الدر المعقود بشرح سنن أبي داود
شرح سنن أبي داود السجستاني، الأحاديث (391) (392)(393)(394)(395)(396)
بسم الله الرحمن الرحيم
2 - كتاب الصلاة
1 - باب الصَّلاَةِ مِنَ الإِسْلاَمِ.
391 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ (1) عَنْ مَالِكٍ (2) عَنْ عَمِّهِ أَبِى سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ (3) عَنْ أَبِيهِ (4) أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ (5) يَقُولُ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرَ الرَّأْسِ يُسْمَعُ دَوِىُّ صَوْتِهِ وَلاَ يُفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتَّى دَنَا فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلاَمِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ». قَالَ هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهُنَّ قَالَ «لاَ إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ». قَالَ وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- صِيَامَ شَهْرِ رَمَضَانَ قَالَ هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهُ قَالَ «لاَ إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ». قَالَ وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- الصَّدَقَةَ. قَالَ فَهَلْ عَلَىَّ غَيْرُهَا قَالَ «لاَ إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ». فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ وَاللَّهِ لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلاَ أَنْقُصُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ».
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه مالك في الموطأ (531 - رواية أبي مصعب) والبخاري (46)، (1891)، (2678)، (6956) ومسلم (11) والنسائي (458) (2090) (5028) وأحمد (1390) وابن الجارود في المنتقى (144) وابن نصر في " تعظيم قدر الصلاة " (400).
[تراجم الإسناد]
(1) عبد الله بن مسلمة القعنبى الحارثى، ثقة عابد، كان ابن معين و ابن المدينى لا يقدمان عليه فى الموطأ أحدا. قال أبو حاتم: ثقة حجة.
(3) الإمام مالك بن أنس.
(3) نَافِعُ بنُ مَالِكِ بنِ أَبِي عَامِرٍ الأَصْبَحِيُّ المَدَنِيُّ، أَبُو سُهَيْلٍ. وَثَّقَهُ: أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ، وَقَال العجلي: مدني، تابعي، ثقة. وَقَال أَبُو زُرْعَة: ثقة.
(4) مَالِك بن أَبِي عَامِرٍ الأَصْبَحِيُّ، جَدُّ مالك بْن أَنَس. وثقه النسائي وغيره.
(5) طَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللهِ بنِ عُثْمَانَ بنِ عَمْرٍو التَّيْمِيُّ. أَحَدُ العَشَرَةِ المَشْهُوْدِ لَهُم بِالجَنَّةِ رضي الله عنه.
[شرح الحديث]
يقول طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ (وهي أرْضُ العربِ ما بيْن الحِجازِ والعراقِ، والرَّجلُ هو: ضِمامُ بنُ ثَعلبةَ رضي الله عنه) ثَائِرَ الرَّأْسِ، أي طويل شعر الرأس غير مرجل، مُنتفِش مِن أثَرِ السَّفرِ.
قوله: "يُسْمَعُ دَوِىُّ صَوْتِهِ وَلاَ يُفْقَهُ مَا يَقُولُ " أي له صَوتٌ عالٍ لا يُفهَمُ منه شَيءٌ.
قوله" حَتَّى دَنَا فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلاَمِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ».
أي يسأل عن شَرائعِ الإسلامِ، فأجابَه النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بأنَّ أوَّلَ ما يَجِبُ عليه مِن أعمالِ الإسلامِ هو الصَّلواتُ الخَمسُ في كلِّ يَومٍ ولَيلةٍ، وهي صلاة الفجر وصلاة الظهر وصلاة العصر وصلاة المغرب وصلاة العشاء. والجمعة في يوم الجمعة.
قال " قَالَ هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهُنَّ قَالَ «لاَ إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ». فدل ذلك على أن ما عدا الصلوات الخمس من المندوبات والتطوع. وعليه فالوتر ليس واجبا وكذا صلاتي العيدين.
والتطوع: هو ما يثابُ عليه ولا يعاقَبُ على تَرْكِه.
قَالَ وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- صِيَامَ شَهْرِ رَمَضَانَ قَالَ هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهُ قَالَ «لاَ إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ». والصِّيامُ هو: الإمساكُ بنيَّةِ التَّعبُّدِ عن الأكلِ والشُّربِ، وسائرِ المُفطِراتِ، وغِشيانِ النِّساءِ، مِن طلوعِ الفجرِ إلى غروبِ الشَّمسِ.
وصوم شهر رمضان فرض لقوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة:185].
فدل قوله أن ما عدا شهر رمضان فصيامه ليس واجبا، وإنما هو تطوع ومسنون.
