الدر المعقود بشرح سنن أبي داود
الأحاديث (930)( 931)
173 - باب تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ فِي الصَّلاَةِ.
930 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ (1) حَدَّثَنَا يَحْيَى (2)
ح وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ (3) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (4) - الْمَعْنَى - عَنْ حَجَّاجٍ الصَّوَّافِ (5) حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ أَبِى كَثِيرٍ (6) عَنْ هِلاَلِ بْنِ أَبِى مَيْمُونَةَ (7) عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ (8) عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِىِّ قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَعَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ فَرَمَانِى الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهُ مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَىَّ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ فَعَرَفْتُ أَنَّهُمْ يُصَمِّتُونِى - فَقَالَ عُثْمَانُ - فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُسَكِّتُونِى لَكِنِّى سَكَتُّ، قَالَ فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- - بِأَبِى وَأُمِّى - مَا ضَرَبَنِى وَلاَ كَهَرَنِى وَلاَ سَبَّنِى ثُمَّ قَالَ «إِنَّ هَذِهِ الصَّلاَةَ لاَ يَحِلُّ فِيهَا شَىْءٌ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ هَذَا إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ». أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا قَوْمٌ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ وَقَدْ جَاءَنَا اللَّهُ بِالإِسْلاَمِ وَمِنَّا رِجَالٌ يَأْتُونَ الْكُهَّانَ. قَالَ «فَلاَ تَأْتِهِمْ». قَالَ قُلْتُ وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ. قَالَ: «ذَاكَ شَىْءٌ يَجِدُونَهُ فِى صُدُورِهِمْ فَلاَ يَصُدُّهُمْ».
قُلْتُ وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ. قَالَ: «كَانَ نَبِىٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ».
قَالَ قُلْتُ: جَارِيَةٌ لِى كَانَتْ تَرْعَى غُنَيْمَاتٍ قِبَلَ أُحُدٍ وَالْجَوَّانِيَّةِ إِذِ اطَّلَعْتُ عَلَيْهَا إِطْلاَعَةً فَإِذَا الذِّئْبُ قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْهَا وَأَنَا مِنْ بَنِى آدَمَ آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ لَكِنِّى صَكَكْتُهَا صَكَّةً فَعَظَّمَ ذَاكَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقُلْتُ أَفَلاَ أُعْتِقُهَا قَالَ «ائْتِنِى بِهَا». قَالَ فَجِئْتُهُ بِهَا فَقَالَ «أَيْنَ اللَّهُ». قَالَتْ فِى السَّمَاءِ. قَالَ «مَنْ أَنَا». قَالَتْ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ».
- ---------------------------------•
صحيح
تخريج الحديث:
أخرجه مسلم (537) والنسائي في الكبرى (8535) وأحمد (23762) (23767) وأبو داود الطيالسي (1201) وابن أبي شيبة في المصنف (30342).
[تراجم رجال الإسناد]
(1) مسدد بن مسرهد البصري، ثقة حافظ.
(2) يحيى القطان.
(3) عُثْمَان بْن مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن عُثْمَان أَبُو الحسن العبسي الكوفي، المعروف بابن أَبِي شيبة.
(4) ابْنُ عُلَيَّةَ إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم، وَكَانَ فَقِيْهاً، إِمَاماً، مُفْتِياً، مِنْ أَئِمَّةِ الحَدِيْثِ، وَكَانَ يَقُوْلُ: مَنْ قَالَ: ابْنُ عُلَيَّةَ، فَقَدِ اغْتَابَنِي. قَالَ يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ: كَانَ ابْنُ عُلَيَّةَ ثِقَةً، تَقِيّاً، وَرِعاً.
(5) حجاج بن أبي عثمان الصواف. بصري ثقة مشهور.
(6) يَحْيَى بنُ أَبِي كَثِيْرٍ أَبُو نَصْرٍ الطَّائِيُّ ثقة ثبت إلا أنه كان يدلس؛ قال أبو طالب: سألت أحمد بن حنبل، عن عبد الله بن يحيى بن أبي كثير. فقال: ثقة. لا بأس به. وَقَالَ العُقَيْلِيُّ: كَانَ يُذْكَرُ بِالتَّدلِيسِ ..
(7) هِلاَلُ بنُ أَبِي مَيْمُوْنَةَ العَامِرِيُّ، المَدَنِيُّ، مَوْلَى آلِ عَامِرِ بنِ لُؤَيٍّ، ثِقَةٌ، مَشْهُوْرٌ، قَالَ النَّسَائِيُّ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: شَيْخٌ، يُكْتَبُ حَدِيْثُهُ.
(8) عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ مولى ميمونة بنت الحارث الهلالية زَوْجِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وعن يحيى بن معين أنه قال عطاء بن يسار ثقة وسئل أبو زرعة عن عطاء بن يسار فقال مديني ثقة.
