الحديث رقم ٥١ :
:: متن الحديث ::
عن ابنِ مسعودٍ – رضي الله عنه – عن النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – قال:
«إنَّ الصِّدقَ يَهدي إلى البرِّ، وإنَّ البرَّ يَهدي إلى الجنةِ، وإنَّ الرجلَ ليَصدُقُ حتى يُكتَبَ عندَ اللهِ صدِّيقًا، وإنَّ الكذبَ يَهدي إلى الفجورِ، وإنَّ الفجورَ يَهدي إلى النارِ، وإنَّ الرجلَ ليكذِبُ حتى يُكتَبَ عندَ اللهِ كذَّابًا».
مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. (١)
:: ترجمة الراوي ::
عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي رضي الله عنه، من كبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن السابقين الأولين إلى الإسلام، أسلم قديمًا قبل دخول النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم، وهاجر الهجرتين إلى الحبشة ثم إلى المدينة، ولازم النبي صلى الله عليه وسلم ملازمة تامة حتى كان صاحب نعله وسواكه ووساده، وشهد بدرًا وسائر المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كان رضي الله عنه من أعلم الصحابة بالقرآن الكريم، حتى قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن يقرأ القرآن غضًّا كما أُنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد»، وكان من أفقه الصحابة في الحلال والحرام، وأخذ عنه كبار التابعين بالكوفة.
عُرف بالزهد والورع وشدة الاتباع للسنة، وكان قويًا في الحق، ناصحًا للأمة، له منزلة عظيمة في القضاء والتعليم، وكان من أعمدة الفتوى في الكوفة.
أجمع الصحابة والتابعون على فضله وعلمه، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يثني عليه ويقدّمه، وقال عنه: «كنيف ملئ علمًا».
توفي رضي الله عنه بالكوفة سنة اثنتين وثلاثين للهجرة، بعد حياة حافلة بالعلم والجهاد والتعليم.
:: تخريج الحديث ::
أخرجه الإمام البخاري في صحيحه في كتاب الأدب، وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه في كتاب البر والصلة والآداب، وهو حديث متفق عليه، تلقته الأمة بالقبول، ويُعد من الأحاديث الجامعة في تهذيب الأخلاق وبناء السلوك الإيماني، وهو أصل عظيم في بيان أثر الصدق والكذب على مصير الإنسان في الدنيا والآخرة.
:: الإسناد ::
إسناد الحديث عند الإمام البخاري:
قال البخاري: حدّثنا آدم
قال حدّثنا شعبة
عن منصور
عن أبي وائل شقيق بن سلمة
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه
عن النبي صلى الله عليه وسلم.
إسناد متصل صحيح، رجاله أئمة حفاظ، احتجّ بهم الشيخان.
:: تحقيق رجال الإسناد ::
١. آدم بن أبي إياس العسقلاني *
قال أحمد بن حنبل: صدوق
قال يحيى بن معين: ثقة
قال النسائي: ليس به بأس
قال ابن حجر: صدوق
قال الذهبي: الحافظ
٢. شعبة بن الحجاج *
قال شعبة: أنا أمير المؤمنين في الحديث
قال أحمد بن حنبل: شعبة أحفظ الناس
قال يحيى بن معين: شعبة أثبت من سفيان
قال ابن حجر: ثقة حافظ متقن
قال الذهبي: الإمام الحافظ
٣. منصور بن المعتمر *
قال أحمد بن حنبل: ثقة ثبت
قال يحيى بن معين: ثقة
قال النسائي: ثقة
قال ابن حجر: ثقة ثبت
قال الذهبي: الإمام القدوة
٤. أبو وائل شقيق بن سلمة *
قال أحمد بن حنبل: ثقة
قال ابن معين: ثقة
قال النسائي: ثقة
قال ابن حجر: ثقة مخضرم
قال الذهبي: من كبار التابعين
٥. عبد الله بن مسعود رضي الله عنه **
قال عمر بن الخطاب: كنيف ملئ علمًا
قال علي بن أبي طالب: كنز من كنوز العلم
قال ابن حجر: الإمام الحبر
قال الذهبي: من أعلام الأمة
قال النووي: مجمع على فضله
:: معاني الكلمات الغريبة ::
البر أي اسم جامع لكل خير وطاعة وإحسان
الفجور أي الميل عن الحق والانغماس في المعاصي
صديقًا أي بالغ الغاية في الصدق
كذابًا أي ملازمًا للكذب معتادًا له
:: الشرح المفصل للحديث ::
يبين النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الأخلاق والسلوك، وهي أن الأعمال لا تقف عند حدود الفعل الظاهر، بل تمتد آثارها إلى القلب، ثم إلى المصير الأخروي.
