الدر المعقود بشرح سنن أبي داود
الأحاديث (911)(912)(913)(914)(915)(916)
أبو عاصم البركاتي الأثري المصري
168 - باب السُّجُودِ عَلَى الأَنْفِ.
911 - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ (1) حَدَّثَنَا عِيسَى (2) عَنْ مَعْمَرٍ (3) عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ (4) عَنْ أَبِى سَلَمَةَ (5) عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- رُئِىَ عَلَى جَبْهَتِهِ وَعَلَى أَرْنَبَتِهِ أَثَرُ طِينٍ مِنْ صَلاَةٍ صَلاَّهَا بِالنَّاسِ.
قَالَ أَبُو عَلِىٍّ هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَقْرَأْهُ أَبُو دَاوُدَ فِى الْعَرْضَةِ الرَّابِعَةِ.
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه البخاري (669) (813) (836) (2016) ومسلم (1167) وأبو داود (894) والنسائي (1095) وأحمد (11895).
وقول أَبُي عَلِىٍّ وهو اللؤلؤي راوي السنن عن أبي داود: هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَقْرَأْهُ أَبُو دَاوُدَ فِى الْعَرْضَةِ الرَّابِعَةِ.
قلت: لعل ذلك لأنه سبق برقم (894) قال حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ثم باقي السند والمتن.
[تراجم الإسناد]
(1) مؤمل بن الفضل، أبو سعيد الْجَزَرَيّ الحَرَّانيُّ. قال أبو حاتم: ثقة رضى. وقال العقيلي: في حديثه وهم، لا يتابع عليه؛ وقال أبو داود: ذكرت لأحمد مؤمل بن الفضل، فقال: هذا، زعموا لا بأس به؛ وذكره ابنُ حِبَّان فِي كتاب "الثقات".
(2) عيسى بن يونس بن أبي إسحاق، الهمداني، السبيعي الكوفي. ثقة مأمون.
(3) معمر بن راشد، ثقة كبير. قال أحمد بن عبد الله العجلي: معمر ثقة، رجل صالح بصري، سكن صنعاء، وتزوج بها، ورحل إليه سفيان الثوري.
(4) يَحْيَى بنُ أَبِي كَثِيْرٍ أَبُو نَصْرٍ الطَّائِيُّ ثقة ثبت إلا أنه كان يدلس؛ قال أبو طالب: سألت أحمد بن حنبل، عن عبد الله بن يحيى بن أبي كثير. فقال: ثقة. لا بأس به. وَقَالَ العُقَيْلِيُّ: كَانَ يُذْكَرُ بِالتَّدلِيسِ.
(5) أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أحد الأعلام.
[معانى بعض الكلمات]:
الأرنبة: طرف الأنف.
[شرح الحديث]
[شرح الحديث]
يدل الحديث على وجوب السجود على الجبهة والأنف معاً وعدم الاكتفاء بأحدهما عن الآخر.
وهذا قول ابن جبير و النخعي و إسحاق وهو رواية عن مالك ورواية عن أحمد.
وذهب جمهور الفقهاء وهم المالكية والشافعية وأبو يوسف ومحمد ـ صاحبا أبي حنيفة ـ وعطاء وطاووس وعكرمة والحسن وابن سيرين وأبو ثور والثوري، وهو رواية عن أحمد إلى أنه لا يجب السجود على الأنف مع الجبهة، لقوله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم". ولم يذكر الأنف فيه.
إلا أنه في بعض الروايات " أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ عَلَى الجَبْهَةِ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ وَاليَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ القَدَمَيْنِ" [البخاري ومسلم]
وكذا يدل الحديث على التواضع والخشوع: وذلك بالصلاة على الأرض والسجود على الطين والتراب.
ويدل الحدث على استحباب ترك أثر الصلاة، و كان بعض العلماء، كالحميدي وغيره، يحتجون بهذا الحديث على عدم مسح أثر السجود (من طين أو تراب) عن الجبهة أثناء الصلاة، بل يُترك حتى تُقضى الصلاة.
وفي الحديث: جواز الصلاة على التراب والطين، والثلج والرمل والصخر وكل طاهر على وجه الأرض.
***********************
169 - باب النَّظَرِ فِى الصَّلاَةِ.
