الدر المعقود بشرح سنن أبي داود
شرح سنن أبي داود السجستاني، الأحاديث (334)(335)(336)(337)(338)(339)
127 - باب إِذَا خَافَ الْجُنُبُ الْبَرْدَ أَيَتَيَمَّمُ.
334 - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى (1) أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ (2) أَخْبَرَنَا أَبِى (3) قَالَ سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ أَيُّوبَ (4) يُحَدِّثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ (5) عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِى أَنَسٍ (6) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ الْمِصْرِىِّ (7) عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ احْتَلَمْتُ فِى لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِى غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلاَسِلِ فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِى الصُّبْحَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ «يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ». فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِى مَنَعَنِى مِنَ الاِغْتِسَالِ وَقُلْتُ إِنِّى سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ مِصْرِىٌّ مَوْلَى خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ وَلَيْسَ هُوَ ابْنَ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ.
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه أحمد (17812) وابن المنذر في "الأوسط" (528) والدارقطني (681)، (682) والحاكم في المستدرك (629) وعنه البيهقي في الكبرى (1070).
[تراجم الإسناد]
(1) محمد بن المثنى أبو موسى العنزي، ثقة. قال محمد بن يحيى الذهلي: حجة. وقال صالح جزرة: صدوق اللهجة.
وقال أبو حاتم: صدوق صالح الحديث. وقال النسائي: كان لا بأس به.
(2) وهب بن جرير بن حازم، قال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال العجلي: بصري ثقة.
(3) جرير بن حازم بن زيد بن عبد الله الأزدى ثم العتكى. ثقة مشهور، قال ابن معين: وهو في قتادة ضعيف،، ولما اختلط حجبه ولده، لذلك لا يضره الاختلاط.
(4) يحيى بن أيوب، أبو العباس الغافقي المصري. قال ابن معين: ثقة، وقال مرة: صالح.
وقال أبو حاتم: محله الصدق، ولا يحتج به. وقال أبو داود: هو صالح.
يحيى بن أيوب، أبو العباس الغافقي المصري. قال أحمد: سيء الحفظ.
وقال النسائي: ليس به بأس، وقال مرة: ليس بالقوي.
(5) يزيد بن أبى حبيب، أبو رجاء المصرى. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. قال العجلي: مصريٌّ تابعيٌّ ثقةٌ.
(6) عمران بن أبى أنس القرشى العامرى، المدنى، المصرى. وثقه يحيى بن مَعِين، وأبو حاتم، والنَّسَائي.
(7) عبد الرحمن بن جبير المصرى المؤذن. قَال أَبُو سَعِيد بْن يونس: كان فقيها عالما بالقراءة، شهد فتح مصر.
قال فيه النَّسَائي: ثقة. وذكره ابنُ حِبَّان فِي كتاب "الثقات".
[شرح الحديث]
غزوة ذات السلاسل كانت بعدَ غزوة مُؤْتَةَ، وسُمِّيتْ ذاتَ السَّلاسِلِ لأنَّها وقعت بالقُرْبِ مِن ماءٍ يُقالُ له: السَّلْسَلُ. بلَغ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أنَّ جمعًا مِن قُضاعةَ تَجَمَّعوا وأَرادوا أن يَدنوا مِن أَطرافِ المدينةِ فَدعا النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عَمرَو بنَ العاصِ فعقَد له لِواءً أَبيضًا وبَعثَهُ في ثلاثمائةٍ مِن سَراةِ المُهاجرين والأنصارِ، فكان أَميرُها عَمرَو بنَ العاصِ رضي الله عنه.
وفي أثناء الغزوة احْتَلَمْ عمرو رضي الله عنه فِى لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ، قال: فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِى الصُّبْحَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ «يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ». فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِى مَنَعَنِى مِنَ الاِغْتِسَالِ وَقُلْتُ إِنِّى سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا.
وهذا من السنن التقريرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أقره على فعله بالسكوت والضحك.
ومن القواعد المقررة أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يسكت على خطأ أو باطل.
فدل ذلك إلى إباحة التيمم في حال البرد الشديد، إذا خاف على نفسه الهلاك أو المرض باستعمال الماء.