[معانى بعض الكلمات]
يأسف: يغضب.
يخط: يَخُطُّ على الأرض خطوطا، لمعرفة بعض الأمور.
صكك: ضرب.
كهر: نهر ووبخ.
[شرح الحديث]
قوله "عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ فَرَمَانِى الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهُ مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَىَّ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ فَعَرَفْتُ أَنَّهُمْ يُصَمِّتُونِى ".
في الحديث دلالة على نسخ جواز الكلام أثناء الصلاة، ووجوب الصمت والاستماع لقراءة الإمام، وجواز تسكيت المتحدث بالضرب على الفخذ، وأن الكلام العمد يبطل الصلاة، لقوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلاَةَ لاَ يَحِلُّ فِيهَا شَىْءٌ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ هَذَا إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ».
أخرج البخاري ومسلم عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ: إِنْ كُنَّا لَنَتَكَلَّمُ فِي الصَّلاَةِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكَلِّمُ أَحَدُنَا صَاحِبَهُ بِحَاجَتِهِ، حَتَّى نَزَلَتْ: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ، وَالصَّلاَةِ الوُسْطَى، وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] «فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ»
وقوله " فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- - بِأَبِى وَأُمِّى - مَا ضَرَبَنِى وَلاَ كَهَرَنِى وَلاَ سَبَّنِى ثُمَّ قَالَ «إِنَّ هَذِهِ الصَّلاَةَ لاَ يَحِلُّ فِيهَا شَىْءٌ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ هَذَا إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» ". وفيه حسن تعليم النبي صلى الله عليه وسلم لمن جهل حكما من أحكام الدين.
وفي الحديث بيان لفضل الرفق في النصح والتعليم.
وفي الحديث النهي عن اتيان الكهان وهو حرام، وذلك في قوله "وَمِنَّا رِجَالٌ يَأْتُونَ الْكُهَّانَ. قَالَ «فَلاَ تَأْتِهِمْ» " والكاهن هو من يدعي العلم بالغيب، أخرج الترمذي والنسائي وأبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ أَتَى امْرَأَةً حَائِضًا، أَوِ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا، أَوْ كَاهِنًا فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ».
وفي الحديث النهي عن التطير وهو التشاؤم، وأنه لا ينبغي أن يصد المسلم عن شيء وذلك في قوله " وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ. قَالَ: «ذَاكَ شَىْءٌ يَجِدُونَهُ فِى صُدُورِهِمْ فَلاَ يَصُدُّهُمْ» ".
وقوله " وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ. قَالَ: «كَانَ نَبِىٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ» ".
فيه بيان لمعنى خط أحد الأنبياء عليه السلام، قال الخطابي رحمه الله: " يحتمل أن يكون معناه الزجر عنه؛ إذ كان من بعده لا يوافق خطه، ولا ينال حظه من الصواب؛ لأن ذلك إنما كان آية لذلك النبي، فليس لمن بعده أن يتعاطاه طمعاً في نيله. " معالم السنن " (2/ 374).
وقال النووي رحمه الله تعالى: " اختلف العلماء في معناه، والصحيح أن معناه: من وافق خطه فهو مباح له، ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة؛ فلا يباح.
وفي الحديث بيان للحث على التكفير عن الذنب بالعمل الصالح، وذلك لما هم بعتق الجارية بعدما صكها وضربها، وذلك في قوله " صَكَكْتُهَا صَكَّةً فَعَظَّمَ ذَاكَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقُلْتُ أَفَلاَ أُعْتِقُهَا".
وقوله صلى الله عليه وسلم للجارية «أَيْنَ اللَّهُ». فيه جواز السؤال عن الله تعالى بأين.
وفي الحديث دلالة قطعية على ثبوت علو الله تعالى بذاته على العرش فوق سماواته، وأنه تعالى بائن من خلقه، وصِفةٌ العلو لله ذاتيَّةٌ ثابتةٌ لله عزَّ وجلَّ بالكِتابِ والسُّنَّةِ، ومِن أسمائِه تعالى: (العَلِيُّ) و(الأَعْلى) و(المُتعال).
والعُلُوُّ ثلاثةُ أنواع:
1 - عُلُوُّ شأنٍ ومكانة وقدر. صِفةَ: (العَظَمَة) و (الجَلَال).
2 - عُلُوُّ قَهْرٍ. قال تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18].
3 - عُلُوُّ فَوْقِيَّةٍ (عُلُوُّ ذاتٍ) و (علو مكان) بغير تشبيه. قال تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5].
وأهلُ السُّنَّة والجماعةِ يَعتقدونَ أنَّ اللهَ فوقَ جميعِ مخلوقاتِه، مُستوٍ على عَرشِه، في سَمائِه، عالٍ على خَلْقِه، بائنٌ منهم، يَعلمُ أَعمالَهم، ويَسمعُ أقوالَهم، ويَرى حَركاتِهم وسَكناتِهم، لا تَخفَى عليه خافيةٌ.