912 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ (1) حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ (2) ح وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ (3) حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (4) - وَهَذَا حَدِيثُهُ وَهُوَ أَتَمُّ - عَنِ الأَعْمَشِ (5) عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ (6) عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ الطَّائِىِّ (7) عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ - قَالَ عُثْمَانُ - قَالَ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- الْمَسْجِدَ فَرَأَى فِيهِ نَاسًا يُصَلُّونَ رَافِعِى أَيْدِيهِمْ إِلَى السَّمَاءِ - ثُمَّ اتَّفَقَا - فَقَالَ «لَيَنْتَهِيَنَّ رِجَالٌ يَشْخَصُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ - قَالَ مُسَدَّدٌ فِى الصَّلاَةِ - أَوْ لاَ تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ أَبْصَارُهُمْ».
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه مسلم (428) وابن ماجه (1045) وأحمد (20837) (20876) (20965) (21042) والدارمي (1339) وأبو يعلى الموصلي (7473) وابن أبي شيبة (6316) والطبراني في الكبير (2/ 201) رقم (1817).
[تراجم الإسناد]
(1) مسدد بن مسرهد.
(2) أبو معاوية الضرير (محمد بن خازم السعدي الكوفي)، وثقه النسائي والعجلي.
(3) عُثْمَان بْن مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن عُثْمَان، أَبُو الحسن العبسي الكوفي، المعروف بابن أَبِي شيبة.
(4) جرير بن عبد الحميد، الضبي نزيل الري. مجمع على ثقته.
(5) سليمان بن مهران، الأعمش.
(6) المسيب بن رافع الفقيه الكبير أبو العلاء الأسدي الكاهلي كوفي ثبت.
(7) تَمِيمُ بْنُ طَرَفَةَ الطَّائِيُّ الْكُوفِيُّ. وثقه النسائي. و قال العجلي: تابعي ثقة. وقال أبو داود: ثقة مأمون.
[شرح الحديث]
ورد الحديث كذلك في صحيح مسلم عن جابر بن سمرة رضي الله عنه:
"لَيَنْتَهِيَنَّ رِجَالٌ يَشْخَصُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ لَا تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ". وفي رواية أخرى " أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ".
ومعنى يُشخصون: أي يرفعون بصرهم ويفتحون أعينهم بشدة نحو السماء.
والحديث يدل على تحريم رفع البصر للسماء في الصلاة؛ لما فيه من منافاة للخشوع، حيث أمر الشرع المصلي بالنظر إلى موضع السجود. وهذه دعوةٌ إلى الخُشوعِ في الصَّلاةِ وخَفْضِ البصَرِ، وهو أَدْعى إلى التَّذلُّلِ بينَ يدَيِ اللهِ سُبحانَه.
وقوله " أوْ لا تَرجِعُ إليهم أبصارُهم"، أي: يَفقِدونَها ويُصيبُهم العَمى، وذا دليل القول بالتحريم لأنه لا عقوبة إلا على محظور، وفي "المنهل العذب المورود" (6/ 8): "وفي هذا وعيد شديد على من فعل ذلك، ويؤخذ منه حرمة رفع البصر إلى السماء حال الصلاة؛ لأن العقوبة بالعمى لا تكون إلا عن محرّم. وبالغ ابن حزم فقال تبطل به الصلاة". انتهى.
وقال المباركفوري، في "مرعاة المفاتيح" (3/ 349): "وفيه وعيد عظيم وتهديد شديد، وهو يدل على أن رفع البصر إلى السماء حال الصلاة حرام؛ لأن العقوبة بالعمى لا تكون إلا عن محرم، والمشهور عند الشافعية أنه مكروه، وبالغ ابن حزم فقال: تبطل الصلاة به".
واستظهر بعض محققي الشافعية تحريمه على العالم العامد.
قال الخطيب الشربيني في "مغني المحتاج" (1/ 421): "قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَالْوَجْهُ تَحْرِيمُهُ عَلَى الْعَامِدِ الْعَالِمِ بِالنَّهْيِ الْمُسْتَحْضِرِ لَهُ".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فلما كان رفع البصر إلى السماء ينافي الخشوع حرمه النبي صلى الله عليه وسلم وتوعد عليه" انتهى، من "القواعد النورانية" (ص 46).
ولكن ذهب بعض الناس إلى القول بالكراهة الشديدة، قال ابن بطال، رحمه الله: " العلماء مجمعون على القول بهذا الحديث وعلى كراهية النظر إلى السماء فى الصلاة، وقال ابن سيرين: كان رسول الله مما ينظر إلى السماء فى الصلاة، فيرفع بصره حتى نزلت آية إن لم تكن هذه فما أدرى ما هى: {الذين هم فى صلاتهم خاشعون}، قال: فوضع النبى رأسه.
