شرح سنن أبي داود السجستاني الأحاديث (140)(141)(142)(143)(144)
55 - باب فِى الاِسْتِنْثَارِ.
140 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ (1) عَنْ مَالِكٍ (2) عَنْ أَبِى الزِّنَادِ (3) عَنِ الأَعْرَجِ (4) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِى أَنْفِهِ مَاءً ثُمَّ لْيَنْثُرْ».
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه البخاري (162) ومسلم (278) والنسائي (86) وأحمد (7300) (7746) ومالك في "الموطأ" (2/ 34) وابن الجارود في" المنتقى" (39) وأبو يعلى في "المسند" (6255).
[تراجم الإسناد]
(1) عبد الله بن مسلمة القعنبى الحارثى، ثقة عابد، كان ابن معين و ابن المدينى لا يقدمان عليه فى الموطأ أحدا. قال أبو حاتم: ثقة حجة.
(2) الإمام مالك بن أنس هُوَ شَيْخُ الإِسْلاَمِ، حُجَّةُ الأُمَّةِ، إِمَامُ دَارِ الهِجْرَةِ.
(3) أَبُو الزِّنَادِ عَبْدُ اللهِ بنُ ذَكْوَانَ قال ابن معين وغيره: ثقة حجة. وقال أبو حاتم: ثقة فقيه حجة صاحب سنة.
(4) الأعرج عبد الرحمن بن هرمز، وثقه أبو زرعة والعجلي.
[شرح الحديث]
قوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إذا تَوضَّأَ أحدُكم، أي: إذا أراد الوُضوءَ وشَرَعَ فيه، فلْيَجعلِ الماءَ في أنفه بأنْ يَسْتَنْشِقَه حتَّى يُدخِلَه في أنْفِه، ثُمَّ يستنثر أي يَدْفَعْه بقُوَّةِ نَفَسِهِ ليُخرِجَه مِن أَنْفِهِ؛ حتَّى يُنَقِّيَ ما به مِن أذًى.
والأمر بالاستنثار في الوضوء للوجوب في مذاهب كثير من أهل العلم، كالحنابلة ومن وافقهم.
******************
141 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى (1) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (2) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ (3) عَنْ قَارِظٍ (4) عَنْ أَبِى غَطَفَانَ (5) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-:
«اسْتَنْثِرُوا مَرَّتَيْنِ بَالِغَتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا».
- ---------------------------------•
صحيح: أخرجه ابن ماجه (408) والنسائي في" الكبرى" (97)، وأحمد (2011) وابن الجارود في المنتقى (77) وأبو داود الطيالسي في المسند (2848) وابن أبي شيبة في المصنف (277) والطبراني (10784).
[تراجم الإسناد]
(1) إِبْرَاهِيْمُ بنُ مُوْسَى الفَرَّاءُ التَّمِيْمِيُّ الرَّازِىُّ؛ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: هُوَ مِنَ الثِّقَاتِ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ: ثِقَةٌ. قال الذهبي: مَاتَ فِي حُدُوْدِ سَنَةِ ثَلاَثِيْنَ.
(2) وكيع بن الجراح الإمام الحافظ، محدث العراق أبو سفيان الرؤاسي، الكوفي، أحد الأعلام، وثقه ابن معين
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: ثِقَةٌ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، ولينه بعضهم.
(3) ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ العَامِرِيُّ، قال يَحْيَى بن مَعِيْنٍ: ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ثِقَةٌ.
(4) قارِظ بن شَيبَة بْن قارِظ، حُلفاء بَنِي زُهرَة، القارِظِيُّ، المَدَنِيُّ. قال النسائى: ليس به بأس
(5) أَبُو غَطفان المُرّيّ الحجازيّ وثقه الذهبي وابن حجر.
[شرح الحديث]
قوله " اسْتَنْثِرُوا مَرَّتَيْنِ بَالِغَتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا" بالغتين أي قويتين يبلغ اقصى النفس أو قريب من ذلك، وفي الحديث بيان أهمية الاستنشاق في الوضوء، وحرص الشريعة على طهارة البدن.
