الدر المعقود بشرح سنن أبي داود
الأحاديث (880)(881)(882)(883)(884)
155 - باب الدُّعَاءِ فِى الصَّلاَةِ.
880 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ (1) حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ (2) حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ (3) عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَدْعُو فِى صَلاَتِهِ «اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ». فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَغْرَمِ فَقَالَ «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ».
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه البخاري (832)، (2397) (6368) (6376) (7129) ومسلم (587)، (589) والترمذي (3495) والنسائي (1309) (5454) (5466) (5472) (5477) وابن ماجه (3838) وأحمد (24301) (24578) (25648) (25727) (26075) وابن أبي شيبة (29135).
[تراجم الإسناد]
(1) عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار، الحافظ الثبت; أبو حفص الحمصي. قال أبو حاتم: صدوق.
(2) بقية بن الوليد، ثقة يدلس التسوية.
(3) شعيب بن أبي حمزة، ثقة متقن.
(4) الإمام الزهري، محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب.
(5) عروة بن الزبير بن العوام، الإمام، عالم المدينة، أبو عبد الله القرشي الأسدي، المدني، الفقيه، أحد الفقهاء السبعة.
[شرح الحديث]
قول عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَدْعُو فِى صَلاَتِهِ" أي بعد التشهد الأخير، وقبل التسليم، ودل على هذا أيضًا ما أخرجه البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْ أَرْبَعٍ يَقُولُ: اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ".
وقوله "اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ" يعني ألتجئ إليك يا رب واحتمي من عذاب القبر، وفيه إثبات عذاب القبر للكافرين والعصاة، وقد أشار القرآن إلى عذاب القبر، قال اللهُ تعالى: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ} [التوبة: 101]
قال الحَسَنُ البَصريُّ وقتادةُ وابنُ جُرَيجٍ في قَولِ اللهِ تعالى: {سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ} (عذابَ الدُّنيا، وعذابَ القَبْرِ).
وقال اللهُ سُبحانَه: {وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر: 45 - 46]. قال ابنُ كثيرٍ: "هذه الآيةُ أصلٌ كبيرٌ في استدلالِ أهلِ السُّنَّةِ على عذابِ البَرْزخِ في القُبورِ، وهي قَولُه: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا}. وثمة أدلة أخرى كثيرة على إثبات عذاب القبر ونعيم القبر.
قوله " وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ" أي: أعوذ بك أنْ أُصَدِّقَه، أو أَقَعَ تحتَ إغوائِه، لأنه يفتن الناس بادعاء الألوهية والربوبية في آخر الزمان، وهو أعظمُ الفِتَنِ وأخطَرُها في الدُّنيا؛ ولذلك حذَّر الأنبياءُ جميعًا أُمَمَهم مِن شرِّه وفِتْنتِه؛ ولذلك كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَستعِيذُ مِن فِتْنتِه في كلِّ صلاةٍ، وبيَّنَ أنَّ فِتْنتَه أعظَمُ الفِتَنِ مُنذُ خَلَقَ اللهُ آدَمَ عليه السَّلامُ إلى قِيامِ السَّاعةِ. وسُمِّيَ مَسِيحًا؛ لأنَّه مَمْسوحُ العَيْنِ مَطْموسُها، فهو أَعْوَرُ، وسُمِّي الدَّجَّالَ؛ تَمْيِيزًا له عن المَسِيحِ عيسى ابنِ مريمَ عليه السَّلامُ، ووصف بالدَّجَّال لأنَّه كذَّابٌ يُغَطِّي الحقَّ ويَستُرُه، ويُظهِرُ الباطلَ، والدَّجَّالُ: شخصٌ مِن بني آدمَ، وظُهورُه مِن العَلاماتِ الكُبرى ليومِ القِيامةِ، يَبتلي اللهُ به عِبادَه، وأَقْدَره على أشياءَ مِن مَقدوراتِ الله تعالى: مِن إحياءِ المَيتِ الذي يَقتُلُه، ومِن ظُهورِ زَهرةِ الدُّنيا والخِصْبِ معه، وجَنَّتِه ونارِه، ونَهْرَيْهِ، واتِّباعِ كُنوزِ الأرضِ له، وأمْرِه السَّماءَ أنْ تُمطِرَ فتُمطِرَ، والأرضَ أن تُنبِتَ فتُنبِتَ؛ فيَقَعُ كلُّ ذلك بقُدرةِ الله تعالَى ومشيئتِه.
