله عليه وسلم فالأصل أنَّ أمَّته تبعٌ له إلا بدليل يدل على خصوصيته صلى الله عليه وسلم، هذا إذا قَصد التِّلاوة في ركوعه أو سجوده، أما إذا قصد الدعاء فلا حرج عليه، والحكمة من النَّهي -والله أعلم- أن الرُّكوع والسُّجود هما حالتا ذُل وخُضوع، ثم إن السُّجود يكون على الأرض فلا يَليق بالقرآن أن يُقرأ في مثل هذه الحال.
وقوله: "فأما الرُّكوع فعظِّموا فيه الرَّب عز وجل" أي قولوا: سبحان ربي العظيم، ونحوه من التسبيحات والتمجيدات الواردة في الركوع. وقوله: "وأما السُّجود فَاجْتَهِدُوا في الدُّعاء" يعني: ينبغي للمصلِّي أن يُكثر من الدُّعاء حال السُّجود؛ لأنه من المواضع التي يُستجاب فيها الدعاء، وقد ثبت في مسلم عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أقرب ما يكون العَبد من ربِّه وهو ساجد فأكثروا الدعاء)، لكن مع قول: سبحان ربي الأعلى؛ لأنه واجب.
وقوله: "فَقَمِنٌ أن يُستَجاب لكم" أي حَريٌّ أن يُستجاب لدعائكم؛ لأن أقرب ما يكون العَبد من ربِّه وهو ساجد، ومحل استحباب إطالة الدُّعاء وكثرته: إذا كان الإنسان يُصلي منفردا أو في جماعة يستحبون الإطالة.
****************
877 - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ (1) حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (2) عَنْ مَنْصُورٍ (3) عَنْ أَبِى الضُّحَى (4) عَنْ مَسْرُوقٍ (5) عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِى رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى». يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ.
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه البخاري (794) (817) (4293) (4968) ومسلم (484) والنسائي (1122) (1123) وأحمد (24163) (24223) (24685) وابن خزيمة (605) وابن حبان (1929) والحاكم في المستدرك (1969).
[تراجم الإسناد]
(1) عُثْمَان بْن مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن عُثْمَان أَبُو الحسن العبسي الكوفي، المعروف بابن أَبِي شيبة.
(2) جرير بن عبد الحميد، الإمام الحافظ القاضي أبو عبد الله الضبي الكوفي. أحد الثقات الأعلام.
(3) منصور بن المعتمر، قال أحمد بن عبد الله العجلي: كان منصور أثبت أهل الكوفة، لا يختلف فيه أحد، صالح متعبد.
قال سفيان بن عيينة: كان منصور في الديوان (ديوان الجند)، فكان إذا دارت نوبته لبس ثيابه وذهب فحرس. يعني: في الرباط.
(4) أبو الضحى مسلم بن صبيح القرشي الكوفي. كان من أئمة الفقه والتفسير، ثقة حجة.
(5) مسروق بن الأجدع، الإمام، القدوة، العلم، أبو عائشة الوادعي، الهمداني، الكوفي. قال العجلي: تابعي ثقة. وكان يصلي حتى ترم قدماه. وقال ابن سعد كان ثقة له أحاديث صالحة.
[شرح الحديث]
هذا الحديث الشريف الذي ترويه عائشة رضي الله عنها، يبيّن أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر من قول: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي" في ركوعه وسجوده امتثالاً لأمر الله في سورة النصر {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ}.
جاء في شرح النووي لصحيح مسلم (4/ 150): التسبيح التنزيه، وقولهم: سبحان الله منصوب على المصدر، يقال: سبحت الله تسبيحا وسبحانا، فسبحان الله معناه براءة وتنزيه له من كل نقص وصفة للمحدث.
قالوا: وقوله: وبحمدك أي وبحمدك سبحتك، ومعناه بتوفيقك لي وهدايتك وفضلك علي سبحتك لا بحولي وقوتي. ففيه شكر الله تعالى على هذه النعمة والاعتراف بها والتفويض إلى الله تعالى، وأن كل الأفعال له والله أعلم.