وفي الحديث: بيان فضل عمرو بن العاص رضي الله عنه.
وفي الحديث: التيسير عند المشقة ووقوع الحرج.
وفي الحديث: بيان فهم عمرو بن العاص رضي الله عنه للقرآن ومقاصد التشريع.
وفي الحديث: وجوب حفظ النفس من الآفات والهلاك.
وفي الحديث: السنة التقريرية حجة في إثبات الأحكام. [راجع كتابنا: السنة التقريرية عند الأصوليين]
وفي الحديث: إقرار النبي صلى الله عليه وسلم بالسكوت والضحك.
**************************
335 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِىُّ (1) أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ (2) عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ (3) وَعَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ (4) عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ (5) عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِى أَنَسٍ (6) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ (7) عَنْ أَبِى قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (8) أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ كَانَ عَلَى سَرِيَّةٍ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ نَحْوَهُ. قَالَ فَغَسَلَ مَغَابِنَهُ وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاَةِ ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَلَمْ يَذْكُرِ التَّيَمُّمَ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَرُوِيَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ عَنِ الأَوْزَاعِىِّ عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ قَالَ: فِيهِ فَتَيَمَّمَ.
- ---------------------------------•
صحيح:
حديث أنه توضأ ولم يذكر تيمم أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (5187) والحاكم في المستدرك (628) وابن حبان (1315) والبيهقي في "السنن الكبرى" (1085) وفي الصغرى (248).
[تراجم الإسناد]
(1) محمد بن سلمة بن عبد الله المرادي أبو الحارث المصري. وكان من ثقات المصريين وفضلائهم. ذكره النَّسَائي فقال: كان ثقة ثقة.
(2) عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبِ بنِ مُسْلِمٍ الإِمَامُ، شَيْخُ الإِسْلاَمِ، أَبُو مُحَمَّدٍ الفِهْرِيُّ، المِصْرِيُّ، قال الذهبي: له (مُوَطَّأُ ابْنِ وَهْبٍ) كَبِيْرٌ، لَمْ أَرَهُ، وَلَهُ كِتَابُ (الجَامِعِ)، وَكِتَابُ (البَيْعَةِ)، وَكِتَابُ (المَنَاسِكِ)، وَكِتَابُ (المَغَازِي)، وَكِتَابُ (الرِّدَّةِ)، وَكِتَابُ (تَفْسِيْرِ غَرِيْبِ المُوَطَّأِ)، وَغَيْرُ ذَلِكَ.
وثقه أحمد بن حنبل وابن معين وابن عدي.
(3) عبد الله بن لهيعة بن عقبة الحضرمى، المصرى الفقيه القاضى، صدوق في نفسه غير متهم بالكذب، وإنما جاء ضعفه واختلاطه أنه حدث من حفظه بعد احتراق كتبه، قال أبو جعفر الطبري في "تهذيب الآثار": وعليه فاختلاطه هذا ينسب إلى سوء حفظه أكثر مما ينسب إلى المعنى الاصطلاحي للاختلاط، ورواية العبادلة عنه كابن المبارك وابن وهب صحيحة وأعدل من رواية الآخرين، وقد أنصفه الحاكم بقوله: "لم يقصد الكذب إنما حدث من حفظه بعد احتراق كتبه فأخطأ". والعمل على تضعيفه لسوء حفظه واختلاطه، ضعفه ابن مهدي وابن معين ويحيى بن سعيد وآخرون.
(4) عَمرو بْن الحارث ابن يعقوب بن عبد الله، أبو أمية الأنصاري، السعدي، المدني الأصل، المصري. عالم الديار المصرية ومفتيها وثقه أَبُو زُرْعَةَ، وابن معين وَالعِجْلِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَطَائِفَةٌ.
(5) يزيد بن أبى حبيب، أبو رجاء المصرى. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. قال العجلي: مصريٌّ تابعيٌّ ثقةٌ.
(6) ترجمته في الحديث السابق.
(7) ترجمته في الحديث السابق.
(8) أبو قيس السهمي مولى عمرو بن العاص. قال العجلي: مصريٌّ تابعيٌّ ثقةٌ.
وذكره يعقوب بن سفيان في ثقات التابعين من أهل مصر. "المعرفة والتاريخ" 2/ 489.