وقال شريح لرجل رآه رفع بصره ويده إلى السماء: اكفف يدك واخفض بصرك، فإنك لن تراه، ولن تناله.
وذكر الطبرى عن إبراهيم التيمى أنه قال: كان يكره أن يرفع الرجل بصره إلى السماء فى الدعاء، يعنى: فى غير الصلاة " انتهى، من "شرح صحيح البخاري" (2/ 364) ..
واختلف العلماء في رفع البصر للسماء أثناء الدعاء خارج الصلاة، فجوزه الأكثرون، وكرهه آخرون.
وأخرج مسلم والنسائي وأحمد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لينتهين أقوام عن رفعهم أبصارهم عند الدعاء في الصلاة إلى السماء أو لتخطفن أبصارهم.
وفي الحديث: أن النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيْه وسلَّم أنَّه كان لا يُواجِهُ أحَدًا بما يَكْرَهُ، بل إنْ رَأى أو سَمِعَ ما لا يُرضيهِ جعَل الكلامَ عامًّا.
وفيه: النهي الأكيد والوعيد الشديد في رفع الأبصار في الصلاة.
وفيه: تغليظُ القَولِ في زَجرِ مُرتكِبِ المنكَرِ؛ ليَرتَدِعَ عن ذلك.
********************
913 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ (1) حَدَّثَنَا يَحْيَى (2) عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى عَرُوبَةَ (3) عَنْ قَتَادَةَ (4) أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ فِى صَلاَتِهِمْ». فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِى ذَلِكَ فَقَالَ «لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ».
- ---------------------------------•
صحيح: أخرجه البخاري (750)، والنسائي (1193)، وابن ماجه (1044).
[تراجم الإسناد]
(1) مسدد بن مسرهد البصري.
(2) يحيى بن سعيد القطان.
(3) سَعِيْدُ بنُ أَبِي عَرُوْبَةَ مِهْرَانَ العَدَوِيُّ؛ ثقة تغير بآخره وكان يدلس؛ وَثَّقَهُ: يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ، وَالنَّسَائِيُّ، وَجَمَاعَةٌ. وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: ثِقَةٌ، مَأْمُوْنٌ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: ثِقَةٌ قَبْلَ أَنْ يَختَلِطَ، وَكَانَ أَعْلَمَ النَّاسِ بِحَدِيْثِ قَتَادَةَ.
وَكَانَ يَحْيَى بنُ سَعِيْدٍ القَطَّانُ يُوَثِّقُه. ووصفه النسائي وغيره بالتدليس.
(4) قتادة بن دعامة السدوسي.
******************************
914 - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ (1) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ (2) عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِى خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلاَمٌ فَقَالَ «شَغَلَتْنِى أَعْلاَمُ هَذِهِ اذْهَبُوا بِهَا إِلَى أَبِى جَهْمٍ وَأْتُونِى بِأَنْبِجَانِيَّتِهِ».
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه البخاري (373) (752) (5817) ومسلم (556) والنسائي (771) ابن ماجه (3550) وأحمد (24087) (24190) (25734).
[تراجم الإسناد]
(1) عُثْمَان بْن مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن عُثْمَان أَبُو الحسن العبسي الكوفي، المعروف بابن أَبِي شيبة، وثقه ابن معين وغيره.
(2) سُفْيَانُ بن عيينة الإمام الحافظ المتقن؛ قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ: لَوْلاَ مَالِكٌ وَسُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ، لَذَهَبَ عِلْمُ الحِجَازِ.
قَالَ عَلِيُّ بنُ المَدِيْنِيِّ: مَا فِي أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ أَحَدٌ أَتقَنُ مِنْ سُفْيَانَ بنِ عُيَيْنَةَ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بنُ عَبْدِ اللهِ العِجْلِيُّ: كَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ثَبْتاً فِي الحَدِيْثِ، وَكَانَ حَدِيْثُهُ نَحْواً مِنْ سَبْعَةِ آلاَفٍ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ كُتُبٌ.
[معانى بعض الكلمات]:
الخميصة: كساء أسود مربع له علمان فى طرفيه من صوف وغيره.
أعلام: خطُوطٌ، أو نُقُوشٌ، أو زَخَارِفُ في الثَّوْبِ.
الأنبجانية: كساء صوف ينسب إلى بلدة أنبجان.
[شرح الحديث]
قول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها " صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِى خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلاَمٌ" والخميصة كساء فيها نقوش وزخارف وخطوط.