*******************
878 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ (1) حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ (2) ح حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ السَّرْحِ (3) أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِى يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ (4) عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ (5) عَنْ سُمَىٍّ مَوْلَى أَبِى بَكْرٍ (6) عَنْ أَبِى صَالِحٍ (7) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَقُولُ فِى سُجُودِهِ «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى ذَنْبِى كُلَّهُ دِقَّهُ وَجِلَّهُ وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ». زَادَ ابْنُ السَّرْحِ «عَلاَنِيَتَهُ وَسِرَّهُ».
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه مسلم (483) وابن خزيمة (672) والسراج في حديثه (313) وأبو عوانة في المستخرج (1880) والطحاوي في شرح معاني الآثار (1411) وابن حبان (1931) والطبراني في الدعاء (607) والحاكم في المستدرك (969) وأبو نعيم في الحلية (8/ 330).
[تراجم الإسناد]
(1) أحمد بن صالح المصرى، أبو جعفر ابن الطبرى، قَالَ أَحْمَدُ العِجْلِيُّ: أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ: مِصْرِيٌّ، ثِقَةٌ، صَاحِبُ سُنَّةٍ.
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: ثِقَةٌ، وقَالَ البُخَارِيُّ: أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ: ثِقَةٌ، صَدُوْقٌ.
(2) عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبِ بنِ مُسْلِمٍ، المِصْرِيُّ.
(3) أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بنُ عَمْرِو بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ السَّرْحِ، المِصْرِيُّ. قال أبو حاتم: لا بأس به. وقال النسائي، وغيره: كان ثقة ثبتا صالحا. وقال ابن يونس: كان من الصالحين الأثبات.
(4) يحيى بن أيوب، أبو العباس الغافقي المصري. قال ابن معين: ثقة، وقال مرة: صالح. وقال أبو حاتم: محله الصدق، ولا يحتج به. وقال أبو داود: يحيى بن أيوب ثقة؟ قال: هو صالح. وقال النسائي: ليس به بأس، وقال مرة: ليس بالقوي.
(5) عمارة بن غزية بن الحارث، بن عمرو بن غزية، الأنصاري، الخزرجي، البخاري، المازني، المدني، أحد الثقات.
(6) سُمَيٌّ المَدَنِيُّ مولى أَبِي بَكْرٍ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ الحَارِثِ بنِ هِشَامٍ الفَقِيْهِ، وَثَّقَهُ: أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ، وَغَيْرُهُ.
(7) أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ ذَكْوَانُ بنُ عَبْدِ اللهِ؛ قَالَ فيه أحمد: ثِقَةٌ ثِقَةٌ، مِنْ أَجَلِّ النَّاسِ وَأَوْثَقِهِم.
[معانى بعض الكلمات]:
الدق: الصغير.
[شرح الحديث]
حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان مِن دُعاء النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في سُجودِه: "اللهمَّ اغْفِر لي ذَنبِي كلَّه"، سؤال اللَّه المغفرة، وهو محو الذنوب، والتجاوز عنها وسترها عن الناس، "دِقَّه وجِلَّه"، أي: اغْفِر لي صغيرَ الذَّنبِ وكبيرَه، "وأوَّلَه وآخِرَه"، أي: أوَّلَ ذَنبٍ ارتكبتُه وآخِرَه وما بينهما، وفي هذا طلبٌ بغُفْرانِ كلِّ الذُّنوب من أوَّلِها إلى آخرِها, "وعلانيتَه وسِرَّه"، أي: اغْفِر لي كلَّ الذُّنوب التي ارتكبتُها في الظَّاهِر والعَلَن وفي الخفاءِ والسِّرِّ، ممَّا لا يَعلمه إلَّا أنت سُبحانَك، قال سبحانه: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (الزمر: 53). وقال: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (آل عمران: 135) ..
وفي الحديث: استغفار النبي صلى الله عليه وسلم وهو معصوم من الذنوب، واستغفاره من شُكر للهِ وطلب لرحمته وفَضْله.
