الدر المعقود بشرح سنن أبي داود
الأحاديث (939)(940)(941)(942)
175 - باب التَّصْفِيقِ فِى الصَّلاَةِ.
939 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ (1) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ (2) عَنِ الزُّهْرِىِّ (3) عَنْ أَبِى سَلَمَةَ (4) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ».
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه البخاري (1203) ومسلم (422) والترمذي (369) والنسائي (1207) (1208) (1209) (1210) وابن ماجه (1034) والحميدي في المسند (978) وأحمد (7285) (7550) (10114) (10591) (10851) والدارمي (1403) وابن الجارود في المنتقى (210).
[تراجم الإسناد]
(1) قُتَيْبَةُ أَبُو رَجَاءَ بنُ سَعِيْدِ، وَقَالَ يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ، ثِقَةٌ. وَكَذَا قَالَ النَّسَائِيُّ، وَزَادَ: صَدُوْقٌ.
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: ثِقَةٌ. وَقَالَ ابْنُ خِرَاشٍ: صَدُوْقٌ.
(2) سفيان بن عيينة.
(3) محمد بن مسلم بن شهاب الزهري.
(4) أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف.
[شرح الحديث]
أجمع العلماء أن سُنَّة الرجال إذا نابهم شيء في الصلاة التسبيح، واختلفوا في حكم النساء، فذهبت طائفة إلى أن إذن المرأة في الصلاة التصفيق، وإذن الرجل التسبيح على ظاهر الحديث، وروى عن النخعي، وهو قول الأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبى ثور. وقالت طائفة: التسبيح للرجال والنساء جميعًا، هذا قول مالك، ... واختلف قول مالك في ذلك، فقال: تسبح النساء ولا يصفقن، لأن الحديث جاء "من نابه شيء في صلاته فليسبح".
واحتج أهل المقالة الأولى أن التسبيح إنما كره للنساء، لأن صوت المرأة فتنة، ولهذا منعت من الأذان، والإقامة، والجهر بالقراءة في الصلاة، واحتجوا بما رواه بحديث سهل بن سعد أن النبي، (صلى الله عليه وسلم)، قال: "من نابه شيء في صلاته فليسبح الرجال، ولتصفح النساء" [متفق عليه]. قالوا: وهذا نص لا تأويل لأحد معه.
[راجع/ شرح ابن بطال على صحيح البخاري (3/ 193)]
وفي الحديث: أن الرجال يسبحون الله إذا أرادوا التنبيه على شيء، أما النساء فيصفقن. وهذا في الصلاة.
وفيه: تَنبيه الإمامِ إذا سَهَا بالتسبيح من الرجال والتصفيق من النساء.
*********************
940 - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ (1) عَنْ مَالِكٍ (2) عَنْ أَبِى حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ (3) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ذَهَبَ إِلَى بَنِى عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ وَحَانَتِ الصَّلاَةُ فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ إِلَى أَبِى بَكْرٍ - رضى الله عنه - فَقَالَ أَتُصَلِّى بِالنَّاسِ فَأُقِيمَ قَالَ نَعَمْ. فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَالنَّاسُ فِى الصَّلاَةِ فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِى الصَّفِّ فَصَفَّقَ النَّاسُ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لاَ يَلْتَفِتُ فِى الصَّلاَةِ فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ الْتَفَتَ فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ اسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى اسْتَوَى فِى الصَّفِّ وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَصَلَّى فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ «يَا أَبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ إِذْ أَمَرْتُكَ». قَالَ أَبُو بَكْرٍ مَا كَانَ لاِبْنِ أَبِى قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّىَ بَيْنَ يَدَىْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَا لِى رَأَيْتُكُمْ أَكْثَرْتُمْ مِنَ التَّصْفِيحِ مَنْ نَابَهُ شَىْءٌ فِى صَلاَتِهِ فَلْيُسَبِّحْ فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ الْتُفِتَ إِلَيْهِ وَإِنَّمَا التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَهَذَا فِى الْفَرِيضَةِ.