وقوله "وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ" يطلب الحماية من فتن الحياة (الشبهات والشهوات) وحب الدنيا ونسيان الآخرة، وفتن الممات: أي سوء الخاتمة أو عدم التوفيق للتوبة قبل الموت أو عذاب القبر.
وقوله "اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ" ومعناه طلب الحماية من الله من الوقوع في المعاصي أو من الأسباب التي تؤدي إليها، ومن الخسارة المالية و الدّيون التي يعجز عن سدادها.
وقوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "إنَّ الرَّجُلَ إذا غَرِمَ" وَقَعَ به الدَّيْنُ حتَّى لا يَستَطيعَ الوَفاءَ به، "حَدَّثَ فكَذَبَ، ووَعَدَ فأخلَفَ" يَلجَأُ إلى الكَذِبِ ومُخالَفةِ الوُعودِ مُتَعذِّرًا مع مَن يُقاضيه في دَيْنِه.
قيلَ: وإنَّما كانَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَدْعو ببَعضِ هذه الأدعيَةِ مِن بابِ التَّواضُعِ والشُّكرِ للهِ سُبحانَه وتَعالى، ورُبَّما تَقَعُ منه تَعليمًا لِأُمَّتِه؛ لِأنَّ بَعضَ هذِه الأُمورِ قد عُلِمَ أنَّ اللهَ تَعالى قد عَصَمَ نَبيَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الوُقوعِ فيها.
*******************
881 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ (1) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ (2) عَنِ ابْنِ أَبِى لَيْلَى (3) عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِىِّ (4) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى (5) عَنْ أَبِيهِ قَالَ صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِى صَلاَةِ تَطَوُّعٍ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ وَيْلٌ لأَهْلِ النَّارِ».
- ---------------------------------•
ضعيف: لأجل محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، فهو سيئ الحفظ.
والحديث أخرجه ابن ماجه (1352) وأحمد (19055) وابن أبي شيبة (6035) والطبراني في الكبير (7/ 79) رقم (6427) والقطيعي في جزئه (308) والبيهقي في الكبرى (3690) وابن أبي الدنيا في "صفة النار" (1) وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (6648).
[تراجم الإسناد]
(1) مسدد بن مسرهد البصري، قال أحمد بن حنبل: مسدد صدوق، فما كتبت عنه فلا تعد. وقال ابن معين: ثقة ثقة، وقال النسائي: ثقة.
(2) عَبْدُ اللهِ بنُ دَاوُدَ بنِ عَامِرِ بنِ رَبِيْعٍ، الخريبي، الإِمَامُ، الحَافِظُ، القُدْوَةُ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الهَمْدَانِيُّ، ثُمَّ الشَّعْبِيُّ، الكُوْفِيُّ، ثُمَّ البَصْرِيُّ، المَشْهُوْرُ بِالخُرَيْبِيِّ؛ لِنُزُولِهِ مَحَلَّةَ الخُرَيْبَةِ بِالبَصْرَةِ. [من سير أعلام النبلاء (17/ 359)].
- قال ابن حجر في التقريب (2/ 412): أبو عبد الرحمن الخُرَيبي بمعجمة وموحدة مصغرا، كوفي الأصل، ثقةٌ عابد.
(3) محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى. العلامة، الإمام، مفتي الكوفة وقاضيها. قَالَ أَحْمَدُ: كَانَ يَحْيَى بنُ سَعِيْدٍ يُضَعِّفُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى. وقَالَ أَحْمَدُ: كَانَ سَيِّئَ الحِفظِ، مُضْطَرِبَ الحَدِيْثِ، وَكَانَ فِقهُهُ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ حَدِيْثِهِ. وقال يَحْيَى بن مَعِيْنٍ: لَيْسَ بِذَاكَ.
(4) ثابت بن أسلم البناني، أحد الثقات الأعلام.
(5) عبد الرحمن بن أبي ليلى، أبو عيسى الأنصاري الكوفي، أحد كبار التابعين. قال يحيى بْن مَعِين: ثقة. وَقَال أَحْمَد بْن عَبد الله العجلي: كوفي تابعي ثقة.
(6) يسار؛ أبو ليلى الأنصاري والد عبد الرحمن بن أبي ليلى، له صحبة رضي الله عنه، واختلف في اسمه فقيل يسار وقيل داود وقيل أوس.
وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: اسم أبي ليلى داود بن بلال بن بليل بن أحيحة بن الجُلاح بن جحجبي بن كَلْفة الأنصاري، من الأوس.
[شرح الحديث]
في الحديث مشروعية التعوذ من النار، فيستحب للمصلي، فرداً أو إماماً، أن يتعوذ بالله من النار إذا مر بآية عذاب.
ويظهر الحديث شدة خوف النبي صلى الله عليه وسلم من عذاب الله، رغم أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
و الحديث يدل على ضرورة تدبر الآيات في الصلاة (تفكُّر وتأثر) وعدم الاقتصار على مجرد القراءة.
وقوله "وَيْلٌ لأَهْلِ النَّارِ " تشير إلى وعيد شديد وعذاب مقيم ينتظر الكافرين والعصاة.
وفي الحديث: جواز الائتمام في قيام الليل.
وفيه: جواز الدعاء بين الآيات، فإذا قرأ آية عذاب تعوذ بالله من العذاب، وإذا مر بآية رحمة سأل الله من فضله ورحمته.
********************
882 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ (1) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ (2) أَخْبَرَنِى يُونُسُ (3) عَنِ ابْنِ شِهَابٍ (4) عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (4) أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِلَى الصَّلاَةِ وَقُمْنَا مَعَهُ فَقَالَ أَعْرَابِىٌّ فِى الصَّلاَةِ اللَّهُمَّ ارْحَمْنِى وَمُحَمَّدًا وَلاَ تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا فَلَمَّا سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ لِلأَعْرَابِىِّ «لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا». يُرِيدُ رَحْمَةَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه البخاري (6010) والترمذي (147) والنسائي (1216) (1217) وابن ماجه (529) والحميدي في مسنده (967) وأحمد (7255) (7802) (10533) وابن الجارود في المنتقى (141) وابن خزيمة في الصحيح (864) وابن حبان (985).
[تراجم الإسناد]
(1) أحمد بن صالح المصرى، أبو جعفر ابن الطبرى، قَالَ أَحْمَدُ العِجْلِيُّ: أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ: مِصْرِيٌّ، ثِقَةٌ، صَاحِبُ سُنَّةٍ.
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: ثِقَةٌ، وقَالَ البُخَارِيُّ: أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ: ثِقَةٌ، صَدُوْقٌ.
(2) عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبِ بنِ مُسْلِمٍ، المِصْرِيُّ، وثقه أحمد بن حنبل وابن معين وابن عدي.
(3) يونس بن يزيد، الأيلي. وقال العِجْليُّ والنَّسائيُّ: ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: صالح الحديث. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال ابن خراش: صدوق. وقال محمد بن سعد: كان حلو الحديث، كثيره، وليس بحجة، ربما جاء بالشيء المنكر.
(4) الإمام الزهري. أحد الأعلام.
(5) أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، احد الثقات الأعلام.
[شرح الحديث]
هذا الحديث مختصر من قصة الرجل الذي بال في المسجد، فتناوله الناس بالكلام والزجر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " لا تذرموه" الحديث. فَقَالَ أَعْرَابِىٌّ فِى الصَّلاَةِ: " اللَّهُمَّ ارْحَمْنِى وَمُحَمَّدًا وَلاَ تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا" فلعله دعا في سجوده او بعد التشهد، وسمعه من بجواره. فَلَمَّا سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ لِلأَعْرَابِىِّ «لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا». يُرِيدُ رَحْمَةَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وحَجَّرْتَ أَيْ ضَيَّقْتَ وَزْنًا وَمَعْنًى وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} [الأعراف: 156]. فأَنْكَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْأَعْرَابِيِّ لِكَوْنِهِ بَخِلَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مَنْ فَعَلَ خلاف ذَلِك حَيْثُ قَالَ: {وَالَّذين جاؤوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذين سبقُونَا بِالْإِيمَان}.
*****************
883 - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ (1) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (2) عَنْ إِسْرَائِيلَ (3) عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ (4) عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ (5) عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ (6) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ إِذَا قَرَأَ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} قَالَ «سُبْحَانَ رَبِّىَ الأَعْلَى».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ خُولِفَ وَكِيعٌ فِى هَذَا الْحَدِيثِ وَرَوَاهُ أَبُو وَكِيعٍ وَشُعْبَةُ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا.
