الدر المعقود بشرح سنن أبي داود
شرح سنن أبي داود السجستاني ، الأحاديث (489) (490)(491)(492)(493)
24 - باب فِى الْمَوَاضِعِ الَّتِى لاَ تَجُوزُ فِيهَا الصَّلاَةُ.
489 - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ (1) حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (2) عَنِ الأَعْمَشِ (3) عَنْ مُجَاهِدٍ (4) عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ (5) عَنْ أَبِى ذَرٍّ (6) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «جُعِلَتْ لِىَ الأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا».
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه ابن أبي شيبة (7755) (31650) وأحمد (21299) (21314) والدارمي (2510) وأبو بكر الخلال في السنة (1178) وابن حبان (6462) والحاكم في المستدرك (3587) وقال: «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ بِهَذِهِ السِّيَاقَةِ إِنَّمَا أَخْرَجَا أَلْفَاظًا مِنَ الْحَدِيثِ مُتَفَرِّقَةً».
وأخرج البخاري (438) واللفظ له، ومسلم (521) عن جَابِر بن عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِي الغَنَائِمُ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ ".
[تراجم الإسناد]
(1) عُثْمَان بْن مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن عُثْمَان أَبُو الحسن العبسي الكوفي، المعروف بابن أَبِي شيبة.
(2) جرير بن عبد الحميد الضبي.
(3) سليمان بن مهران الأعمش.
(4) مجاهد بن جبر الإِمَامُ، شَيْخُ القُرَّاءِ وَالمُفَسِّرِيْنَ، أَبُو الحَجَّاجِ المَكِّيُّ، الأَسْوَدُ، مَوْلَى السَّائِبِ بنِ أَبِي السَّائِبِ المَخْزُوْمِيِّ.
رَوَى عَنِ: ابْنِ عَبَّاسٍ - فَأَكْثَرَ وَأَطَابَ - وَعَنْهُ أَخَذَ القُرْآنَ، وَالتَّفْسِيْرَ، وَالفِقْهَ. وروى عن عدد من الصحابة، قَالَ يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ، وَطَائِفَةٌ: مُجَاهِدٌ ثِقَةٌ.
(5) عبيد بن عمير ابن قتادة الليثي الجندعي المكي، الواعظ المفسر ولد في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كان من ثقات التابعين وأئمتهم بمكة، وكان يذكر الناس، فيحضر ابن عمر -رضي الله عنهما- مجلسه.
(6) أبو ذر الغفاري جندب بن جنادة رضي الله عنه. كان رأسا في الزهد، والصدق، والعلم والعمل، قوالا بالحق، لا تأخذه في الله لومة لائم.
[شرح الحديث]
هذا الحديث الشريف يوضح جزءا من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم وأمته، ومعناه أن الله جعل الأرض كلها مكانًا صالحًا للصلاة (مسجدًا) في أي بقعة طاهرة، وتربتها وسيلة للطهارة (طهورًا) بالتيمم عند فقد الماء. هي منّة إلهية تيسر العبادة في أي مكان، فأينما أدركت الصلاة مسلمًا فليصلِّ.
وفي الحديث: بيان جواز الطهارة في أي بقعة طاهرة إلا ما استثني، كالنهي عن الصَّلَاةِ فِي الْمَقَابِرِ وَالْأَعْطَانِ وَالْحَمَّامِ كما سيأتي.
في الحديث: مشروعية التيمم بالصعيد الطاهر عند فقد الماء.
وفيه: بيان منة الله تعالى على المسلمين.
وفيه: إن الإسلام دين التيسير عند الحرج، قال تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا. إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}.
**************************************
490 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ (1) أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ (2) قَالَ حَدَّثَنِى ابْنُ لَهِيعَةَ (3) وَيَحْيَى بْنُ أَزْهَرَ (4) عَنْ عَمَّارِ بْنِ سَعْدٍ الْمُرَادِىِّ (5) عَنْ أَبِى صَالِحٍ الْغِفَارِىِّ (6) أَنَّ عَلِيًّا - رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ - مَرَّ بِبَابِلَ وَهُوَ يَسِيرُ فَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ يُؤَذِّنُ بِصَلاَةِ الْعَصْرِ فَلَمَّا بَرَزَ مِنْهَا أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ فَأَقَامَ الصَّلاَةَ فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ إِنَّ حَبِيبِى -صلى الله عليه وسلم- نَهَانِى أَنْ أُصَلِّىَ فِى الْمَقْبُرَةِ وَنَهَانِى أَنْ أُصَلِّىَ فِى أَرْضِ بَابِلَ فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ.