قال: "قَالَ وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- الصَّدَقَةَ. قَالَ فَهَلْ عَلَىَّ غَيْرُهَا قَالَ «لاَ إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ» " والصدقة الواجبة هي الزكاة، وهي عِبادةٌ ماليَّةٌ واجِبةٌ مقدرة في كُلِّ مالٍ بلَغَ المِقدارَ (النِصاب) الشَّرعيَّ، وحالَ عليه الحَوْلُ -وهو العامُ الهِجريُّ، تدفع لمستحقي الزكاة المذكورينَ في قولِه تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 60].
فسَأَلَ الرجُلُ وقال: هل علَيَّ غيرُها؟ قال: لا، إلَّا إنْ تَصدَّقْتَ بغيرِها فهو تَطوُّعٌ تُثابُ عليه، لا واجبٌ تَأثَمُ بتَرْكِه، فأدْبَرَ الرَّجلُ وهو يُقسِمُ باللهِ أنَّه لا يَزيدُ على هذه الفَرائضِ بفِعلِ شَيءٍ مِن النَّوافلِ، ولا يَترُكُ شَيئًا منها، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أفلَحَ إنْ صدَقَ، أي: إذا صدَقَ في قولِه هذا، فأدَّى هذه الأركانَ مُخلِصًا للهِ تعالَى؛ فقدْ فاز بالجنَّةِ، ونَجا مِن النَّارِ ولو لم يَأتِ مِن النَّوافلِ شيئًا. وفي الحديثِ: أنَّ الإنسانَ إذا اقتَصَر على الواجِبِ في الشَّرعِ فإنَّه مُفلِحٌ، ولكنْ لا يَعْني هذا أنَّه لا يُسَنُّ أنْ يَأتيَ بالتَّطوُّعِ؛ لأنَّ التَّطوُّعَ تُكمَّلُ به الفرائضُ يومَ القِيامةِ.
****************************
392 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ (1) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَدَنِىُّ (2) عَنْ أَبِى سُهَيْلٍ نَافِعِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَبِى عَامِرٍ بِإِسْنَادِهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ «أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ».
- ---------------------------------•
شاذ بهذا اللفظ:
بلفظ "أفلح وأبيه" أخرجه مسلم (11) وأبو داود (3252) والنسائي في (الكبرى) (2411) والدارمي في السنن (1619) وابن خزيمة في الصحيح (306) والطحاوي في شرح مشكل الآثار (821).
قال ابنُ عبد البر في "التمهيد" 14/ 367: هذه لفظة غيرُ محفوظة من حديث من يُحتج به، وقد روى هذا الحديثَ مالكٌ وغيره عن أبي سهيل، لم يقولوا ذلك فيه، وقد روي عن إسماعيل بن جعفر هذا الحديث، وفيه: "أفلح والله إن صدق، أو دخل الجنة والله إن صدق" وهذا أولى من رواية من روى "وأبيه" لأنها لفظة منكرة تردها الآثار الصحاح.
[تراجم الإسناد]
(1) أبو الربيع سُلَيْمان بن داود العتكي الزهراني، وَثَّقَهُ: يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ، وَأَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَغَيْرُهُم.
(2) إِسْمَاعِيل بن جعفر بن أَبي كثير الأَنْصارِيّ الزرقي، أَبُو إِسْحَاق المدني، قارئ أهل المدينة. قال أحمد بن حنبل وابن معين وأبو زُرْعَة، والنَّسَائي: ثقة.
[شرح الحديث]
قوله " أفلح " أي فاز بالجنة ونجا من النار، " إن صدق" بالإخلاص لله والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقيل في توجيه لفظ (وأبيه) عدة أقوال:
الأول: أنها لم تصح.
الثاني: أنها - إن صحت- منسوخة بأحاديث النهي عن الحلف بالآباء وبغير الله.
الثالث: أنها مما يجري على اللسان ولا يقصد معناه، نحو (ثكلتك أمك)، (عقرى حلقى).
الرابع: أنه خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا دليل على ذلك.
الخامس: أنها تصحيف عن (أفلح والله).
وهذا ابن عبد البر رحمه الله يقول في "التمهيد" (16/ 158) في قوله " وأبيه ":
إن صحت فهي منسوخة لنهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الحلف بالآباء وبغير الله.