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه مالك (1/ 163) والبخاري (684) (1204) (1218) (1234) (2690) ومسلم (421) و ابن ماجه (1035) والنسائي (784)، (5413) وأحمد (22801).
[تراجم الإسناد]
(1) عبد الله بن مسلمة القعنبى.
(2) الإمام مالك بن أنس الأصبحي، إمام المدينة النبوية.
(3) أبو حازم الأعرج سَلَمَةُ بنُ دِيْنَارٍ المَدِيْنِيُّ المَخْزُوْمِيُّ؛ وَثَّقَهُ: ابْنُ مَعِيْنٍ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو حَاتِمٍ وابن خزيمة.
[شرح الحديث]
في الحديث عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ذَهَبَ إِلَى بَنِى عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ، وَحَانَتِ الصَّلاَةُ فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ (وهو بلال) إِلَى أَبِى بَكْرٍ - رضى الله عنه - فَقَالَ أَتُصَلِّى بِالنَّاسِ فَأُقِيمَ قَالَ نَعَمْ " يعني تأخر النبي صلى الله عليه وسلم حتى حان وقت الإمامة فأم المؤذن وتقدم أبو بكر رضي الله عنه يصلي بالناس. وفي ذلك بيان علو قدر أبي بكر في قلوب الصحابة.
قال "فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَالنَّاسُ فِى الصَّلاَةِ فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِى الصَّفِّ فَصَفَّقَ النَّاسُ" أي تقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفوف حتى وقف في الصف خلف أبي بكر.
قال " فَصَفَّقَ النَّاسُ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لاَ يَلْتَفِتُ فِى الصَّلاَةِ فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ الْتَفَتَ فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ" يعني أكثر الناس التصفيق لتنبيه أبا بكر لوجود رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأشار إليه أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ" يعني امكث مكانك إماما.
"فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ اسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى اسْتَوَى فِى الصَّفِّ وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم، فَصَلَّى فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ «يَا أَبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ إِذْ أَمَرْتُكَ». قَالَ أَبُو بَكْرٍ مَا كَانَ لاِبْنِ أَبِى قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّىَ بَيْنَ يَدَىْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-" وهذا من محبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم قال صلى الله عليه وسلم " مَا لِى رَأَيْتُكُمْ أَكْثَرْتُمْ مِنَ التَّصْفِيحِ مَنْ نَابَهُ شَىْءٌ فِى صَلاَتِهِ فَلْيُسَبِّحْ فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ الْتُفِتَ إِلَيْهِ وَإِنَّمَا التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ" فبين أن ما نابه شيء في الصلاة ليسبح بقول سُبحانَ اللهِ، أما التصفيق (التصفيح) فللنساء.
ومعنى نابه أي من أصابه أو عرض له شيء في الصلاة.
وسمي التصفيق تصفيحا لضرب صفحة اليد بالأخرى.
وفي الحديث: فضل الْإِصْلَاح بَين النَّاس وحسم مَادَّة الْفِتْنَة بَينهم وجمعهم على كلمة وَاحِدَة.
وفِيهِ: توجه الإِمَام بِنَفسِهِ إِلَى بعض رَعيته للإصلاح، وَتَقْدِيم ذَلِك على مصلحَة الْإِمَامَة بِنَفسِهِ.
وفيه: بيان فضل أبي بكر رضي الله عنه ومكانته بين الصحابة، ورجحانه عليهم، ولذا كان أولاهم بالإمامة.
وفيه: جواز تقدم الصفوف والمشي بينها للحاجة أو المصلحة.
وفيه: جواز الالتفات في الصلاة للحاجة.
وفيه: جواز إمامة المفضول للفاضل.
وفيه: جواز حمد الله في الصلاة. وكذلك جواز التسبيح.