فقال "شَغَلَتْنِى أَعْلاَمُ هَذِهِ" نَظَرْتُ إِلَى أَعْلَامِهَا في الصَّلَاةِ، فَكَادَتْ تَصْرِفُنِي عَنْ كَمَالِ التَّدَبُّرِ.
"اذْهَبُوا بِهَا إِلَى أَبِى جَهْمٍ" أي أعطوها لأبي جهم، و هو الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ أَبُو جَهْمِ بْنُ حُذَيْفَةَ القُرَشِيُّ العَدَوِيُّ، وَهُوَ مَنْ أَهْدَى الخَمِيصَةَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.
"وَأْتُونِى بِأَنْبِجَانِيَّتِهِ" وهو كِساءٌ غَلِيظٌ (لا نقوش فيه) سَادَةٌ، لَيْسَ فِيهِ خُطُوطٌ وَلَا نُقُوشٌ زَخْرَفِيَّةٌ.
وهذا من جبر الخواطر حيث أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِإِرْسَالِ الخَمِيصَةِ لِأَبِي جَهْمٍ وَطَلَبِ أَنْبِجَانِيَّتِهِ بَدَلاً مِنْهَا؛ حَتَّى لَا يَحْزَنَ أَبُو جَهْمٍ إِذَا رُدَّتْ هَدِيَّتُهُ طَلْقاً بِلَا مُقَابِلٍ.
ومناسبة الحديث لترجمة الباب المنع من أسباب الانشغال وعدم الخشوع في الصلاة.
وفي الحديث: الحثُّ على طَلَبِ حُضُورِ القَلْبِ فِي الصَّلَاةِ، وَتَجَنُّبِ كُلِّ مَا يُلْهِي عَنْهَا.
وفيه: كَرَاهِيَةُ الصَّلَاةِ فِي الثِّيَابِ المُنَقَّشَةِ، أَوْ عَلَى السَّجَاجِيدِ كَثِيرَةِ الأَلْوَانِ والزَّخَارِفِ الَّتِي تَشْغَلُ البَصَرَ.
**************************
915 - حَدَّثَنِى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ (1) حَدَّثَنَا أَبِى (2) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - يَعْنِى ابْنَ أَبِى الزِّنَادِ (3) - قَالَ سَمِعْتُ هِشَامًا (4) يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ (5) عَنْ عَائِشَةَ بِهَذَا الْخَبَرِ قَالَ: وَأَخَذَ كُرْدِيًّا كَانَ لأَبِى جَهْمٍ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ الْخَمِيصَةُ كَانَتْ خَيْرًا مِنَ الْكُرْدِىِّ.
- ---------------------------------•
إسناده حسن:
[تراجم الإسناد]
(1) عبيد الله بن معاذ بن معاذ بن نصر بن حسان العنبرى، أبو عمرو البصرى ثقة حافظ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: ثِقَةٌ.
وَقَالَ البُخَارِيُّ: مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلاَثِيْنَ وَمائَتَيْنِ.
(2) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسان، أبو المثنى العنبري البصري. قال يحيى بن معين، وأبو حاتم الرازي: ثقة.
(3) عبد الرحمن بن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان المدني مولى قريش، قَالَ يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ: هُوَ أَثبَتُ النَّاسِ فِي هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ. وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: كَانَ فَقِيْهاً، مُفْتِياً. وَقَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ: ضَعِيْفٌ. واحْتَجَّ بِهِ النَّسَائِيُّ، وَغَيْرُهُ.
وَقَالَ يَعْقُوْبُ بنُ شَيْبَةَ: سَمِعْتُ ابْنَ المَدِيْنِيِّ يَقُوْلُ: حَدِيْثُهُ بِالمَدِيْنَةِ مُقَارِبٌ، وَمَا حَدَّثَ بِهِ بِالعِرَاقِ، فَهُوَ مُضْطَرِبٌ.
(4) هشام بن عروة بن الزبير. احد الثقات.
(5) عروة بن الزبير بن العوام. أحد الفقهاء السبعة، وأمه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما.
[شرح الحديث]
قوله "وَأَخَذَ كُرْدِيًّا كَانَ لأَبِى جَهْمٍ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ الْخَمِيصَةُ كَانَتْ خَيْرًا مِنَ الْكُرْدِىِّ" والكردي (أنبجانية) كساء منسوب إلى (الكرد) بالضم، ويشبه أن يكون الرداء منسوبا إلى كرد بن عمرو بن عامر بن ربيعة بن صعصعة. وكان عمرو بن عامر يلبس كل يوم حلة فإذا كان آخر النهار مزقها لئلا تلبس بعده.
والمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم استبدل الخميصة المنقوشة بكساء لا نقوش فيه حتى إن كانت الخميصة أفضل.
********************************
170 - باب الرُّخْصَةِ فِى ذَلِكَ.
916 - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ (1) حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ - يَعْنِى ابْنَ سَلاَّمٍ (2) - عَنْ زَيْدٍ (3) أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلاَّمٍ (4) قَالَ حَدَّثَنِى السَّلُولِىُّ - هُوَ أَبُو كَبْشَةَ (5) - عَنْ سَهْلِ ابْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ (6) قَالَ ثُوِّبَ بِالصَّلاَةِ - يَعْنِى صَلاَةَ الصُّبْحِ - فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يُصَلِّى وَهُوَ يَلْتَفِتُ إِلَى الشِّعْبِ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَكَانَ أَرْسَلَ فَارِسًا إِلَى الشِّعْبِ مِنَ اللَّيْلِ يَحْرُسُ.
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه أبو داود (2501) والنسائي في السنن الكبرى (8819) والبيهقي في الكبرى (3868) والبغوي في "شرح السنة" (736) والطبراني في المعجم الأوسط (407) والحاكم في المستدرك (865) وصححه الذهبي.
[تراجم الإسناد]
(1) أَبُو تَوْبَةَ الحَلَبِيُّ الرَّبِيْعُ بنُ نَافِعٍ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: ثِقَةٌ، حُجَّةٌ، قَالَ النَّسَائِيُّ: لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ. وَقَالَ الفَسَوِيُّ: كَانَ لاَ بَأْسَ بِهِ.
(2) معاوية بن سلام، وثقه أحمد والنسائي، وكان من أئمة الدين.
(3) زَيْد بن سَلام بن أَبي سَلام، أخو معاوية بْن سَلام، قال أَبُو زُرْعَة الدِّمَشْقِيّ ويعقوب بْن شَيْبَة والنَّسَائي والدارقطني: ثقة. زاد يَعْقُوب: صدوق.
(4) أبو سلام، ممطور الحبشي، ثم الدمشقي، الأسود الأعرج، من جلة العلماء بالشام. وثقه أحمد العجلي وغيره.
(5) أَبُو كَبْشَةَ السَّلُولِيُّ الدِّمَشْقِيُّ. قَالَ أَحْمَدُ الْعِجْلِيُّ: هُوَ شَامِيٌّ ثِقَةٌ. وذكره يعقوب بن سفيان في ثقات التابعين من أهل مصر "المعرفة والتاريخ" 2/ 522.
(6) سهل بن الحنظلية رضي الله عنه. وهو سهل بن عمرو بن عدي بن زيد بن جشم بن حارثة. وأمه من بني تميم ثم من بني حنظلة فنسب إلى أمه فقيل ابن الحنظلية. شهد احدًا والخندق والمشاهد مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم تحول إلى الشام فنزل دمشق حتى مات بها.
[شرح الحديث]
هذا الحديث مختصر من حديث طويل سيأتي برقم (2501) وفيه: " ثُوِّبَ بِالصَّلاَةِ - يَعْنِى صَلاَةَ الصُّبْحِ -" والتثويب هو الإقامة لصلاة الجماعة، "فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يُصَلِّى وَهُوَ يَلْتَفِتُ إِلَى الشِّعْبِ" والشِّعْب هو الممر بين الجبلين أو الهضبتين. والحديث في غزوة حنين. وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أرسل فارساً يدعى أنس بن أبي مرثد الغنوي طليعةً (عيناً للحراسة) ليلاً ليتفحص أمر العدو من جهة الشِّعب.
ومناسبة الحديث لترجمة الباب أنه يجوز رفع البصر والالتفات في الصلاة لحاجة أو ضرورة، وما عدا ذلك فمحرم أو مكروه كراهة شديدة، وقد تقدم الكلام على ذلك.
وفي الحديث: جواز الالتفات في الصلاة لضرورة أو لحاجة أو مصلحة عامة.
وفيه: بيان حرص النبي صلى الله عليه وسلم على سلامة من معه فكان يلتفت وهو يصلي ترقباً لظهور الفارس واطمئناناً على سلامته.
وفيه: رعايته للجيش، وكيف يجمع القائد بين العبادة ومتابعة شؤون الجيش وتأمين المسلمين.
والله الموفق
الدر المعقود بشرح سنن أبي داود
أبو عاصم البركاتي الأثري المصري