قال تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]. وعن أبي العاليةِ في قَولِه: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} [البقرة: 29]: (يَقولُ: ارتَفَع). [يُنظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/ 75)].
وقول الجارية: " في السماء " أي فوق السماوات، قال السَّمعانيُّ: (أهلُ السُّنَّةِ يَقولُون: إنَّ الاستواءَ على العَرْشِ صِفةٌ لله تعالى بلا كَيفٍ، والإيمانُ به واجِبٌ، كذلك يُحكى عن مالِكِ بنِ أنَسٍ وغَيرِه مِنَ السَّلَفِ أنَّهم قالوا في هذه الآيةِ: الإيمانُ به واجِبٌ، والسُّؤالُ عنه بِدعةٌ) [يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (2/ 188) باختصارٍ يسيرٍ].
وأوَّلت المُعتَزِلةُ الاستواءَ بالاستيلاءِ، فأمَّا أهلُ السُّنَّةِ يَقولُون: الاستواءُ على العَرْشِ صِفةٌ لله تعالى بلا كَيفٍ، يجِبُ على الرَّجُلِ الإيمانُ به، ويَكِلُ العِلمَ فيه إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ. وسأل رجُلٌ مالِكَ بنَ أنَسٍ عن قَولِه: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] كيف استوى؟ فأطرَقَ رأسَه مَلِيًّا وعَلاه الرُّحَضاءُ ثمَّ قال: الاستواءُ غيرُ مجهولٍ، والكيفُ غيرُ معقولٍ، والإيمانُ به واجِبٌ، والسُّؤالُ عنه بِدعةٌ، وما أظنُّك إلَّا ضالًّا، ثمَّ أمَرَ به فأُخرِجَ.
ومن ادلة اثبات صفة العلو الحقيقي لله تعالى قَوله عزَّ وجَلَّ: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ} [الملك: 16]، وقَوله عزَّ وجَلَّ: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10]، وقَوله: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج: 4]، ومِثلُ هذا كثيرٌ في القُرآنِ، وحديثُ أخرجه البخاري (4351)، ومسلم (1064) عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رَضِيَ اللهُ عنه مرفوعًا: ((أَلَا تَأْمُنونِي وَأَنا أَمينُ مَن في السَّماءِ؟!))
وحديثُ أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه مرفوعًا: ((يَنْزِلُ ربُّنا تباركَ وتعالى كُلَّ ليلةٍ إلى السَّماءِ الدُّنيا، حينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيلِ الآخرِ، يَقولُ: من يَدعوني فأَستجيبَ له؟ من يَسْأَلُنِي فأُعْطِيَه؟ من يَستغفِرُني فأَغْفِرَ لهُ؟)) [أخرجه البخاري (1145).]
ورُوِيَ عن سُفيانَ الثَّوريِّ، والأوزاعيِّ، واللَّيثِ بنِ سَعدٍ، وسُفيانَ بنِ عُيَينةَ، وعبدِ اللهِ بنِ المبارَكِ، وغَيرهِم من عُلَماءِ السُّنَّةِ، في هذه الآياتِ التي جاءت في الصِّفاتِ المتشابِهاتِ: أَمِرُّوها كما جاءت بلا كَيفٍ.
وقال عثمان بن سعيد الدارمي: ففي حديث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا دليل على أن الرجل إذا لم يعلم أن الله عز وجل في السماء دون الأرض فليس بمؤمن، ولو كان عبدا فأعتق لم يجز في رقبة مؤمنة، إذ لا يعلم أن الله في السماء، ألا ترى أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جعل أمارة إيمانها معرفتها أن الله في السماء، وفي قول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أين الله؟ " تكذيب لقول من يقول: هو في كل مكان، لا يوصف بأين، لأن شيئا لا يخلو منه مكان يستحيل أن يقال: أين هو؟ ولا يقال أين؟ إلا لمن هو في مكان، يخلو منه مكان، ولو كان الأمر كما يدعي هؤلاء الزائفة لأنكر عليها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قولها وعلمها، ولكنها علمت به فصدقها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وشهد لها بالإيمان بذلك، ولو كان في الأرض كما هو في السماء لم يتم إيمانها حتى تعرفه في الأرض كما عرفته في السماء. فالله تبارك وتعالى فوق عرشه فوق سماواته، بائن من خلقه، فمن لم يعرفه بذلك لم يعرف إلهه الذي يعبد، وعلمه من فوق العرش بأقصى خلقه وأدناهم واحد لا يبعد عنه شيء. انتهى [الرد على الجهمية ص 17 - 18].
وفي الحديث: عدم جواز تشميت العاطس في الصلاة.