- ---------------------------------•
ضعيف:
أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (1003) والبيهقي في الكبرى (4364) (4365) وإسناده ضعيف لانقطاعه فأبو صالح الغفاري، قال ابن يونس: يروي عن علي بن أبي طالب، وما أظنه سمع من علي.
[تراجم الإسناد]
(1) سليمان بن داود بن حماد المهري أبو الربيع المصري وثقه النسائي، قال أبو داود: قَلَّ مَنْ رأيتُ في فضله.
(2) عبد الله بن وهب بن مسلم
(3) عبد الله بن لهيعة بن عقبة الحضرمى المصرى الفقيه القاضى، صدوق في نفسه غير متهم بالكذب ولم يقصد الكذب، وإنما جاء ضعفه واختلاطه أنه حدث من حفظه بعد احتراق كتبه، وقد أنصفه الحاكم بقوله: "لم يقصد الكذب إنما حدث من حفظه بعد احتراق كتبه فأخطأ". والعمل على تضعيفه لسوء حفظه واختلاطه، ضعفه ابن مهدي وابن معين ويحيى بن سعيد وآخرون.
(4) يَحْيَى بْنُ أَزْهَرَ الْمِصْرِيُّ. وَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ. و قال أبو الفتح الأزدي: لا يكتب حديثه. وقال الذهبي في (ديوان الضعفاء): مجهول.
(5) عَمَّارُ بْنُ سَعْدٍ الْمُرَادِيُّ، وَقِيلَ: التُّجِيبِيُّ الْمِصْرِيُّ. ذكره ابنُ حِبَّان فِي كتاب "الثقات. وقال ابن حجر: مقبول.
(6) سعيد بن عبد الرحمن أبو صالح الغفاري. قال أحمد بن صالح العجلي: تابعي ثقة، لم يسمع من علي رضي الله عنه.
[شرح الحديث]
قوله: " أَنَّ عَلِيًّا - رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ - مَرَّ بِبَابِلَ (مدينة) وَهُوَ يَسِيرُ فَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ يُؤَذِّنُ بِصَلاَةِ الْعَصْرِ فَلَمَّا بَرَزَ مِنْهَا أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ فَأَقَامَ الصَّلاَةَ " يعني لم يصل حتى خرج من بابل، ثم قال " نَهَانِى (أي رسول الله صلى الله عليه وسلم) أَنْ أُصَلِّىَ فِى الْمَقْبُرَةِ "، قال الإمام الشافعي -رحمه الله- في الأم (1/ 113): المقبرة: الموضع الذي يقبر فيها العامة، وذلك كما وصَفتُ مختلطة بالتراب بالموتى، وأما صحراء لم يقبر فيها قط، قبر فيها قوم مات لهم ميت ثم لم يحرك القبر، فلو صلى رجل إلى جنب ذلك القبر أو فوقه كرهته له، ولم آمره يعيد لأن العلم يحيط بأن التراب طاهر لم يختلط فيه شيء. اهـ
والمذهب المعتمد عند الحنابلة هو أن الصلاة في المقبرة لا تصح.
قال المرداوي في الإنصاف: (ولا تصح الصلاة في المقبرة والحمام والحش وأعطان الإبل. هذا المذهب. وعليه الأصحاب. قال في الفروع: هو أشهر وأصح في المذهب، قال المصنف وغيره: هذا ظاهر المذهب، وهو من المفردات) انتهى.
ومن صلى في مقبرة، فعليه التوبة والاستغفار، ولا يلزمه إعادة الصلاة في قول أكثر أهل العلم منهم الحنفية والمالكية والشافعية وهو رواية عن أحمد.
والنهي عن الصلاة بأرض بابل إن ثَبَتَ مَرفوعًا لَيسَ لِمَعنًى يَرجِعُ إلى الصَّلاةِ، فلَو صَلَّى فيها لم يُعِدْ.
وانما النهي عن المكث في أرض الخسف أو اللعن. وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم نهي المسلم عن الدخول إلى مواطن العذاب والمرور بها؛ إلا أن يكون المار باكياً خاشعاً.
فقد روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم لا يصيبكم ما أصابهم.
وكان هذا النهي منه صلى الله عليه وسلم لما مر مع أصحابه بالحجر ديار ثمود في حال توجههم إلى تبوك.
وقد ثبت أيضاً في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بإلقاء العجين وإهراق الماء الذي استقوه من تلك الأرض؛ إلا ما استقوه من بئر الناقة. [أخرجه البخاري (3379) ومسلم (2981) واللفظ له].