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه أحمد (2066) وابن أبي شيبة (8643) وعبد الرزاق في المصنف (4051) والطبراني في الكبير (12/ 16) رقم (12335) والحاكم في المستدرك (970)، وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ" ووافقه الذهبي.
[تراجم الإسناد]
(1) أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بنُ حَرْبِ بنِ شَدَّادٍ الحَرَشِيُّ، وَثَّقَهُ: يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: صَدُوْقٌ.
(2) وكيع بن الجراح الإمام الحافظ، محدث العراق أبو سفيان الرؤاسي، الكوفي، أحد الأعلام، وثقه ابن معين وأبو داود
وَقَالَ النَّسَائِيُّ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، ولينه بعضهم.
(3) إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، أبو يوسف الهمداني السبيعي الكوفي. قال يحيى بن معين والعجلي وأحمد بن حنبل: ثقة وقال أبو حاتم الرازي: ثقة صدوق، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال يعقوب بن شيبة: صدوق، وليس بالقوي، وقال مرة: في حديثه لين. وقال علي بن المديني: إسرائيل ضعيف. قلت: الجمهور على الاحتجاج به، واحتج به الشيخان.
(4) أبو إسحاق السبيعي، عمرو بن عبد الله، الهمداني الكوفي، قال أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين: أبو إسحاق ثقة.
وقد وصف بالتدليس، وكان طلابة للعلم كبير القدر أبيض الرأس واللحية، يخضب. وما كان يذكر أحدا بسوء.
وقال ابن عيينة: قال عون بن عبد الله لأبي إسحاق: ما بقي منك؟ قال: أقرأ البقرة في ركعة. قال: بقي خيرك، وذهب شرك.
(5) مُسْلِم البَطين، أَبُو عَبْد الله الكوفي. وثقه أَحْمَد وغيره.
(6) سَعِيْدُ بنُ جُبَيْرِ بنِ هِشَامٍ الوَالِبِيُّ مَوْلاَهُم، الأسدي، الكوفي. ثقة ثبت.
كان من العباد الصالحين، ومن طرائفه: ما قيل أنه كَانَ لِسَعِيْدِ بنِ جُبَيْرٍ دِيْكٌ، كَانَ يَقُوْم مِنَ اللَّيْلِ بِصِيَاحِهِ، فَلَمْ يَصِحْ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي حَتَّى أَصْبَحَ، فَلَمْ يُصَلِّ سَعِيْدٌ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَشَقَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا لَهُ، قَطَعَ اللهُ صَوْتَهُ؟! فَمَا سُمِعَ لَهُ صَوْتٌ بَعْدُ. فَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ: يَا بُنَيَّ، لاَ تَدْعُ عَلَى شَيْءٍ بَعْدَهَا.
[شرح الحديث]
في هذا الحديثِ أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ علَيْه وسلَّم كان إذا قرَأ قولَه تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}، وهو أمرٌ بالتَّسبيحِ، وهو تقديسُ وتنزيهُ المَلِكِ عَن كُلِّ نقصٍ، فكان إذا قرَأَها قال: "سُبحانَ ربِّيَ الأعلى"؛ تنفيذًا لأمرِ اللهِ.
وعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: "صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ فَقُلْتُ يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ ثُمَّ مَضَى فَقُلْتُ يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ فَمَضَى فَقُلْتُ يَرْكَعُ بِهَا ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا، إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذ" رواه مسلم (772).
وذهب بعض أهل العلم إلى مشروعية واستحباب أن يسبح القارئ في مواطن التسبيح، ويستعيذ في مواطن الاستعاذة ويطلب الرحمة في مواطن الرحمة. وسواء كان ذلك في النفل أو الفرض. وسواء في ذلك أيضا: الإمام والمأموم والمنفرد.
قال النووي رحمه الله: "قال الشافعي واصحابنا يسن للقارئ، في الصلاة وخارجها: إذا مر بآية رحمة أن يسأل الله تعالى الرحمة، أو بآية عذاب: أن يستعيذ به من العذاب، أو بآية تسبيح: أن يسبح، أو بآية مَثَلٍ: أن يتدبر.
قال أصحابنا: ويُستحب ذلك للإمام والمأموم والمنفرد.
وإذا قرأ {أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى}، قال: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين.
وإذا قرأ {فبأي حديث بعده يؤمنون}، قال: آمنا بالله.
وكل هذا يستحب لكل قارئ، في صلاته أو غيرها. وسواء صلاة الفرض والنفل، والمأموم والإمام والمنفرد؛ لأنه دعاء، فاستووا فيه؛ كالتأمين.