[معانى بعض الكلمات]:
المغابن: الأرفاغ وهى بواطن الأفخاذ.
[شرح الحديث]
أفاد الحديث أن عمرو بن العاص رضي الله عنه غسل من بدنه ما أمكنه غسله وتيمم للباقي (جمعا بين الحديثين)، ففي الحديث أنه " غسل مغابنه " أي فرجه وفخذيه، وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاَةِ ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ.
قال البيهقى في "السنن الصغرى" (1/ 96) وَقَالَ فِيهِ: فَغَسَلَ مَغَابِنَهُ وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ وَلَمْ يَذْكُرِ التَّيَمُّمَ، فَإِنْ كَانَ التَّيَمُّمُ مَحْفُوظًا فِي الْأَوَّلِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ غَسَلَ مَا قَدَرَ وَتَيَمَّمَ لِلْبَاقِي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ
************************
128 - باب فِى الْمَجْرُوحِ يَتَيَمَّمُ.
336 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَنْطَاكِىُّ (1) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ (2) عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ خُرَيْقٍ (3) عَنْ عَطَاءٍ (4) عَنْ جَابِرٍ (5) قَالَ خَرَجْنَا فِى سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلاً مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِى رَأْسِهِ ثُمَّ احْتَلَمَ فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ هَلْ تَجِدُونَ لِى رُخْصَةً فِى التَّيَمُّمِ؟ فَقَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ: «قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ أَلاَّ سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِىِّ السُّؤَالُ إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِرَ». أَوْ «يَعْصِبَ». شَكَّ مُوسَى «عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ».
- ---------------------------------•
صحيح لغيره: دون "إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ ... ".
أخرجه الدارقطني في السنن (729) والبيهقي في الكبرى (1075) (1077) وفي المعرفة (1661) والبغوي في "شرح السنة" (313) وإسناده ضعيف لضعف الزُّبَيْرِ بنِ خُرَيْقٍ الجزري.
[تراجم الإسناد]
(1) موسى بن عبد الرحمن بن زياد الحلبى الأنطاكى، أبو سعيد القلاء.
قال النسائي: لا بأس به. وقال أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبان في «الثقات».
(2) محمد بن سلمة، أبو عبد الله الحراني. قال ابن سعد: كان ثقة فاضلا.
(3) الزبير بن خريق الجزري، ذكره ابنُ حِبَّان فِي كتاب "الثقات". وقال الدَّارَقُطْنِيّ: ليس بالقوي.
(4) عطاء بن أبي رباح، الإمام شيخ الإسلام، مفتي الحرم، أبو محمد القرشي المكي. كان ثقة، فقيها، عالما، كثير الحديث.
(5) جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما.
[معانى بعض الكلمات]:
العى: الجهل.
[شرح الحديث]
في هذا الحديثِ يَحكي جابِرُ بنُ عبدِ الله رضِيَ اللهُ عنهما فيقولُ: "خَرَجْنا في سَفَرٍ، فأصاب رَجُلًا منَّا حَجَرٌ، فشَجَّه"، أي: جَرَحه "في رأسِه، ثُمَّ احْتَلَمَ"، أي: نَزَل مِنه المَنِيُّ في حالِ نَومِه، فأصابَتْه جَنابَةٌ، "فسَأَل أصحابَه"، أي: بعضَ الَّذِينَ كانوا معه في السَّفَرِ، فقال الرجلُ: "هل تَجِدون لي رُخصةً في التيمُّم؟ "، أي: هل لي أن أتيَمَّمَ لِجُرحِي دونَ غَسْلٍ؟ "فقالوا: ما نَجِدُ لك رُخصةً"، أي: لا نَجِدُ لك عُذرًا للتيمُّمِ "وأنتَ تَقدِرُ على الماءِ"، والمعنى: أنَّهم أوجبوا عليه الغُسلَ؛ "فاغْتَسَل" الرَّجُلُ "فمَات، فلمَّا قَدِمنا على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أُخبِر بذلك"، أي: بقِصَّة الرَّجُلِ، فقال النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "قَتَلوه"، أي: الَّذِينَ أَوْجَبوا على صاحبِهم الغُسلَ، قتَلوه بفَتْواهم دونَ عِلم، "قَتَلهم الله! "، أي: دعا عليهم مِن باب الزَّجرِ والنهي عن مثل قولهم، "أَلَا سألوا إذ لم يَعْلَموا؟! "، أي: ألَا طَلَبوا العِلمَ فيما لا يعرِفونه؛ "فإنَّما شِفاءُ العِيِّ السُّؤالُ"، أي: لا شِفاءَ لداءِ الجهلِ إلَّا التعلُّمُ. قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}.