**********************
142 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ (1) - فِى آخَرِينَ - قَالُوا حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ (2) عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ كَثِيرٍ (3) عَنْ عَاصِمِ بْنِ لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ (4) عَنْ أَبِيهِ لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ قَالَ كُنْتُ وَافِدَ بَنِى الْمُنْتَفِقِ - أَوْ فِى وَفْدِ بَنِى الْمُنْتَفِقِ - إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَلَمْ نُصَادِفْهُ فِى مَنْزِلِهِ وَصَادَفْنَا عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ فَأَمَرَتْ لَنَا بِخَزِيرَةٍ فَصُنِعَتْ لَنَا قَالَ وَأُتِينَا بِقِنَاعٍ - وَلَمْ يَقُلْ قُتَيْبَةُ الْقِنَاعَ وَالْقِنَاعُ الطَّبَقُ فِيهِ تَمْرٌ - ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: «هَلْ أَصَبْتُمْ شَيْئًا أَوْ أُمِرَ لَكُمْ بِشَىْءٍ». قَالَ قُلْنَا نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ فَبَيْنَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- جُلُوسٌ إِذْ دَفَعَ الرَّاعِى غَنَمَهُ إِلَى الْمُرَاحِ وَمَعَهُ سَخْلَةٌ تَيْعَرُ فَقَالَ «مَا وَلَّدْتَ يَا فُلاَنُ». قَالَ بَهْمَةً. قَالَ فَاذْبَحْ لَنَا مَكَانَهَا شَاةً. ثُمَّ قَالَ لاَ تَحْسِبَنَّ - وَلَمْ يَقُلْ لاَ تَحْسَبَنَّ - أَنَّا مِنْ أَجْلِكَ ذَبَحْنَاهَا لَنَا غَنَمٌ مِائَةٌ لاَ نُرِيدُ أَنْ تَزِيدَ فَإِذَا وَلَّدَ الرَّاعِى بَهْمَةً ذَبَحْنَا مَكَانَهَا شَاةً. قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِى امْرَأَةً وَإِنَّ فِى لِسَانِهَا شَيْئًا يَعْنِى الْبَذَاءَ. قَالَ «فَطَلِّقْهَا إِذًا». قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لَهَا صُحْبَةً وَلِى مِنْهَا وَلَدٌ. قَالَ «فَمُرْهَا - يَقُولُ عِظْهَا - فَإِنْ يَكُ فِيهَا خَيْرٌ فَسَتَفْعَلُ وَلاَ تَضْرِبْ ظَعِينَتَكَ كَضَرْبِكَ أُمَيَّتَكَ». فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِى عَنِ الْوُضُوءِ. قَالَ «أَسْبِغِ الْوُضُوءَ وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابِعِ وَبَالِغْ فِى الاِسْتِنْشَاقِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ صَائِمًا».
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه أبو داود (2366) والترمذي (38) (788) والنسائي في الكبرى (99) (116) وفي المجتبى (87) (114) وابن ماجه (407) (448) واحمد (16380) (16381) (16383) (16384) (17846) والدارمي (732) وبن الجارود في المنتقى (80).
[تراجم الإسناد]
(1) قُتَيْبَةُ أَبُو رَجَاءَ بنُ سَعِيْدِ بنِ جَمِيْلٍ الثَّقَفِيُّ؛ مَوْلِدُهُ: فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَمائَةٍ. وتوفي: 240 هـ
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الأَ ثْرَمُ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ ذَكَرَ قُتَيْبَةَ، فَأَثْنَى عَلَيْهِ. وَقَالَ يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ، مِنْ طَرِيْقِ أَحْمَدَ بنِ زُهَيْرٍ: قُتَيْبَةُ ثِقَةٌ.
وَكَذَا قَالَ النَّسَائِيُّ، وَزَادَ: صَدُوْقٌ. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: ثِقَةٌ. وَقَالَ ابْنُ خِرَاشٍ: صَدُوْقٌ.
(2) يحيى بن سليم الطائفي، صدوق سئ الحفظ، قال أبو حاتم: لا يحتج به. وَقَالَ النَّسَائِيُّ: لَيْسَ بِالقَوِيِّ. وَقَالَ يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ: ثِقَةٌ.