وقال الحافظ في "الفتح" 1/ 107:
وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ الْمَذْكُورَةِ أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ وَلِأَبِي دَاوُدَ مِثْلُهُ لَكِنْ بِحَذْفِ أَوْ فَإِنْ قِيلَ: مَا الْجَامِعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ النَّهْيِ عَنِ الْحَلِفِ بِالْآبَاءِ أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ النَّهْيِ أَوْ بِأَنَّهَا كَلِمَةٌ جَارِيَةٌ عَلَى اللِّسَانِ لَا يُقْصَدُ بِهَا الْحَلِفُ كَمَا جَرَى عَلَى لِسَانِهِمْ عَقْرَى حَلْقَى وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ أَوْ فِيهِ إِضْمَارُ اسْمِ الرَّبِّ كَأَنَّهُ قَالَ: (وَرَبِّ أَبِيهِ) وَقِيلَ هُوَ خَاصٌّ (أي خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم) وَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ، وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِهِ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ تَصْحِيفٌ وَإِنَّمَا كَانَ (وَاللَّهِ) فَقُصِّرَتِ اللَّامَانِ وَاسْتَنْكَرَ الْقُرْطُبِيُّ هَذَا، وَقَالَ إِنَّهُ يَجْزِمُ الثِّقَةَ بِالرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ وَغَفَلَ الْقَرَافِيُّ فَادَّعَى أَنَّ الرِّوَايَةَ بِلَفْظِ وَأَبِيهِ لَمْ تَصِحَّ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي الْمُوَطَّأِ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَرْتَضِ الْجَوَابَ فَعَدَلَ إِلَى رَدِّ الْخَبَرِ وَهُوَ صَحِيحٌ لَا مِرْيَةَ فِيهِ وَأَقْوَى الْأَجْوِبَةِ الْأَوَّلَانِ. [انتهى]
وقال النووي في شرح مسلم (1/ 168):
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ) هَذَا مِمَّا جَرَتْ عَادَتُهُمْ أَنْ يَسْأَلُوا عَنِ الْجَوَابِ عَنْهُ مَعَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ) وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ) وَجَوَابُهُ أَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَفْلَحَ وَأَبِيهِ) لَيْسَ هُوَ حَلِفًا إِنَّمَا هُوَ كَلِمَةٌ جَرَتْ عَادَةُ الْعَرَبِ أَنْ تُدْخِلَهَا فِي كَلَامِهَا غَيْرَ قَاصِدَةٍ بِهَا حَقِيقَةَ الْحَلِفِ وَالنَّهْيُ إِنَّمَا وَرَدَ فِيمَنْ قَصَدَ حَقِيقَةَ الْحَلِفِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِعْظَامِ الْمَحْلُوفِ بِهِ وَمُضَاهَاتِهِ بِهِ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ الْمُرْضِي، وَقِيلَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا قَبْلَ النَّهْيِ عَنِ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
***********************
2 - باب فِى الْمَوَاقِيتِ.
393 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ (1) حَدَّثَنَا يَحْيَى (2) عَنْ سُفْيَانَ (3) حَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ فُلاَنِ بْنِ أَبِى رَبِيعَةَ (4) - قَالَ أَبُو دَاوُدَ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَيَّاشِ بْنِ أَبِى رَبِيعَةَ - عَنْ حَكِيمِ بْنِ حَكِيمٍ (5) عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ (6) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «أَمَّنِى جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ فَصَلَّى بِىَ الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ وَكَانَتْ قَدْرَ الشِّرَاكِ وَصَلَّى بِىَ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ وَصَلَّى بِىَ - يَعْنِى الْمَغْرِبَ - حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ وَصَلَّى بِىَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ وَصَلَّى بِىَ الْفَجْرَ حِينَ حَرُمَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ صَلَّى بِىَ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ وَصَلَّى بِىَ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَيْهِ وَصَلَّى بِىَ الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ وَصَلَّى بِىَ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ وَصَلَّى بِىَ الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَىَّ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ هَذَا وَقْتُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ وَالْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ».
- ---------------------------------•
حسن:
أخرجه أحمد (3322) والترمذي (149) وعبد الرزاق في المصنف (2028) (2029) وابن أبي شيبة في المصنف (3220) (36432) وابن الجارود في المنتقى (149) (150)، وابن خزيمة في الصحيح (325) وأبو يعلى الموصلي في المسند (2750) والطبراني في الكبير (10/ 309) (10752) ومحمد بن نصر في " تعظيم قدر الصلاة " (29) والحاكم في المستدرك (693).
[تراجم الإسناد]
(1) مسدد بن مسرهد البصري.
(2) يحيى بن سعيد القطان أحد الأعلام الثقات.
(3) سفيان الثوري أحد الثقات الأعلام.
(4) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَيَّاشِ بْنِ أَبِى رَبِيعَةَ، قال أحمد: متروك. وَقَال النَّسَائي: لَيْسَ بالقوي. وقال يحيى بْن مَعِين: صالح. وَقَال أبو حَاتِم: شيخ. وذكره ابنُ حِبَّان فِي كتاب "الثقات".
(5) حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف بن واهب بن العكيم الأَنْصارِيّ الأوسي المدني.
قال مُحَمَّد بْن سعد: كان قليل الحديث، ولا يحتجون بحديثه. وقال العجلي: مدني ثقة.
وذكره أَبُو حَاتِم بْن حبان فِي كتاب "الثقات".
(6) نَافِع بن جُبَيْرِ بن مُطْعِمٍ، وثقه العجلي وأبو زرعة وجماعة.