يقول الإمام ابن عبد البر - رحمه الله تعالى -: يلزم كل مؤمن ومؤمنة إذا جهل شيئًا من أمر دينه أن يسأل عنه؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما شفاءُ العيّ السؤال". [الاستذكار (ص 293)].
وفي هذا الحديثِ: وَعِيدٌ لِمَن يُفتِي بدونِ علمٍ، وخاصَّة لِمَن يتصدَّر لِلفَتوَى، قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: (33)]، وقال الله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء (36)]، وقال الله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: (116)].
وقال سبحانه: {قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ}.
وفي الحديث: أن من الفتوى بالجهل ما يقتل ويزهق النفس ويضيع الحقوق.
وفي الحديث: بيان يسر الإسلام وأن الأمر إذا ضاق اتسع، وإن مع العسر يسرا. قال تعالى: {فَاتَّقُواْ اللَّهَ مَا استَطَعتُم} [التغابن: 16].
**********************
337 - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَاصِمٍ الأَنْطَاكِىُّ (1) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ (2) أَخْبَرَنِى الأَوْزَاعِىُّ (3) أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِى رَبَاحٍ (4) أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ أَصَابَ رَجُلاً جُرْحٌ فِى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ثُمَّ احْتَلَمَ فَأُمِرَ بِالاِغْتِسَالِ فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ فَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ «قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ أَلَمْ يَكُنْ شِفَاءُ الْعِىِّ السُّؤَالَ».
- ---------------------------------•
حسن: وهذا إسناده ضعيف فهو منقطع بين الأوزاعي وعطاء، وروي موصولا.
أخرجه أحمد (3056) و الدارمي (779) وعبد الرزاق (867) وأبو يعلى في المسند (2420) كل بسنده عن الأوزاعي بلغه عن عطاء بن أبي رباح به. وهذا منقطع ضعيف.
وأخرجه موصولا عن الأوزاعي عن عطاء: ابن ماجه (572) والطبراني في الكبير (11472) والحاكم في "المستدرك" (630) والبيهقي في" "الخلافيات" (805) وأبو نعيم في "الحلية" (3/ 317) وابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (526).
وتابع الأوزاعي الوَلِيدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وهو ضعيف ضعفه الدارقطني، وحديثه أخرجه ابن الجارود في "المنتقى" (128) وإسناده ضعيف. والحديث خرجه وتتبع طرقه وصححه شيخنا أبو إسحاق الحويني في "غوث المكدود" (1/ 131).
[تراجم الإسناد]
(1) نَصْرُ بْنُ عَاصِمٍ الأَنْطَاكِىُّ، ذكره ابنُ حِبَّان فِي كتاب "الثقات". قال العقيلي: لا يتابع على حديثه. وقال ابن حجر: لين الحديث.
(2) محمد بن شعيب ابن شابور. أبو عبد الله الدمشقي. وثقه دحيم. وقال أحمد بن حنبل: ما أرى به بأسا، كان رجلا عاقلا.
(3) عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد، شيخ الإسلام، وعالم أهل الشام، أبو عمرو الأوزاعي.
(4) عَطَاءُ بنُ أَبِي رَبَاحٍ أَسْلَمَ القُرَشِيُّ مَوْلاَهُم الإِمَامُ، شَيْخُ الإِسْلاَمِ، مُفْتِي الحَرَمِ، أَبُو مُحَمَّدٍ القُرَشِيُّ مَوْلاَهُم. كَانَ مِنْ أَوْعِيَةِ العِلْمِ؛ انْتَهَتْ فَتْوَى أَهْلِ مَكَّةَ إِلَيْهِ، وَإِلَى مُجَاهِدٍ، وَأَكْثَرُ ذَلِكَ إِلَى عَطَاءٍ.