(3) إِسْمَاعِيل بن كثير الحجازي، أَبُو هاشم المكي، قال أحمد بن حنبل والنسائي: ثقة.
وَقَال مُحَمَّد بْن سعد: ثقة كثير الْحَدِيث. وَقَال أَبُو حاتم: صالح الحديث.
(4) عاصم بْن لَقِيط بْن صَبِرَة، العُقَيليّ، قال العجلي: مكي تابعي ثقة.
[معانى بعض الكلمات]:
البهمة: ولد الضأن الذكر والأنثى.
الخزيرة: طعام يتخذ من لحم يقطع صغارا ثم يطبخ ويجعل فيه دقيق.
المراح: المكان الذى تأوى إليه.
السخلة: ولد الضأن والمعز ساعة الولادة.
الظعينة: المرأة.
القناع: الطبق من عسب النخل يؤكل عليه ويوضع فيه الطعام.
تيعر: تصيح وتصوت صوتا شديدا.
[شرح الحديث]
كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ علَيْهِ وسَلَّم يَستقبِل وُفودَه ويُكرِمُهم ويترفَّق بهم، وفي ذَلِكَ يُخبِر لَقِيطُ بنُ صَبِرَةَ رَضِيَ اللهُ عنه أَنَّهُ كَانَ وافِدَ بني المُنْتَفِقِ، أو فِي وَفْدِ بني المُنتَفِقِ، يَقُولُ لَقِيطٌ: "فَلَمَّا قَدِمْنا على رَسُولِ الله صَلَّى اللهُ علَيْهِ وسَلَّم"، أي: وَصَلنا إِلَى مَنزِله؛ "فلم نُصادِفْه فِي مَنزِلِه، وصادَفْنا عَائِشَةَ أمَّ المُؤمِنِينَ"، أي: لم نَجِدْه، ووَجَدْنا عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، "فأَمَرَتْ لَنَا بِخَزِيرَةٍ" وهي لَحمٌ يقطَّع صِغارًا ويُصَبُّ عَلَيْهِ الماءُ الكثيرُ، فإذا نَضِج ذُرَّ عَلَيْهِ الدَّقِيقُ، وقيل: هي حَساءٌ مِن دقيقٍ ودَسَمٍ، "وأُتِينَا بقِنَاعٍ"، أي: وبعدَ أن انتهَيْنا مِن الطَّعامِ أُتِي إِلَيْنا بطَبَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، ثُمَّ جاءَ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ علَيْهِ وسَلَّم فَقَالَ للوَفدِ: "هل أَصَبْتُم شيئًا أو أُمِر لَكُمْ بشيءٍ؟ " يعني هل أُطعِمْتم أو أُمِر لَكُم بطعام؟ فأجابه الوفدُ بقولِهم: "نَعَمْ يا رَسُولَ الله"، ثُمَّ يُكمِلُ لَقِيطٌ كلامَه: "فبَيْنَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ الله صَلَّى اللهُ علَيْهِ وسَلَّم جُلُوسٌ، إذْ دَفَع الرَّاعِي غنَمَه إِلَى المُرَاحِ"، أي: ساق الرَّاعِي غَنَمَ رَسُولِ الله صَلَّى اللهُ علَيْهِ وسَلَّم إِلَى المُراحِ، وهو ما تأوِي إلَيْهِ الإبِلُ والغنَمُ باللَّيلِ، "ومعَه سَخْلَةٌ تَيْعِرُ"، و"السَّخْلَةُ": وَلَدُ الشَّاةِ مِن المَعْزِ والضَّأْنِ حِينَ يُولَدُ ذَكَرًا كَانَ أو أُنثَى، وتيعر أي تصدر صوتا، فَقَالَ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ علَيْهِ وسَلَّم للرَّاعِي: "مَا وَلَّدْتَ يا فُلان؟ "، قَالَ الرَّاعِي: "بَهْمَة" وهِيَ الصَّغِيرُ مِن وَلَدِ الغَنَمِ ذَكَرًا كَانَ أو أُنثَى، وهِيَ هُنا أُنثَى، بِدَليلِ قولِه صَلَّى اللهُ علَيْهِ وسَلَّم للرَّاعِي: "فاذْبَحْ لَنَا مكانَها شاةً"، ثُمَّ قَالَ: "لَا تَحسِبَنَّ"، (ولم يَقُل: لَا تَحسَبَنَّ) الأَخِيرُ مِن كلامِ أحدِ الرُّوَاةِ، يُرِيدُ أنَّها تُروَى بالكَسرِ لَا بالفَتحِ، والظاهِرُ: أنَّ الوفدَ فَهِموا أنَّ الذَّبحَ لَهُم فتحرَّجوا مِن ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ علَيْهِ وسَلَّم: "لَا تَحسِبَنَّ أنَّا مِنْ أَجْلِكَ ذَبَحْناها"، أي: أنَّ سببَ الذَّبحِ لَيْسَ مِنْ أَجْلِكم، ثُمَّ يفسِّر النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ علَيْهِ وسَلَّم سببَ ذَبْحِه للشَّاةِ بقولِه: "لَنَا غَنَمٌ مِائَة، لَا نُرِيدُ أن تَزِيدَ فإذا وَلَّدَ الراعِي بَهْمَةً ذَبَحْنَا مكانَها شاةً"، أي: أنَّ عددَ الغَنَمِ مِائَةٌ، ومِن عادَتِنا إِذَا ما وَلَّدَ الرَّاعِي غنَمَه وزاد بِهَا عن هذا العددِ ذَبَحْنا مِن الكِبارِ بَدَلَ ما ولَّد مِن الصِّغارِ. ثُمَّ اسْتَنْصَحَ لَقِيطٌ رَسُولَ الله صَلَّى اللهُ علَيْهِ وسَلَّم فِي امرأةٍ لَهُ، فَقَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ علَيْهِ وسَلَّم: "إنَّ لِي امرأةً، وإنَّ فِي لسانِها شيئًا -يَعْنِي البَذَاءَ-"، أي: أنَّ زوجتَه ذاتُ لسانٍ فاحِشٍ، و"البَذَاءُ": الفُحشُ فِي القولِ؛ فنَصَحَه النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ علَيْهِ وسَلَّم بِتَطلِيقِها، فذَكَر أنَّ لَهُ مِنْهَا وَلَدًا، وأنَّ لها مَعَهُ صُحبةً، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ علَيْهِ وسَلَّم: "فمُرْها- يَقُول: عِظْهَا- فإن يَكُ خيرٌ، فسَتَفْعَلْ"، أي: انْصَحْها أن تُطِيعَكَ ولا تَعصِيَكَ فِي معروفٍ؛ فرُبَّما لانَ قلبُها فتَسْمَعُ لك وتَقبَلُ مِنكَ إِذَا كَانَ بِهَا خيرٌ، ثُمَّ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ علَيْهِ وسَلَّم ناصحًا ومُرشِدًا ومُرَبِّيًا: "ولا تَضرِبْ ظَعِينَتَكَ كضَربِكَ أُمَيَّتَكَ"، أي: لَا تَضرِبِ امرأتَك مِثْلَ ضربِكَ الأَمَةَ.
ثُمَّ قَالَ لَقِيطٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ علَيْهِ وسَلَّم: يا رَسُولَ الله، أخبِرْنِي عن الوُضُوءِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ علَيْهِ وسَلَّم: أَسبِغِ الوُضُوءَ، أي: أَعْطِ كلَّ عُضوٍ حقَّه مِن الماء، و"الإسباغُ": الإكمالُ والإتمامُ، "وخلِّلْ بينَ الأصابِعِ"، أي: فرِّق بينَ أصابعِ اليدَيْن والرِّجلَيْن ليتخلَّلَها الماءُ فيما بينَها، "وبالِغْ فِي الاستِنشاقِ إِلَّا أن تكونَ صائمًا"، أي: وبالِغ فِي إيصالِ الماء إِلَى أعلَى الأنفِ والخَياشِيمِ، إِلَّا أن تكونَ صائمًا، خوفًا مِن أن يَصِلَ الماءُ إِلَى الجَوفِ فيتسبَّبُ فِي الفِطرِ، وقيل: إنَّما أجابَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ علَيْهِ وسَلَّم عن بعضِ سُنَنِ الوُضُوءِ لأنَّ السائِلَ كَانَ عارِفًا بأصلِ الوُضُوءِ.