[شرح الحديث]
للصَّلاةِ مواقيتٌ محدَّدةٌ علَّمها جبريلُ عليه السَّلامُ للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وعلَّمها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لأصحابِه رضِيَ اللهُ عنهم، وعلَّمها الصحابةُ لِمَن بعدَهم.
وفي هذا الحديثِ يقولُ النبيُّ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّم: "أمَّني جِبريلُ عندَ البَيتِ مرَّتينِ"، أي: إنَّ جِبريلَ عليه السَّلامُ صلَّى إِمامًا بالنبيِّ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّم يَومينِ، في كُلِّ يومٍ الخمسَ صلَواتٍ يُعلِّمُه فيها كيفيَّتَها ومَوعِدَها وميقاتَها، يقولُ النبيُّ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّم: "فصلَّى بي الظُّهرَ حينَ زالَتِ الشَّمسُ وكانتْ قَدرَ الشِّراكِ"، أي: وكانَ الظِّلُّ فيها بمثلِ طُولِ شِراكِ النَّعلِ، وهوَ يدلُّ على القَدرِ اليَسيرِ من الفَيْءِ، وهذا هوَ أولُ وَقتِ الظُّهرِ.
ثم قال "وَصَلَّى بِىَ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ " أي عندَما كانَ طولُ ظِلِّ كلِّ شيءٍ مِثلَه، فهذا وقتُ أوَّلِ صلاةِ العَصرِ.
ثم قال: "وصلَّى بي يَعني المغربَ حينَ أفطرَ الصائمُ"، أي: في أوَّلِ وَقتِ مَغيبِ الشَّمسِ، "وصلَّى بي العِشاءَ حينَ غابَ الشَّفَقُ"، أي: الحمرةُ التي تكونُ بعدَ غُروبِ الشَّمسِ ومغيبِها، وهو أوَّلُ وقتِ العِشاءِ، "وصلَّى بي الفَجرَ حينَ حرُمَ الطعامُ والشرابُ على الصَّائمِ"، أي: طُلوعُ الفَجرِ الثاني أو ما يُعرَف بالفَجرِ الصَّادقِ وهوَ ظُهورُ الضَّوءِ المستعرضِ في السماء.
ثم قال: " فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ صَلَّى بِىَ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ " وهو آخر وقت الظهر. وأول وقت العصر.
ثم قال: " وَصَلَّى بِىَ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَيْهِ " أي الظل أطول مرتين من الطول الحقيقي.
ثم قال: " وَصَلَّى بِىَ الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ " أي عند مغيب الشمس. يعني لم يؤخر المغرب.
ثم قال: "وصلَّى بي العِشاءَ إلى ثُلثِ اللَّيلِ"، أي: أخَّرَها إلى ذلكَ الوَقتِ، ويستحب تأخير الإمام لها لو تيسر ذلك للمصلين، وآخر وقت العشاء منتصف الليل.
ثم قال: " وَصَلَّى بِىَ الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ" أي حين أسفر الصبح وظهر ضوء النهار إلا أنه لم تطلع الشمس.
ثم قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّم: "ثم التفتَ إليَّ"، أي: توجَّهَ جِبريلُ عليهِ السلامُ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّم، وقالَ: "يا محمدُ، هذا وقتُ الأَنبياءِ من قَبلِكَ، والوقتُ ما بينَ هذينِ الوَقتينِ"، أي: إنَّ وقتَ كلِّ صلاةٍ ما بينَ أوَّلِ وقتِها كما بيَّنه في اليومِ الأولِ، وبينَ آخرِ وقتِها كما بيَّنه في اليومِ الثاني؛ فالصَّلاةُ في أولِه ووسطِه وآخرِهِ.
***********************
394 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِىُّ (1) حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ (2) عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ اللَّيْثِىِّ (3) أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ (4) أَخْبَرَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ قَاعِدًا عَلَى الْمِنْبَرِ فَأَخَّرَ الْعَصْرَ شَيْئًا فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَمَا إِنَّ جِبْرِيلَ -صلى الله عليه وسلم- قَدْ أَخْبَرَ مُحَمَّدًا -صلى الله عليه وسلم- بِوَقْتِ الصَّلاَةِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ اعْلَمْ مَا تَقُولُ.