************************************
491 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ (1) حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ (2) أَخْبَرَنِى يَحْيَى بْنُ أَزْهَرَ (3) وَابْنُ لَهِيعَةَ (4) عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ شَدَّادٍ (5) عَنْ أَبِى صَالِحٍ الْغِفَارِىِّ (6) عَنْ عَلِىٍّ (7) بِمَعْنَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ قَالَ فَلَمَّا خَرَجَ. مَكَانَ فَلَمَّا بَرَزَ.
- ---------------------------------•
إسناده ضعيف:
يحيى ابن أزهر وعبد الله بن لهيعة ضعيفان، وأبو صالح الغفاري لم يسمع من علي رضي الله عنه.
[تراجم الإسناد]
(1) أحمد بن صالح المصرى، أبو جعفر ابن الطبرى، قَالَ أَحْمَدُ العِجْلِيُّ: أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ: مِصْرِيٌّ، ثِقَةٌ، صَاحِبُ سُنَّةٍ.
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: ثِقَةٌ، وقَالَ البُخَارِيُّ: أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ: ثِقَةٌ، صَدُوْقٌ، مَا رَأَيْتُ أَحَداً يَتَكَلَّمُ فِيْهِ بِحُجَّةٍ، وتكلم فيه ابن معين والنسائي، والصواب أنه ثقة قال أَبو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيَّ: قَدِمْتُ العِرَاقَ، فَسَأَلَنِي أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ: مَنْ خَلَّفْتَ بِمِصْرَ؟ قُلْتُ: أَحْمَدَ بنَ صَالِحٍ. فَسُرَّ بِذِكْرِهِ، وَذَكَرَ خَيْراً، وَدَعَا اللهَ لَهُ.
(2) عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبِ بنِ مُسْلِمٍ الإِمَامُ، شَيْخُ الإِسْلاَمِ، أَبُو مُحَمَّدٍ الفِهْرِيُّ، المِصْرِيُّ، وثقه أحمد بن حنبل وابن معين وابن عدي.
(3) يَحْيَى بْنُ أَزْهَرَ الْمِصْرِيُّ. وَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ. و قال أبو الفتح الأزدي: لا يكتب حديثه. وقال الذهبي في (ديوان الضعفاء): مجهول.
(4) عبد الله بن لهيعة بن عقبة الحضرمى، المصرى ضعيف الحديث، تقدم الحديث عنه.
(5) الحجاج بن شداد الصنعاني، ثم المصري، وهو مقبول.
(6) سعيد بن عبد الرحمن أبو صالح الغفاري. قال أحمد بن صالح العجلي: تابعي ثقة. لم يسمع عليا رضي الله عنه.
(7) علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
**********************************
492 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ (1) حَدَّثَنَا حَمَّادٌ (2) ح وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ (3) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ (4) عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى (5) عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- - وَقَالَ مُوسَى فِى حَدِيثِهِ فِيمَا يَحْسَبُ عَمْرٌو - أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلاَّ الْحَمَّامَ وَالْمَقْبُرَةَ».
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه أحمد (11784) (11788) (11919) والترمذي (317) وابن ماجه (745) والدارمي (1430) وأبو يعلى الموصلي (1350) وابن خزيمة في الصحيح (791) وابن حبان في صحيحه (1699) والحاكم في المستدرك (919) (920) وقال: «هَذِهِ الْأَسَانِيدُ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ» ووافقه الذهبي.
[تراجم الإسناد]
(1) أبو سلمة التبوذكي ثقة حافظ.
(2) حماد بن سلمة. أحد الثقات.
(3) مسدد بن مسرهد البصري ثقة حافظ.
(4) عَبْدُ الوَاحِدِ بنُ زِيَادٍ العَبْدِيُّ البَصْرِيُّ، وَثَّقَهُ: أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ. وَقَالَ يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ: لَيْسَ بِشَيْءٍ. وَلَيَّنَهُ يَحْيَى القَطَّانُ، وَقَالَ: قَلَّمَا رَأَيْتُهُ يَطلُبُ العِلْمَ. وَقَال ابن سعد: كان يعرف بالثقفي، وهو مولى لعبد القيس، وكان ثقة كثير الْحَدِيث.
وَقَال أَبُو زُرْعَة، وأبو حاتم: ثقة. وقال النسائي لا بأس به.
(5) عمرو بن يحيى بن عُمارة بن أبي حسن الأنصاري، المازني، المدني عن أبيه، وعبادة بن سهل، وعدة، وثقه النسائي، وأبو حاتم.
(6) يحيى بن عمارة بن أبى حسن الأنصارى المازنى المدنى (والد عمرو بن يحيى بن عمارة).