قال الذهبي: كَانَ عَطَاءٌ أَسْوَدَ، أَعْوَرَ، أَفْطَسَ، أَشَلَّ، أَعْرَجَ، ثُمَّ عَمِيَ، وَكَانَ ثِقَةً، فَقِيْهاً، عَالِماً، كَثِيْرَ الحَدِيْثِ.
**************************
129 - باب فِى الْمُتَيَمِّمِ يَجِدُ الْمَاءَ بَعْدَ مَا يُصَلِّى فِى الْوَقْتِ.
338 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِىُّ (1) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ (2) عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ (3) عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ (4) عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ (5) عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ: خَرَجَ رَجُلاَنِ فِى سَفَرٍ فَحَضَرَتِ الصَّلاَةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا فَصَلَّيَا ثُمَّ وَجَدَا الْمَاءَ فِى الْوَقْتِ فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الصَّلاَةَ وَالْوُضُوءَ وَلَمْ يُعِدِ الآخَرُ ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ لِلَّذِى لَمْ يُعِدْ «أَصَبْتَ السُّنَّةَ وَأَجْزَأَتْكَ صَلاَتُكَ». وَقَالَ لِلَّذِى تَوَضَّأَ وَأَعَادَ «لَكَ الأَجْرُ مَرَّتَيْنِ».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُ ابْنِ نَافِعٍ يَرْوِيهِ عَنِ اللَّيْثِ عَنْ عَمِيرَةَ بْنِ أَبِى نَاجِيَةَ عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم-. قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَذِكْرُ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ فِى هَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ وَهُوَ مُرْسَلٌ.
- ---------------------------------•
حسن:
أخرجه النسائي (433) والدارمي (771) والطبراني في الأوسط (1842)، (7922) والدارقطني في السنن (727) والحاكم في المستدرك (632) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ".
وأخرجه الحاكم في المستدرك (633) بسنده عن يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، ثنا اللَّيْثُ، عَنْ عَمِيرَةَ بْنِ أَبِي نَاجِيَةَ، عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فزاد عميرة بن أبي ناجية بين الليث وبكر بن سوادة عن عطاء مرسلا.
[تراجم الإسناد]
(1) مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدِ الْقُرَشِيُّ الْمَخْزُومِيُّ الْمُسَيَّبِيُّ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَدَنِيُّ، نَزِيلُ بَغْدَادَ، وثقه ابن قانع، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي كِتَابِ "الثِّقَاتِ".
(2) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعِ بْنِ أَبي نافع الصائغ القرشي، المخزومي، مولاهم، أَبُو مُحَمَّد المدني. قال يحيى بْن مَعِين: ثقة. وَقَال أبو زُرْعَة: لا بأس به.
وَقَال النَّسَائي: لَيْسَ بِهِ بأس.
وَقَال أَبُو حَاتِم: لَيْسَ بالحافظ، هُوَ لين فِي حفظه، وكتابه أصح.
وقَال البُخارِيُّ: فِي حفظه شيء.
وَقَال فِي موضع أخر: يعرف حفظه وينكر، كتابه أصح.
(3) الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي أبو الحارث الإمام المصري، ت 175 هـ، قال ابن أبي حاتم: "سألت أبا زرعة عن الليث بن سعد؟ فقال: صدوق. قلت: يحتج بحديثه؟ قال: أي لعمري" وقال أبو زرعة "سمعت يحيى بن عبد الله بن بكير يقول: الليث أفقه من مالك ولكن كانت الحظوة لمالك".
(4) بكر بن سوادة، أبو ثمامة الجذامي المصري الفقيه. وثقه النسائي، واحتج به مسلم، واستشهد به البخاري.
(5) عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ مولى ميمونة بنت الحارث الهلالية زَوْجِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وعن يحيى بن معين أنه قال عطاء بن يسار ثقة وسئل أبو زرعة عن عطاء بن يسار فقال مديني ثقة.
[شرح الحديث]
في الحديث يقول أبو سعيد الخدري (سعد بن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة الخدري الأنصاري): خَرَجَ رَجُلاَنِ فِى سَفَرٍ فَحَضَرَتِ الصَّلاَةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا فَصَلَّيَا، فدل على تعجيل الصلاة للمتيمم في أول الوقت كالمتطهر بالماء.