فَقَالَ عُرْوَةُ (5) سَمِعْتُ بَشِيرَ بْنَ أَبِى مَسْعُودٍ (6) يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ الأَنْصَارِىَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: «نَزَلَ جِبْرِيلُ -صلى الله عليه وسلم- فَأَخْبَرَنِى بِوَقْتِ الصَّلاَةِ فَصَلَّيْتُ مَعَهُ ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ». يَحْسُبُ بِأَصَابِعِهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- صَلَّى الظُّهْرَ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ وَرُبَّمَا أَخَّرَهَا حِينَ يَشْتَدُّ الْحَرُّ وَرَأَيْتُهُ يُصَلِّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ قَبْلَ أَنْ تَدْخُلَهَا الصُّفْرَةُ فَيَنْصَرِفُ الرَّجُلُ مِنَ الصَّلاَةِ فَيَأْتِى ذَا الْحُلَيْفَةِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَيُصَلِّى الْمَغْرِبَ حِينَ تَسْقُطُ الشَّمْسُ وَيُصَلِّى الْعِشَاءَ حِينَ يَسْوَدُّ الأُفُقُ وَرُبَّمَا أَخَّرَهَا حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ وَصَلَّى الصُّبْحَ مَرَّةً بِغَلَسٍ ثُمَّ صَلَّى مَرَّةً أُخْرَى فَأَسْفَرَ بِهَا ثُمَّ كَانَتْ صَلاَتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ التَّغْلِيسَ حَتَّى مَاتَ وَلَمْ يَعُدْ إِلَى أَنْ يُسْفِرَ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الزُّهْرِىِّ مَعْمَرٌ وَمَالِكٌ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِى حَمْزَةَ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا الْوَقْتَ الَّذِى صَلَّى فِيهِ وَلَمْ يُفَسِّرُوهُ.
وَكَذَلِكَ أَيْضًا رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ وَحَبِيبُ بْنُ أَبِى مَرْزُوقٍ عَنْ عُرْوَةَ نَحْوَ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ وَأَصْحَابِهِ إِلاَّ أَنَّ حَبِيبًا لَمْ يَذْكُرْ بَشِيرًا وَرَوَى وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- وَقْتَ الْمَغْرِبِ قَالَ ثُمَّ جَاءَهُ لِلْمَغْرِبِ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ - يَعْنِى مِنَ الْغَدِ - وَقْتًا وَاحِدًا.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَكَذَلِكَ رُوِىَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ ثُمَّ صَلَّى بِىَ الْمَغْرِبَ يَعْنِى مِنَ الْغَدِ وَقْتًا وَاحِدًا وَكَذَلِكَ رُوِىَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مِنْ حَدِيثِ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم-.
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه البخاري مالك في الموطأ (1) (521)، (3221)، (4007) ومسلم (610) والنسائي (494) وابن ماجه (668) والحميدي (456) وأحمد (17089) (22353) والدارمي (1223).
[تراجم الإسناد]
(1) محمد بن سلمة بن عبد الله المرادي أبو الحارث المصري. وكان من ثقات المصريين وفضلائهم. ذكره النَّسَائي فقال: كان ثقة ثقة.
(2) عبد الله بن وهب المصري، ثقة حافظ.
(3) أُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ أَبُو زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ، قَالَ يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ. وَقَالَ النَّسَائِيُّ: لَيْسَ بِالقَوِيِّ. وَقَال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به.
وقال أحمد: ليس بشيءٍ. استشهد به البخاري في "الصحيح"، وروى له في "الأدب"، وروى له الباقون.
(4) ابن شهاب الزهري.
(5) عروة بن الزبير بن العوام.
(6) بشير بن أبي مسعود الأنصاري، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، ولأبيه صحبة، قال أبو بكر بن حزم: له ولأبيه صحبة.
(7) أبو مسعود البدري الأنصاري، عُقْبَةُ بنُ عَمْرِو بنِ ثَعْلَبَةَ، ولم يكن بدريًّا بل سكن ماءً ببدْر فنسب إليه.
[شرح الحديث]
في الحديث يقول أبو مسعود رضي الله عنه: " صَلَّى الظُّهْرَ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ وَرُبَّمَا أَخَّرَهَا حِينَ يَشْتَدُّ الْحَرُّ " وزوال الشمس أي ميلها جهة الغروب بعد التعامد في وسط السماء، واول الزوال هو أول وقت الظهر.
ثم يقول: " وَرَأَيْتُهُ يُصَلِّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ قَبْلَ أَنْ تَدْخُلَهَا الصُّفْرَةُ فَيَنْصَرِفُ الرَّجُلُ مِنَ الصَّلاَةِ فَيَأْتِى ذَا الْحُلَيْفَةِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ"
بيضاء أي: نَقيَّةٌ وقَبلَ أنْ يَشوبَها الغروبُ بالصَّفارِ، فيأتي ذا الحُليفَةِ"، أي: ماشيًا، وذو الحُليفةِ: قريةٌ بينها وبين المدينةِ سِتَّةُ أميالٍ أو سبعَةٌ، أي: حوالي (10 كم)، وهي مِيقاتُ أهلِ المدينةِ، "قبلَ غُروبِ الشَّمسِ"، أي: قبلَ أنْ يدخُلَ وقتُ المغرِبِ، وهذا تَقديرٌ بالسَّيرِ؛ لتَحديدِ وَقتِ العَصرِ.
ثم قال: "وَيُصَلِّى الْمَغْرِبَ حِينَ تَسْقُطُ الشَّمْسُ" أي عند مغيب الشمس.