قال محمد بن إسحاق بن يسار والنسائي وابن خراش: ثقة. وذكره ابن حبان في «الثقات».
(7) أبو سعيد الخدري. رضي الله عنه
[شرح الحديث]
خص الله تعالى أمة نبيه محمد صلَّى الله عليه وسلَّم بأنْ جَعَلَ لها الأرضَ كلّها مَسجِدًا إلَّا بعضَ الأماكِن يُنْهى عنِ الصَّلاةِ فيها. وفي هذا الحَديثِ يبيِّنُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ذلك فيقولُ: "الأرضُ كلُّها مسْجِدٌ"، أي: تَجوزُ الصَّلاةُ في أيِّ موضعٍ من الأرضِ؛ فأيُّما مُسلِمٍ أدرَكَتْه الصَّلاةُ فلْيُصلِّ في أيِّ مكانٍ منها، "إلَّا الحَمَّامَ"؛ والمرادُ بالحمام: هو المَكانُ الَّذي يُستحَمُّ فيهِ؛ وذلك لأنَّه مَكانٌ تكثُرُ فيه النجاساتُ، وقيل: لأنَّه مَأوَى الشَّيطانِ، "والمَقْبرَةَ"؛ وهي المَكانُ الَّذي يُدفَنُ فيهِ المَوْتى؛ وذلك لأنَّها غالبًا ما تكونُ نَجِسةً لاختِلاطِها بصديدِ الموتَى وما يَخرُجُ منهم. وقيل النهي سدا لذريعة الشرك بتعظيم الموتى أصحاب القبور.
والنَّهي عن الصَّلاةِ في المقبرةِ لا تَدخُلُ فيه الصَّلاةُ على الميِّتِ في المقبرةِ؛ فإنَّ هذا لا بأسَ به.
وفي الحديث: جواز الجماعة في غير المسجد.
وفي الحديث: تحريم اتخاذ المساجد على القبور أو اتخاذ القبر داخل المسجد، وذلك حماية وصيانة للتوحيد، سدَّ وأغلق كل ذريعة وباب إلى الوقوع في الشرك بالله، ومن ذلك أنه صلى الله عليه وسلم حذَّر تحذيراً شديداً، ونهى نهيا واضحاً، عن البناء على القبور، واتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد. والأحاديث النبوية الصحيحة في ذلك كثيرة، ومنها:
ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) رواه مسلم.
ـ عن أسامة بن زيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أدخِلوا عليَّ أصحابي، فدخلوا عليه وهو مُتقنِّعٌ ببُردةِ مُعافريٍّ، (فكشف القناعَ) فقال: لعن اللهُ اليهودَ والنَّصارَى اتَّخذوا قبورَ أنبيائِهم مساجد) رواه أحمد وحسنه الألباني.
ـ عن عبد الله بن عباس وعائشة رضي الله عنهما: لَمَّا نزَل برسولِ الله صلى الله عليه وسلم (المرض الذي مات فيه)، طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً علَى وجْهِه، فإذا اغْتَمَّ كَشَفَها عن وجْهِه، فقال: وهو كذلك: (لَعْنَةُ اللَّه على اليهود والنَّصارى اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائِهِمْ مَساجِد، (قالت عائشة) يُحَذِّرُ ما صَنَعُوا) رواه البخاري.
قال ابن حجر: "وكأنه صلى الله عليه وسلم عَلِمَ أنه مُرْتَحَل (ميت) من ذلك المرض، فخاف أن يعظم قبره كما فعل من مضى، فلعن اليهود والنصارى إشارة إلى ذمّ من يفعل فعلهم"، وقال ابن بطال: "قال المهلب: هذا النهي من باب قطع الذريعة، لئلا يعبد قبرَه الجهالُ كما فعلت اليهود والنصارى بقبور أنبيائها".
- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قاتل (لعن) الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) رواه مسلم.
قال المناوي: " (قاتل الله اليهود) أي أبعدهم عن رحمته لأنهم (اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) أي اتخذوها جهة قبلتهم مع اعتقادهم الباطل وأن اتخاذها مساجد لازم لاتخاذ المساجد عليها، وهذا بيَّن به سبب لعنهم لما فيه من المغالاة في التعظيم، وخص هنا اليهود لابتدائهم هذا الاتخاذ فهم أظلم، وضم إليهم في رواية للبخاري النصارى".
