شرح سنن أبي داود السجستاني ، الحديث رقم (12)
5 - باب الرُّخْصَةِ فِى ذَلِكَ.
12 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ (1) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ (2) عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ (3) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: لَقَدِ ارْتَقَيْتُ عَلَى ظَهْرِ الْبَيْتِ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ
•---------------------------------•
قوله : "الرخصة" والرخصة مقابل العزيمة، وهي لغة: السهولة.
العزيمة لغة: القصد المؤكد، وشرعا: «الحكم الثابت بدليل شرعي خال عن معارض راجح»
و الرخصة شرعا: «ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح»
وقيل: ما شُرع تخفيفًا لحكم مع اعتبار دليله .
[ تخريج الحديث]
أخرجه البخاري (145) ومسلم (266) والنسائي في الصغرى (23) وفي الكبرى (22) وابن ماجه (322).
تراجم رجال الاسناد:
(1) يَحْيَى بنُ سَعِيْدِ بنِ قَيْسِ بنِ عَمْرٍو الأَنْصَارِيُّ؛ سَمِعْتُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ يَقُوْلُ: يَحْيَى بنُ سَعِيْدٍ الأَنْصَارِيُّ أَثْبَتُ النَّاسِ.
(2) مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ بْنِ مُنْقِذٍ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ النَّجَّارِيُّ الْمَازِنِيُّ الْمَدَنِيُّ الْفَقِيهُ؛ قال الذهبي: مجمع على ثقته.
(3) واسع بن حبان بن منقذ بن عمرو بن مالك الأنصارى المازنى المدنى؛ مختلف في صحبته؛ وأبوه حبان هو ابن منقذ بن عمر له ولأبيه صحبة وقال العجلي في واسع بن حبان: مدنيٌّ تابعيٌّ ثقةٌ.
معاني الكلمات:
ارتقيت: صعدت
ظهر البيت: أعلى سقفه
لبنتين: مثنى لبنة وهي الحجر المتخذ للبناء عليه من الطين.
لحاجته: يعني لقضاء حاجته.
شرح الحديث:
رأى ابن عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مستقبل بوجهه بيت المقدس وهو أولى القبلتين، وفي المدينة استقبال بيت المقدس يعني استدبار الكعبة؛ ففهم ابن عمر رضي الله عنه الترخيص في ذلك من النهي؛ وأن هذا جائز في البنيان أو مع وجود حائل وساتر؛ وأن النهي في الصحراء أو الفضاء.
وفيه بيان حجية أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم.
الجمع بين أحاديث النهي وأحاديث الإباحة:
ورد في الأم (1/ 176):
(قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَفِي هَذَا الْمَعْنَى «أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَى أَنْ تُسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةُ، أَوْ بَيْتُ الْمَقْدِسِ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ» قَالَ أَبُو أَيُّوبَ فَقَدِمْنَا الشَّامَ فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ صُنِعَتْ فَنَنْحَرِفُ وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَعَجِبَ ابْنُ عُمَرَ مِمَّنْ يَقُولُ لَا تُسْتَقْبَلُ الْقِبْلَةُ وَلَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ وَقَالَ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ».
(قَالَ الشَّافِعِيُّ): عَلِمَ أَبُو أَيُّوبَ النَّهْيَ فَرَآهُ مُطْلَقًا، وَعَلِمَ ابْنُ عُمَرَ اسْتِقْبَالَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحَاجَتِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ النَّهْيَ وَمَنْ عَلِمَهُمَا مَعًا قَالَ النَّهْيُ عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ فِي الصَّحْرَاءِ الَّتِي لَا ضَرُورَةَ عَلَى ذَاهِبٍ فِيهَا وَلَا سِتْرَ فِيهَا لِذَاهِبٍ؛ لِأَنَّ الصَّحْرَاءَ سَاحَةٌ يَسْتَقْبِلُهُ الْمُصَلِّي، أَوْ يَسْتَدْبِرُهُ فَتُرَى عَوْرَتُهُ إنْ كَانَ مُقْبِلًا، أَوْ مُدْبِرًا وَقَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ فِي الْبُيُوتِ لِضِيقِهَا وَحَاجَةِ الْإِنْسَانِ إلَى الْمِرْفَقِ فِيهَا وَسِتْرِهَا وَإِنَّ أَحَدًا لَا يَرَى مَنْ كَانَ فِيهَا إلَّا أَنْ يَدْخُلَ، أَوْ يُشْرِفَ عَلَيْهِ.