ثم قال " وَيُصَلِّى الْعِشَاءَ حِينَ يَسْوَدُّ الأُفُقُ" أي عند مغيب الشفق الأحمر، والشفق الأحمر هو الإحمرار الذي يكون حول الشمس عند الغروب ويستمر بعد غروبها.
ثم قال " وَرُبَّمَا أَخَّرَهَا حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ " أي كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤخر العشاء أحيانا حتى يجتمع الناس.
ثم قال " وَصَلَّى الصُّبْحَ مَرَّةً بِغَلَسٍ ثُمَّ صَلَّى مَرَّةً أُخْرَى فَأَسْفَرَ بِهَا ثُمَّ كَانَتْ صَلاَتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ التَّغْلِيسَ حَتَّى مَاتَ وَلَمْ يَعُدْ إِلَى أَنْ يُسْفِرَ".
والغلس هو الظلام يعني كان يصلي الفجر أول وقته. وهذا أكثر فعله صلى الله عليه وسلم.
والإسفار: هو الاتضاح أي وضوح ضوء النهار. وهو آخر وقت الصبح. وفي حديث رافع بن خديج عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَسفِروا بالفجرِ، فكلما أسفرتُم بالفجرِ فهو أعظمُ للأجرِ " [أخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (1066)، وأبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (2653)] وبنحوه ولفظه "أصبِحوا بالصبحِ فإنه أعظمُ لأجورِكم أو أعظمُ للأجرِ" [أخرجه أبو داود (424)، وابن ماجه (672)، وأحمد (17296)].
**********************
395 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ (1) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ (2) حَدَّثَنَا بَدْرُ بْنُ عُثْمَانَ (3) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى مُوسَى (4) عَنْ أَبِى مُوسَى أَنَّ سَائِلاً سَأَلَ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا حَتَّى أَمَرَ بِلاَلاً فَأَقَامَ لِلْفَجْرِ حِينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ فَصَلَّى حِينَ كَانَ الرَّجُلُ لاَ يَعْرِفُ وَجْهَ صَاحِبِهِ أَوْ إِنَّ الرَّجُلَ لاَ يَعْرِفُ مَنْ إِلَى جَنْبِهِ ثُمَّ أَمَرَ بِلاَلاً فَأَقَامَ الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ حَتَّى قَالَ الْقَائِلُ انْتَصَفَ النَّهَارُ. وَهُوَ أَعْلَمُ ثُمَّ أَمَرَ بِلاَلاً فَأَقَامَ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ مُرْتَفِعَةٌ وَأَمَرَ بِلاَلاً فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ وَأَمَرَ بِلاَلاً فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ صَلَّى الْفَجْرَ وَانْصَرَفَ فَقُلْنَا أَطَلَعَتِ الشَّمْسُ، فَأَقَامَ الظُّهْرَ فِى وَقْتِ الْعَصْرِ الَّذِى كَانَ قَبْلَهُ وَصَلَّى الْعَصْرَ وَقَدِ اصْفَرَّتِ الشَّمْسُ - أَوْ قَالَ أَمْسَى - وَصَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ وَصَلَّى الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ ثُمَّ قَالَ «أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلاَةِ الْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ رَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- فِى الْمَغْرِبِ بِنَحْوِ هَذَا قَالَ ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ قَالَ بَعْضُهُمْ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِلَى شَطْرِهِ. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم-.
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه مسلم (613) والترمذي (152) والنسائي (519) وابن ماجه (667) وأحمد (22955) وابن الجارود في المنتقى (151) وابن خزيمة في الصحيح (323) وابن حبان (1492) (1525).
[تراجم الإسناد]
(1) مسدد بن مسرهد البصري.
(2) عَبْدُ اللهِ بنُ دَاوُدَ بنِ عَامِرِ بنِ رَبِيْعٍ (روى له البخاري والأربعة)، الإِمَامُ، الحَافِظُ، القُدْوَةُ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الهَمْدَانِيُّ، ثُمَّ الشَّعْبِيُّ، الكُوْفِيُّ، ثُمَّ البَصْرِيُّ، المَشْهُوْرُ بِالخُرَيْبِيِّ؛ لِنُزُولِهِ مَحَلَّةَ الخُرَيْبَةِ بِالبَصْرَةِ. من سير أعلام النبلاء (17/ 359).
- قال ابن حجر في التقريب (2/ 412): أبو عبد الرحمن الخُرَيبي بمعجمة وموحدة مصغرا، كوفي الأصل، ثقةٌ عابد، من التاسعة، مات سنة ثلاث عشرة، وله سبع وثمانون سنة، أمسك عن الرواية قبل موته، فلذلك لم يسمع منه البخاري.