انتهى من ["المجموع شرح المهذب" (4/ 66)].
**********************
884 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى (1) حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ (2) حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (3) عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِى عَائِشَةَ (4) قَالَ كَانَ رَجُلٌ يُصَلِّى فَوْقَ بَيْتِهِ وَكَانَ إِذَا قَرَأَ {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِىَ الْمَوْتَى} قَالَ سُبْحَانَكَ فَبَلَى فَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ قَالَ أَحْمَدُ يُعْجِبُنِى فِى الْفَرِيضَةِ أَنْ يَدْعُوَ بِمَا فِى الْقُرْآنِ.
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه عبد الرزاق في "التفسير" (3419) والبيهقي في "الكبرى" (3692). وموسى بن أبي عائشة تابعي ثقة كثير الإرسال. وجهالة الصحابي لا تضر فكلهم عدول.
وللحديث شاهد إسناده ضعيف عن أبي هريرة رضي الله عنه أخرجه: الحاكم في المستدرك (3882) بسنده عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِي الْيَسَعِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا قَرَأَ {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} [القيامة: 40] قَالَ: «بَلَى» وَإِذَا قَرَأَ {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} [التين: 8] قَالَ: «بَلَى» هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ " وقال الذهبي: صحيح.
قلت: أبو اليسع الأعرابي الراوي عن أبي هريرة: مجهول لا يعرف.
وأخرجه الحميدي في المسند (1025) وأحمد (7391) كلاهما بسنده عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، قال سَمِعْتُهُ مِنْ رَجُلٍ، مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ أَعْرَابِيٍّ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، بالحديث. وإسناده ضعيف لإبهام الراوي عن أبي هريرة، ولو كان هو أبو اليسع فهو مجهول.
وللحديث شاهد آخر عن ابن عباس: أخرجه عبد الرزاق في المصنف (4051) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَرَأَ: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} قَالَ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ بَلَى»، وَإِذَا قَرَأَ: سَبَّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قَالَ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى». وإسناده لا بأس به.
[تراجم الإسناد]
(1) أَبُو مُوْسَى العَنَزِيُّ مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى بنِ عُبَيْدٍ؛ وثقه ابن معين؛ قَالَ مُحَمَّدُ بنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ: حُجَّةٌ. وَقَالَ صَالِحٌ جَزَرَةُ: صَدُوْقُ اللَّهْجَةِ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: صَدُوْقٌ، صَالِحُ الحَدِيْثِ. وَقَالَ النَّسَائِيُّ: كَانَ لاَ بَأْسَ بِهِ. وقال الدارقطني: كان أحد الثقات.
(2) محمد بن جعفر، غندر، قال أبو حاتم الرازي: كان غندر صدوقا مؤديا، وفي حديث شعبة ثقة، وأما في غير شعبة، فيكتب حديثه، ولا يحتج به. وقال ابن مهدي: غندر في شعبة أثبت مني.
(3) شعبة بن الحجاج.
(4) مُوْسَى بنُ أَبِي عَائِشَةَ الهَمْدَانِيُّ الكُوْفِيُّ العابد وَثَّقَهُ: ابْنُ عُيَيْنَةَ وابن معين وابن حبان.
[شرح الحديث]
في هذا الحديثِ يقولُ مُوسَى بنُ أبي عائشةَ: "كان رجلٌ"، أي: مِن صحابةِ رسولِ اللهِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، "يُصلِّي فوقَ بيتِه"، أي: على ظَهْرِ بيتِه، "وكان إذا قرَأ قولَه تعالى: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} [القيامة: 40]، قال: سُبْحانَك؛ فبَلَى! "، أي: مُؤكِّدًا على معنى أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ هو القادرُ على أنْ يُحييَ الموتَى، والتَّسبيحُ: هو التَّقديسُ والتَّنزيهُ، أي: أُنزِّهُك يا ربِّ عن كلِّ نقصٍ، فأنتَ وحدَك الَّذي تَستطيعُ إحياءَ الموتى، ومَن سِواك عاجزٌ عن ذلك، "فسَأَلوه عن ذلِك"، أي: عن سببِ قولِه، فقال: سَمِعتُه مِن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيْه وسلَّم".
والله الموفق
الدر المعقود بشرح سنن أبي داود
أبو عاصم البركاتي الأثري المصري