**************************
879 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِىُّ (1) حَدَّثَنَا عَبْدَةُ (2) عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ (3) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ (4) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ (5) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ذَاتَ لَيْلَةٍ فَلَمَسْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ سَاجِدٌ وَقَدَمَاهُ مَنْصُوبَتَانِ وَهُوَ يَقُولُ «أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ وَأَعُوذُ بِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لاَ أُحْصِى ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ».
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه مالك (1/ 214) و مسلم (486) والترمذي (3493) والنسائي (169) (1100) (1130) (1747) وابن ماجه (3841) وأحمد (24312) (25655) والطيالسي (125).
[تراجم الإسناد]
(1) مُحَمَّد بن سُلَيْمان، وهو ابن أَبي داود الأنباري، كنيته أَبُو هارون. قال الْحَافِظ أَبُو بَكْر الْخَطِيب: كَانَ ثقة.
(2) عبدة بن سليمان، قال أحمد بن حنبل: هو ثقة ثقة وزيادة، مع صلاح وشدة فقر. وقال أحمد العجلي: ثقة صالح، صاحب قرآن. كان يقرئ.
(3) عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، أبو عثمان القرشي العدوي ثم العمري المدني. قال يحيى بن معين: عبيد الله من الثقات.
(4) محمد بن يحيى بن حبان بن منقذ بن عمرو، الإمام الفقيه الحجة أبو عبد الله الأنصاري النجاري، المازني المدني. وهو إمام مجمع على ثقته، قال الواقدي: كانت له حلقة للفتوى وكان ثقة كثير الحديث.
(5) أبو داود عبد الرحمن بن هرمز المدني الأعرج.
[شرح الحديث]
قول أم المؤمنين رضي الله عنها "قَالَتْ فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ذَاتَ لَيْلَةٍ" أي فقدته في الفراش.
قالت "فَلَمَسْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ سَاجِدٌ" والمسجد موضع السجود. فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ساجد في الصلاة.
قالت " وَقَدَمَاهُ مَنْصُوبَتَانِ " أي منصوبتان مع ثني أصابع القدمين إلى جهة القبلة وذلك حال السجود.
وهو يدعو في سجوده " أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ" أي " بصفة الرضا من صفة الغضب، أي ألتجئ إلى هذه من هذه". وهو معنى: ألتجئ إلى ما يرضيك لأتوقى به غضبك.
" وَأَعُوذُ بِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ " أي اتحصن وأستجير بعفوك ومعافاتك وسترك من عذابك.
"وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ" كما في الآية {وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ} [التوبة: 118] أي أيقنوا أنه لا معتصمَ لهم من الله، وعن عذابه إلا بالرجوع والإنابة إلى الله سبحانه وتعالى.
ولقد أجاد من قال: من خاف من شيء يفر منه، ومن خاف من الله يفر إليه، قال تعالى: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} [الذاريات: 50].
"لاَ أُحْصِى ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ" أي: لا أطيق ولا أبلغ حصرًا وعددًا لعجزي إحصاء نعمتك وإحسانك كما تستحقه وإن اجتهدت في ذلك فلا أستطيعُ أن أُوفِّيَكَ الشُّكرَ والحمدَ على نِعَمِكَ وأَفضالِك، وأنتَ يا ربِّ، كما أثنَيْتَ على نفسِكَ، وهذا اعترافٌ بالعجزِ عن أداءِ شُكرِ النِّعَمِ.
وفي الحديث: استحباب هذه الأدعية في السجود.
وفيه: استحباب الثناء على الله بصفاته ودعائه بأسمائه الثابتة في الكتاب والسنة.
وفيه: جواز الاستعاذة بصفات الله، كما يجوز الاستعاذة بذاته -سبحانه وتعالى-.
وفيه: فيه تعظيم الخالق في الركوع والسجود.
وفيه: إثبات صفة الرضا وصفة السخط والغضب لله تعالى على الوجه الذي يليق به سبحانه.
وفيه: التوسل لله بأسمائه وصفاته.
والله الموفق
الدر المعقود بشرح سنن أبي داود
أبو عاصم البركاتي الأثري المصري