(3) بدر بن عثمان القرشي الأُمَوِي. الكوفي، مولى عثمان بْن عفان. قال يحيى بن مَعِين: ثقة. وَقَال النَّسَائي: ليس به بأس.
(4) أَبُو بكر بْن أَبي موسى الأشعري الكوفي. واسمه عمرو، ذكره ابنُ حِبَّان في كتاب "الثقات". قال ابن سعد: كَانَ قَلِيلَ الْحَدِيثِ يُسْتَضْعَفُ. وقال العجلي: "كوفي تابعي ثقة"، وقال ابن حجر: ثقة.
[شرح الحديث]
يقول أبو موسى الأشعري رضي الله عنه أَنَّ سَائِلاً سَأَلَ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- أي عن المواقيت، "فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا حَتَّى أَمَرَ بِلاَلاً " وبلال بن رباح مؤذن الرسول صلى الله عليه وسلم، فأجاب النبي صلى الله عليه وسلم ببيان المواقيت بالفعل لا بالقول، وفيه التعليم بالفعل وهو آكد في البيان، " فَأَقَامَ لِلْفَجْرِ حِينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ" أي فأقام لصلاة الفجر حين انشق الفجر أي في أول الوقت بغلس.
قال " فَصَلَّى حِينَ كَانَ الرَّجُلُ لاَ يَعْرِفُ وَجْهَ صَاحِبِهِ أَوْ إِنَّ الرَّجُلَ لاَ يَعْرِفُ مَنْ إِلَى جَنْبِهِ" وهذا دليل على الصلاة في أول الوقت.
ثم قال: " ثُمَّ أَمَرَ بِلاَلاً فَأَقَامَ الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ حَتَّى قَالَ الْقَائِلُ انْتَصَفَ النَّهَارُ" أي أقام للظهر أول الوقت بعد زوال الشمس عن تعامدها إلى جهة الغروب، وهو منتصف النهار.
ثم قال: " ثُمَّ أَمَرَ بِلاَلاً فَأَقَامَ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ مُرْتَفِعَةٌ" أي الشمس نقية بيضاء لم يصفر ضوؤها وهو اول وقت العصر حين يصير ظل كل شيء مثله كما تقدم.
ثم قال: "وَأَمَرَ بِلاَلاً فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ" أي لم يكن يؤخر المغرب.
ثم قال: "وَأَمَرَ بِلاَلاً فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ" والشفق هو اللون الأحمر يكون حول الشمس عند الغروب، فإذا غاب وانتهى، فهذا اول وقت العشاء.
قال " فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ صَلَّى الْفَجْرَ وَانْصَرَفَ فَقُلْنَا أَطَلَعَتِ الشَّمْسُ" أي صلى بإسفار ما لم تطلع الشمس. فطلوع الشمس آخر وقت الفجر.
قال " فَأَقَامَ الظُّهْرَ فِى وَقْتِ الْعَصْرِ الَّذِى كَانَ قَبْلَهُ " أي أخر الظهر لآخر وقته الذي يكون بعده مباشرة أول صلاة العصر. وهو صيرورة ظل كل شيء مثله.
قال " وَصَلَّى الْعَصْرَ وَقَدِ اصْفَرَّتِ الشَّمْسُ - أَوْ قَالَ أَمْسَى -" يعني أخر العصر لأخر وقته قبل المغرب إذا اصفرت الشمس، وآخر وقت العصر هو إدراك ركعة من العصر قبل غروب الشمس. لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن أدرك مِن الصبح ركعةً قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح، ومَن أدرك ركعةً مِن العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر))؛ متفق عليه.
ثم قال " وَصَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ وَصَلَّى الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ " يعني صلى المغرب أول وقته ولم يؤخره، وأخر العشاء إلى ثلث الليل. ويحسب ثلث الليل من ساعة الغروب إلى الفجر ويقسم الوقت هذا على ثلاثة. فيكون الثلث الأول أوله أذان المغرب ويضاف عليه عدد الساعات خارج القسمة فيكون تلك الساعة هي آخر الثلث الأول.
وآخر وقت العشاء منتصف الليل وسيأتي في الحديث التالي.
***************************
396 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ (1) حَدَّثَنَا أَبِى (2) حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (3) عَنْ قَتَادَةَ (4) سَمِعَ أَبَا أَيُّوبَ (5) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ «وَقْتُ الظُّهْرِ مَا لَمْ تَحْضُرِ الْعَصْرُ وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَسْقُطْ فَوْرُ الشَّفَقِ وَوَقْتُ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ وَوَقْتُ صَلاَةِ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ».
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه مسلم (612) والنسائي (522) وأحمد (6966) (6993) (7077) وأبو داود الطيالسي (2363) وابن أبي شيبة في "المصنف" (3228) وابن خزيمة في "الصحيح" (326) (354) وابن حبان في "صحيحه" (1473).