وفيه: مَشروعيَّةُ إكرامِ الضَّيفِ، وأنَّ على مَن في البيتِ مِن زَوجةٍ وأولادٍ القيامَ بواجبِ الضيافةِ عندَ غِيابِ صاحبِ البَيتِ.
وفيه: مِن مَحاسنِ شَمائلِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم اهتمامُه بمشاعرِ الآخَرِينَ ومُراعاةُ نفسيَّاتِهم.
**********************
143 - حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ (1) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ (2) حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ (3) حَدَّثَنِى إِسْمَاعِيلُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ عَنْ أَبِيهِ وَافِدِ بَنِى الْمُنْتَفِقِ أَنَّهُ أَتَى عَائِشَةَ فَذَكَرَ مَعْنَاهُ. قَالَ فَلَمْ يَنْشَبْ أَنْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَتَقَلَّعُ يَتَكَفَّأُ. وَقَالَ عَصِيدَةٍ. مَكَانَ خَزِيرَةٍ.
- ---------------------------------•
إسناده صحيح: وقد صرح ابن جريج بالتحديث.
[تراجم الإسناد]
(1) عُقْبَةُ بنُ مُكْرَمِ بنِ أَفْلَحَ العَمِّيُّ، قالَ أَبُو دَاوُدَ: ثِقَةٌ ثِقَةٌ، وَقَال النَّسَائي: ثقة.
(2) يحيى بْن سَعِيد القطان، ثقة متقن.
(3) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج القرشى، أحد الأعلام؛ ثقة فقيه فاضل وكان يدلس و يرسل؛ فقد وصفه النسائي وغيره بالتدليس؛ قال الدارقطني: يجتنب تدليسه فإنه وحش التدليس لا يدلس إلا فيما قد سمعه من مجروح.
[معانى بعض الكلمات]:
العصيدة: دقيق يلت بالسمن ويطبخ.
**********************
144 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ (1) حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ (2) حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ فِيهِ «إِذَا تَوَضَّأْتَ فَمَضْمِضْ».
- ---------------------------------•
إسناده صحيح: أخرجه البيهقي في الكبرى (239).
[تراجم الإسناد]
(1) مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ فَارِسَ الذهلي، ثقة. قال أبو حاتم: ثِقَةٌ. وَقَالَ الخَطِيْبُ البغدادي: كَانَ أَحَدَ الأَئِمَّةِ العَارِفينَ، وَالحُفَّاظِ المُتْقِنِيْنَ.
وَكَانَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ يُثْنِي عَلَيْهِ، وَيَنْشُرُ فَضْلَهُ.
(2) أبو عاصم النبيل الضَّحَّاكُ بنُ مَخْلَدٍ الشَّيْبَانِيُّ ثقة إمام.
[شرح الحديث]
قوله "إِذَا توضَّأتَ فمَضمِضْ"، و"المَضمَضَةُ": تحريكُ الماءِ فِي الفَمِ وإدارتُه فِيهِ ثُمَّ إلقاؤُه، واستدل الحنابلة ومن وافقهم بهذا الحديث على وجوب المضمضة في الوضوء، للأمر بها والأمر للوجوب، روى البخاري، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا توضأ أحدكم، فليجعل في أنفه ماء ثم لينثر".
ولفظ مسلم: "إذا توضأ أحدكم، فليستنشق بمنخريه من الماء ثم لينتثر"، وأحاديث الأمر بالاستنشاق، هي دليل على وجوب الاستنشاق صراحة، والمضمضة ضمنًا؛ لأنهما كالعضو الواحد، لهذا لا يفصل بينها كما تقدم بيانه، ومن عادة الأعضاء المستقلة في الوضوء ألا ينتقل إلى عضو حتى يفرغ من العضو الذي قبله، بخلاف المضمضة والاستنشاق فإنه يمضمض ثم يستنشق، ثم يرجع إلى المضمضة فالاستنشاق وهكذا، فهذا يدل على أنهما في حكم العضو الواحد، فالأمر بأحدهما أمر بالآخر.
والله الموفق
شرحه/ أبو عاصم البركاتي المصري الأثري
[الدر المعقود بشرح سنن أبي داود]