فالصدق ليس مجرد قول يقال باللسان، بل هو منهج حياة، يضبط الأقوال والأفعال والنيات، ولذلك جعله النبي صلى الله عليه وسلم طريقًا موصلًا إلى البر، والبر طريقًا موصلًا إلى الجنة.
وفي قوله «وإن الرجل ليصدق حتى يُكتب عند الله صديقًا» بيان أن الصدق إذا لازم العبد واستقر في حياته صار صفة راسخة له، حتى يرفعه الله بها إلى أعلى منازل الصادقين.
ثم قابل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بالكذب، فبيّن أن الكذب ليس مجرد زلة لسان، بل باب يفتح على الفجور، والفجور يقود حتمًا إلى النار، لأن الكذب يفسد القلب، ويجرّ صاحبه إلى الجرأة على المعاصي.
وفي قوله «حتى يُكتب عند الله كذابًا» تحذير شديد من الاستهانة بالكذب، لأن الاعتياد عليه يُسجَّل على العبد صفة دائمة، فيكون معروفًا بها عند الله.
والحديث يربي المسلم على مراقبة العواقب، فكل خلق له ثمرة، وكل طريق له نهاية، فمن اختار الصدق اختار طريق الجنة، ومن استسهل الكذب فقد فتح على نفسه باب الهلاك.
:: الفروع الفقهية المستنبطة من الحديث ::
١. وجوب التزام الصدق في الأقوال والأفعال *
قال النووي: الصدق أصل الإيمان.
الشرح: الصدق واجب شرعًا لأنه أساس الثقة واستقامة الدين، ولا يستقيم إيمان العبد مع اعتياد الكذب، بل كل طاعة تبنى على صدق النية والقول والعمل.
٢. تحريم الكذب إلا فيما استثناه الشرع *
قال ابن حجر: الكذب أصل كل فجور.
الشرح: الحديث يدل على أن الكذب محرم لما يترتب عليه من مفاسد، ولا يُرخَّص فيه إلا في مواضع محدودة بضوابط شرعية.
٣. أن الأخلاق تقود إلى المصير الأخروي *
قال ابن القيم: الأخلاق بريد الأعمال.
الشرح: الحديث يربط بين الخلق والجزاء، فالصدق طريق الجنة، والكذب طريق النار، مما يدل على خطورة السلوك الأخلاقي في ميزان الآخرة.
٤. أن الاعتياد يحوّل الفعل إلى صفة *
قال الغزالي: الأعمال إذا تكررت صارت أخلاقًا.
الشرح: تكرار الصدق أو الكذب يجعل ذلك صفة ملازمة للعبد، فيُكتب عند الله بحسب ما استقر عليه حاله.
٥. فضل منزلة الصديقين *
قال ابن تيمية: الصديقية أعلى مقامات الأولياء.
الشرح: الحديث يبين أن الصدق المستمر يرفع العبد إلى منزلة الصديقين، وهي منزلة عظيمة بعد النبوة.
٦. خطورة الاستهانة بالذنوب اللسانية *
قال القرطبي: أكثر خطايا ابن آدم من لسانه.
الشرح: الحديث يحذر من الكذب لأنه يبدأ صغيرًا ثم يقود إلى فجور عظيم ونار أليمة.
٧. أن الأعمال تُقيَّم بالخواتيم والاستمرار *
قال ابن رجب: العبرة بما يموت عليه العبد.
الشرح: كتابة العبد صديقًا أو كذابًا تكون بعد لزوم الفعل، مما يدل على أهمية الثبات والاستمرار.
:: الدروس المستفادة ::
١. الصدق طريق النجاة في الدنيا والآخرة.
٢. الكذب سبب للانحراف والضلال.
٣. الأخلاق تؤثر في المصير الأخروي.
٤. تكرار الذنب يحوله إلى صفة.
٥. مراقبة الله في اللسان واجبة.
٦. صلاح القلب يبدأ بصدق اللسان.
٧. الجنة والنار لهما طرق واضحة.