وفيه: جواز التصفيق للنساء للحاجة أما بغير حاجة فيبطل الصلاة، قال النووي: "ولا تضرب بطن كف على بطن كف على وجه اللعب واللهو، فإن فعلت هكذا علي وجه اللعب بطلت صلاتها لمنافاته الصلاة"؛ [شرح مسلم (4/ 466)].
وفيه: حرص الصحابة على الصلاة في أول الوقت.
وفيه: جواز استنابة الإمام لآخر إذا عرض له عارض يمنعه من مواصلة الصلاة.
**********************
941 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ (1) أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ (2) عَنْ أَبِى حَازِمٍ (3) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ كَانَ قِتَالٌ بَيْنَ بَنِى عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- فَأَتَاهُمْ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ بَعْدَ الظُّهْرِ فَقَالَ لِبِلاَلٍ «إِنْ حَضَرَتْ صَلاَةُ الْعَصْرِ وَلَمْ آتِكَ فَمُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ». فَلَمَّا حَضَرَتِ الْعَصْرُ أَذَّنَ بِلاَلٌ ثُمَّ أَقَامَ ثُمَّ أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ فَتَقَدَّمَ قَالَ فِى آخِرِهِ «إِذَا نَابَكُمْ شَىْءٌ فِى الصَّلاَةِ فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ وَلْيُصَفِّحِ النِّسَاءُ».
- ---------------------------------•
إسنادة صحيح:
[تراجم الإسناد]
(1) عَمْرُو بنُ عَوْنِ بنِ أَوْسِ بنِ الجَعْدِ السُّلَمِيُّ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: ثِقَةٌ، حُجَّةٌ، كَانَ يَحْفَظُ حَدِيْثَه.
وَقَالَ أَحْمَدُ بنُ عَبْدِ اللهِ العِجْلِيُّ: ثِقَةٌ، رَجُلٌ صَالِحٌ.
(2) حماد بن زيد بن درهم، العلامة، الحافظ الثبت، محدث الوقت أبو إسماعيل الأزدي
(3) أبو حازم الأعرج سَلَمَةُ بنُ دِيْنَارٍ المَدِيْنِيُّ المَخْزُوْمِيُّ؛ وَثَّقَهُ: ابْنُ مَعِيْنٍ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو حَاتِمٍ وابن خزيمة.
******************
942 - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ (1) حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ (2) عَنْ عِيسَى بْنِ أَيُّوبَ (3) قَالَ قَوْلُهُ «التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ». تَضْرِبُ بِأُصْبُعَيْنِ مِنْ يَمِينِهَا عَلَى كَفِّهَا الْيُسْرَى.
- ---------------------------------•
رجاله ثقات: وهو مقطوع.
[تراجم الإسناد]
(1) محمود بن خالد بن أَبي خالد، واسمه يزيد السلمي، أَبُو علي الدمشقي. قال أَبُو حاتم: كَانَ ثقة رضى. وَقَال النَّسَائي: ثقة. وذكره ابنُ حِبَّان في كتاب "الثقات".
(2) الوليد بن مسلم، ثقة يدلس التسوية.
(3) عيسى بن أيوب القيني الأزدي، أَبُو هاشم الدمشقي. قال فيه أبو حاتم: شيخ.
[شرح الحديث]
قول عيسى بن أيوب: "التصفيح للنساء، تَضْرِبُ بِأُصْبُعَيْنِ مِنْ يَمِينِهَا عَلَى كَفِّهَا الْيُسْرَى". وهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّصْفِيحَ غَيْرُ التَّصْفِيقِ لِأَنَّ التَّصْفِيقَ الضَّرْبُ بِبَاطِنِ الرَّاحَةِ عَلَى الْأُخْرَى [عون المعبود (3/ 154)].
وقيل التصفيق يظهر منه صوت عال، والتصفيح بصوت خفيف يكون للتنبيه.
ورد بأن التصفيح هو التصفيق بمعنى واحد.
والله الموفق
الدر المعقود بشرح سنن أبي داود
أبو عاصم البركاتي الأثري المصري