وقال في الشافعي في "الرسالة" (ص 292): قال "الشافعي": أدَّبَ رَسولُ الله مَن كان بيْن ظَهْرَانَيْهِ، وهم عَرَب، لا مُغْتَسَلاَتِ لَهُمْ أو لأكثرهم في منازلهم، فاحتمل أدَبُه لهم معنيين:
- أحدهما: أنهم إنما كانوا يذهبون لحوايجهم في الصحراء، فأمرهم ألاَّ يستقبلوا القبلة ولا يستدبروها، لِسَعَة الصحراء، ولِخِفَّةِ المَؤُونَةِ عليهم، لسعة مذاهبهم عن أنْ تُسْتقبل القبلة أو تُستدبر لحاجة الإنسان مِن غايط أو بول، ولم يكن لهم مِرْفَقٌ في استقبال القبلة ولا استدبارِها أوْسَعَ عليهم مِنْ تَوَقِّى ذلك.
وكثيراً ما يكون الذاهبون في تلك الحال في غير سِتْر عن مصلِّي، يرى عوراتهم مُقبلين ومُدْبرين، إذا استقبل القبلة، فأُمِروا أن يُكْرموا قِبْلَةَ الله ويستروا العورات مِنْ مُصَلي، إنْ صلَّى حيث يراهم، وهذا المعنى أشبه معانيه، والله أعلم.
وقد يحتمل أن يكون نهاهم أن يستقبلوا ما جُعِلَ قِبْلةً في صحراء لغائط أو بول، لِئَلاَّ يُتَغَوَّطَ أو يُبالَ في القِبلة، فتكونَ قَذِرَةً بِذلك، أوْ مِن وَرَائِها، فيكونَ مِنْ ورائِها أذًى للمصلين إليها.
قال: فسمع "أبو أيوب" ما حَكَى عن النبي جُمْلَةً، فقال به على المذهب في الصحراء والمنازل، ولم يُفَرِّقْ في المذهب بين المنازل التي للناس مَرَافِقُ في أنْ يضعوها في بعض الحالات مُسْتَقْبِلَةَ القِبلة أو مستدبرتها، والتي يكون فيها الذاهبُ لحاجته مُسْتَتِرًا، فقال بالحديث جملةً، كما سمعه جملةً.
وكذلك ينبغي لمن سمع الحديث أن يقول به على عُمُومِه وجملته، حتى يجد دِلالة يُفَرِّق بها فيه بينه.
قال "الشافعي": لما حكى "ابن عمر" أنه رأى النبي مستقبلاً بيت المقدس لحاجته، وهو إحدى القبلتين، وإذا استقبله استدبر الكعبة: أنْكَرَ على مَنْ يقول لا يستقبِلِ القِبْلَةَ ولا تستدبِرْها لحاجة، ورَأَى أنْ لا ينبغيَ لأحد أن يَنْتَهِيَ عَن أمْرٍ فعله رسول الله.
ولم يسمع - فيما يُرَى - ما أمَرَ به رسولُ الله في الصحراء، فَيُفَرِّقَ بيْن الصحراء والمنازل، فيقولَ بالنهي في الصحراء وبِالرخصة في المنازل، فيكون قد قال بما سمع ورأى، وفرَّقَ بالدلالة عن رسول الله على ما فرق بينه، لافتراق حال الصحراء والمنازل.
وفي هذا بَيانُ أن كُلَّ مَن سَمِعَ مِن رسول الله شيئاً قَبِلَه عنه وقال به، وإن لم يُعرف حيثُ يَتَفَرَّقُ لمْ يتفرَّقْ بيْنَ ما لمْ يُعْرَفْ إلاَّ بِدِلالةٍ عن رسول الله على الفرق بَيْنَهُ.
ولهذا أشباهٌ في الحديث، اكتفينا بما ذَكَرْنَا مِنها مِمَّا لم نَذْكر.
[ شرحه أبو عاصم الشحات شعبان محمود البركاتي الأثري]