وفيه: اثبات علو المكان لله تعالى بغير تشبيه (تعالى الله عن الشبيه والمثال).
وفيه: إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لقول الجارية، وشهادته لها بالإيمان.
وفيه: رفق النبي صلى الله عليه وسلم في تعليم الجاهل.
********************************
931 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ النَّسَائِىُّ (1) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو (2) حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ (3) عَنْ هِلاَلِ بْنِ عَلِىٍّ (4) عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِىِّ قَالَ لَمَّا قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عُلِّمْتُ أُمُورًا مِنْ أُمُورِ الإِسْلاَمِ فَكَانَ فِيمَا عُلِّمْتُ أَنْ قَالَ لِى «إِذَا عَطَسْتَ فَاحْمَدِ اللَّهَ وَإِذَا عَطَسَ الْعَاطِسُ فَحَمِدَ اللَّهَ فَقُلْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ». قَالَ فَبَيْنَمَا أَنَا قَائِمٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِى الصَّلاَةِ إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ فَحَمِدَ اللَّهَ فَقُلْتُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ رَافِعًا بِهَا صَوْتِى فَرَمَانِى النَّاسُ بِأَبْصَارِهِمْ حَتَّى احْتَمَلَنِى ذَلِكَ فَقُلْتُ مَا لَكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَىَّ بِأَعْيُنٍ شُزْرٍ، قَالَ فَسَبَّحُوا فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- الصَّلاَةَ قَالَ «مَنِ الْمُتَكَلِّمُ». قِيلَ هَذَا الأَعْرَابِىُّ فَدَعَانِى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ لِى «إِنَّمَا الصَّلاَةُ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَذِكْرِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ فَإِذَا كُنْتَ فِيهَا فَلْيَكُنْ ذَلِكَ شَأْنَكَ». فَمَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَطُّ أَرْفَقَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-.
- ---------------------------------•
إسناده ضعيف: لأجل محمد بن يونس، وكذا فليح بن سليمان فهو ضعيف.
والحديث أخرجه البخاري في القراءة خلف الإمام (38) والبيهقي في الكبرى (3350).
[تراجم الإسناد]
(1) مُحَمَّد بن يونس النَّسَائي، وثقه أبو داود، وقال الذهبي: لا يكاد يعرف.
(2) أبو عامر، عبد الملك بن عمرو القيسي العقدي، البصري. ذكره النسائي، فقال: ثقة مأمون.
(3) فليح بن سليمان. قال: يحيى بن معين. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي. وقال زكريا الساجي: يهم، وإن كان من أهل الصدق. وقال النسائي. فليح ضعيف، وقال مرة: ليس بالقوي.
وقال ابن عدي: هذا عندي لا بأس به، قد اعتمده البخاري في " صحاحه " وله أحاديث صالحة. وقال الدارقطني: يختلفون في فليح، ولا بأس به.
(4) هلال بن علي هو هلال بن أبي ميمونة العامري المدني مولى آل عامر بن لؤي ثقة مشهور. قال النسائي: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: شيخ يكتب حديثه.
[معانى بعض الكلمات]:
الشزر: النظر بمؤخر العين، أو نظر الغضب.
[شرح الحديث]
قوله "عُلِّمْتُ أُمُورًا مِنْ أُمُورِ الإِسْلاَمِ فَكَانَ فِيمَا عُلِّمْتُ أَنْ قَالَ لِى «إِذَا عَطَسْتَ فَاحْمَدِ اللَّهَ وَإِذَا عَطَسَ الْعَاطِسُ فَحَمِدَ اللَّهَ فَقُلْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ» " وهذا في خارج الصلاة فتشميت العاطس بقول "يرحمك الله " مستحب.
وكانوا أول الأمر يتكلمون في الصلاة خلف الإمام، حتى نسخ ذلك، بالنهي عنه، وكان معاوية يجهل نسخ جواز الكلام بالنهي والتحريم. قال فرماني القوم بأبصارهم ليزجروه عن الكلام، فقال: " مَا لَكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَىَّ بِأَعْيُنٍ شُزْرٍ " وهو النظر بمؤخر العين أو النظر بغضب، ثم قَالَ فَسَبَّحُوا، والمصلي إذا نابه شيء في الصلاة سبح، وإذا أراد تنيه الإمام سبح كذلك.
فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الصَّلاَةُ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَذِكْرِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ فَإِذَا كُنْتَ فِيهَا فَلْيَكُنْ ذَلِكَ شَأْنَكَ» فنهاه عن كلام الناس. فهو مبطل للصلاة.
ثم قال: فَمَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَطُّ أَرْفَقَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-. والله يقول: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159] وفي الحديث يقول صلى الله عليه وسلم (إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله). متفق عليه. وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه).
والله الموفق
الدر المعقود بشرح سنن أبي داود
أبو عاصم البركاتي الأثري المصري