قال: ثُمَّ وَجَدَا الْمَاءَ فِى الْوَقْتِ فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الصَّلاَةَ وَالْوُضُوءَ وَلَمْ يُعِدِ الآخَرُ" (فأعاد أحدهما) إما ظنا بِأَنَّ الْأُولَى بَاطِلَةٌ وَإِمَّا احْتِيَاطًا، (وَلَمْ يُعِدِ الْآخَرُ) عَلَى ظَنِّ أَنَّ تِلْكَ الصَّلَاةَ صَحِيحَةٌ.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم للثاني الذي لم يعد الصلاة «أَصَبْتَ السُّنَّةَ وَأَجْزَأَتْكَ صَلاَتُكَ» أي أصبت الشريعة الثابتة وهذا إقرار لفعله. وَقَالَ لِلَّذِى تَوَضَّأَ وَأَعَادَ «لَكَ الأَجْرُ مَرَّتَيْنِ» أَيْ لَكَ أَجْرُ الصَّلَاةِ كَرَّتَيْنِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا صَحِيحَةٌ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مَثُوبَةٌ وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا.
قَالَ الصَّنْعَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: (أَجْرُ الصَّلَاةِ بِالتُّرَابِ، وَأَجْرُ الصَّلَاةِ بِالْمَاءِ). زَادَ الشَّوْكَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: (فَذَلِكَ؛ لِكَوْنِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ لَا يُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ، وَقَدْ تَيَمَّمَ وَتَوَضَّأَ، وَصَلَّى مَرَّتَيْنِ، وَلَا يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ الْأَجْرِ لَهُ إِصَابَتُهُ).
وأخرج أحمد من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: يا أبا ذَرٍّ، إنَّه سيكونُ عليكم أُمراءُ يُؤخِّرونَ الصَّلاةَ عن مَواقيتِها، فإنْ أنتَ أدرَكْتَهم فصَلِّ الصَّلاةَ لوَقتِها، ورُبَّما قال: في رَحلِكَ، ثُم ائْتِهم، فإنْ وجَدْتَهم قد صَلَّوْا كُنْتَ قد صلَّيْتَ، وإنْ وجَدْتَهم لم يُصلُّوا، صلَّيْتَ معهم، فتكونُ لكَ نافلةً".
وفي الحديثِ: أنَّ مَن صلَّى بالتيمُّمِ ثم وجَد الماءَ قبلَ خروجِ الوقتِ لا إعادةَ عليه.
*************************
339 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ (1) حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ (2) عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ (3) عَنْ أَبِى عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدٍ (4) عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ (5) أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِمَعْنَاهُ.
- ---------------------------------•
إسناده ضعيف.
أخرجه البيهقي في الكبرى (1097)، وابن لهيعة سيء الحفظ، وأبو عبيد مولى إسماعيل بن عبيد مجهول.
[تراجم الإسناد]
(1) عبد الله بن مسلمة القعنبى الحارثى، ثقة عابد، كان ابن معين و ابن المدينى لا يقدمان عليه فى الموطأ أحدا. قال أبو حاتم: ثقة حجة.
(2) عبد الله بن لهيعة بن عقبة الحضرمى، قال الحاكم: "لم يقصد الكذب إنما حدث من حفظه بعد احتراق كتبه فأخطأ". والعمل على تضعيفه لسوء حفظه واختلاطه، ضعفه ابن مهدي وابن معين ويحيى بن سعيد وآخرون.
(3) بكر بن سوادة، أبو ثمامة الجذامي المصري الفقيه. وثقه النسائي، واحتج به مسلم، واستشهد به البخاري.
(4) أبو عبد الله المصرى، مولى إسماعيل بن عبيد، قال ابن حجر: مجهول.
(5) عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ مولى ميمونة بنت الحارث الهلالية زَوْجِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وعن يحيى بن معين أنه قال عطاء بن يسار ثقة وسئل أبو زرعة عن عطاء بن يسار فقال مديني ثقة.
والله الموفق
شرحه أبو عاصم البركاتي المصري الأثري
[الدر المعقود بشرح سنن أبي داود]