[تراجم الإسناد]
(1) عبيد الله بن معاذ بن معاذ بن نصر بن حسان، أبو عمرو العنبري البصري. قال أبو حاتم الرازي: ثقة.
(2) معاذ بن معاذ، أبو المثنى العنبري البصري. قال يحيى بن معين، وأبو حاتم الرازي: ثقة.
(3) شعبة بن الحجاج، أحد الثقات الأعلام.
(4) قتادة بن دعامة السدوسي البصري صاحب أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه كان حافظ عصره وهو مشهور بالتدليس وصفه به النسائي وغيره.
قال الذهبي: وَهُوَ حُجّةٌ بِالإِجْمَاعِ إِذَا بَيَّنَ السَّمَاعَ، فَإِنَّهُ مُدَلِّسٌ مَعْرُوْفٌ بِذَلِكَ، وَكَانَ يَرَى القَدَرَ - نَسْأَلُ اللهَ العَفْوَ.
(5) أبو أيوب المراغى الأزدى العتكى البصرى، اسمه يحيى بن مالك، و يقال حبيب بن مالك، قال النَّسَائي: ثقة. وذكره ابنُ حِبَّان في كتاب "الثقات".
[شرح الحديث]
أفاد حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن صلاة العشاء إلى منتصف الليل، وأخرج البخاري (572) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: " أَخَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلاَةَ العِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ صَلَّى".
وأخرج البخاري (547) ومسلم (461) (647) وأبو داود (398) واللفظ لمسلم عن أبي برزة رضي الله عنه وقد سئل عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: " كَانَ لَا يُبَالِي بَعْضَ تَأْخِيرِهَا - قَالَ: يَعْنِي الْعِشَاءَ - إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، وَلَا يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَلَا الْحَدِيثَ بَعْدَهَا ".
فهذه الأحاديث صريحة في تأخير العشاء إلى نصف الليل.
والليل يبدأ بغروب الشمس إلى طلوع الفجر، فإذا كان الليل عشر ساعات بمضي خمس من الليل انتهى النصف، وإذا كان الليل اثنى عشر بمضي ست ساعات انتهى النصف، فعلى المسلم ألا يؤخر الصلاة بعد النصف.
مذاهب العلماء في آخر وقت العشاء:
القول الأول: يمتدُّ وقتُ صلاةِ العِشاءِ الاختياريُّ إلى نِصفِ اللَّيلِ، والضروريُّ إلى طلوعِ الفجرِ، وهو روايةٌ عن الإمامِ أحمدَ، وبه قال الشافعيُّ في القديم، وهو قولُ ابنِ حَبيبٍ، وابنِ المَوَّازِ من المالكيَّة، واختارَه ابنُ قُدامةَ، وابنُ تيميَّة، والشوكانيُّ، وابنُ باز.
وقال الكاساني في "بدائع الصنائع" وهو حنفي: وأما آخر وقت العشاء فحين يطلع الفجر الصادق عندنا. انتهى.
وقال محمد عليش في "منح الجليل" وهو مالكي: وينتهي مختار العشاء لآخر (الثلث الأول) من الليل من غروب الشمس، وقيل: اختياريها ممتد للفجر فلا ضرورة لها. انتهى.
وقال النووي في "المجموع" وهو شافعي متحدثاً عن وقتها أيضاً: فالمراد بالثلث أنه آخر وقت الابتداء بها، والمراد بالنصف أنه آخر وقت الانتهاء وهذا الطريق غريب، والمختار ثلث الليل، فإذا ذهب وقت الاختيار بقي وقت الجواز إلى طلوع الفجر الثاني، هذا هو المذهب، نص عليه الشافعي وقطع به جمهور أصحابنا المتقدمين والمتأخرين. انتهى.
وقال الطحاوي في "مشكل الآثار" وهو حنفي: فثبت بتصحيح هذه الآثار، أن أول وقت العشاء الآخرة، من حيث يغيب الشفق إلى أن يمضي الليل كله، ولكنه على أوقات ثلاثة. فأما من حين يدخل وقتها إلى أن يمضي ثلث الليل، فأفضل وقت صليت فيه. وأما من بعد ذلك إلى أن يتم نصف الليل، ففي الفضل دون ذلك. وأما بعد نصف الليل ففي الفضل دون كل ما قبله. انتهى.
القول الثاني: يمتدُّ وقتُ صلاةِ العِشاءِ إلى نِصف اللَّيلِ، ولا يُوجَدُ وقتُ اختيارٍ وضرورةٍ، وهذا اختيارُ ابنِ حَزمٍ الظاهريِّ، ومحتمَلُ قولِ الشافعيِّ، وبه قال أبو سعيدٍ الإصطخريُّ من الشافعيَّة، وابنُ عُثيمين، والألبانيُّ.
والله الموفق
شرحه / أبو عاصم البركاتي المصري الأثري
[الدر المعقود لشرح سنن أبي داود]