- عن عائشة رضي الله عنها: أنَّ أُمَّ حَبِيبَة وأُمَّ سَلمَة ذكرتا لِرَسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأيْنها بالحبشة فيها تصاوير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ أُولَئك، إذا كان فِيهِمُ الرَّجُل الصَّالح فمات، بَنوْا على قبْرِه مَسْجدا، وصَوَّرُوا فيه تلك الصُّوَر، أولئك شِرَارُ الخَلْقِ عِنْد الله يوم القيامة) رواه مسلم.
ـ عن جُنْدب بن عبد الله رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمسٍ وهو يقول: (إنِّي أبْرَأُ إلى الله أن يكون لي منكم خليلٌ، فإن الله تعالى قد اتخذني خليلاً، كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكرٍ خليلاً، ألَا وإنَّ مَنْ كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك) رواه مسلم.
- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم لا تَجْعَلْ قبري وثنًا يُعْبَد، اشتد غضبُ الله على قوم اتخذوا قبورَ أنبيائِهم مساجد) رواه مالك في الموطأ، وابن سعد في الطبقات، وصححه الألباني.
وقد اتفق العلماء ـ قديماً وحديثاً ـ على ما دلت عليه الأحاديث النبوية الصحيحة من تحريم اتخاذ القبور مساجد، وذكروا أن من الحكمة في ذلك هو عدم الغلو في صاحب القبر، وهذا الغلو قد يفضي بالناس إلى عبادة صاحب القبر ودعائه، والاستغاثة به والنذر له، وطلب النفع ودفع الضر منه، وكل ذلك شرك بالله عز وجل، ولِمَا في اتخاذ القبور مساجد من التشبه باليهود والنصارى، وما فيه كذلك من مخالفة صريحة لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبور مساجد، والمسلم يحذر كل الحذر من مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم وعدم طاعة أمره، وقد قال الله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} (النساء:115)، وقال تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (النور:63). فمَن ترَك اتخاذ القبور مساجد، فقد أصاب السُنة، وأطاع النبي صلى الله عليه وسلم، وخالف اليهود والنصارى، ومن اتخذ القبور مساجد، فقد ابتعد عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وخالف أمره وعصاه، وشابه اليهود والنصارى. وقد قال الله تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} (النساء:80)، قال ابن كثير: "يخبر تعالى عن عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم بأنه من أطاعه فقد أطاع الله، ومن عصاه فقد عصى الله، وما ذاك إلا لأنه ما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى". وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبَىَ، قالوا: يا رسول الله ومن يأبَى؟! قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقدْ أبَى) رواه البخاري.
***************************************
25 - باب النَّهْىِ عَنِ الصَّلاَةِ فِى مَبَارِكِ الإِبِلِ.
493 - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ (1) حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ (2) حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ (3) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِىِّ (4) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى (5) عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنِ الصَّلاَةِ فِى مَبَارِكِ الإِبِلِ فَقَالَ «لاَ تُصَلُّوا فِى مَبَارِكِ الإِبِلِ فَإِنَّهَا مِنَ الشَّيَاطِينِ». وَسُئِلَ عَنِ الصَّلاَةِ فِى مَرَابِضِ الْغَنَمِ فَقَالَ «صَلُّوا فِيهَا فَإِنَّهَا بَرَكَةٌ».
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه أبو داود (184) وعبد الرزاق (1596) وأحمد (18538) (18703) وأبو داود الطيالسي (770) والروياني في مسنده (415) والطحاوي في شرح معاني الآثار (2262) وابن الأعرابي في المعجم (731) وابن حبان في الصحيح (1128).
وأخرجه مسلم (360) من جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَأَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: «إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَوَضَّأْ» قَالَ أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ؟ قَالَ: «نَعَمْ فَتَوَضَّأْ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ» قَالَ: أُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: أُصَلِّي فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ؟ قَالَ: «لَا».
[تراجم الإسناد]
(1) عُثْمَان بْن مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن عُثْمَان أَبُو الحسن العبسي الكوفي، المعروف بابن أَبِي شيبة أحد الثقات الحفاظ.
(2) أبو معاوية الضرير (محمد بن خازم السعدي الكوفي)، وثقه النسائي والعجلي.
(3) لأعمش سليمان بن مهران، الإمام شيخ الإسلام، شيخ المقرئين والمحدثين أبو محمد الأسدي الكاهلي، مولاهم الكوفي الحافظ. وهو مع إمامته كان مدلسا.
(4) عَبد اللَّه بْن عَبد اللَّهِ الرازي، قاضي الري، مولى بني هاشم، أصله كوفي. وثقه أحمد بن حنبل والعجلي، وَقَال
وَقَال النَّسَائي: ليس به بأس. وقال علي بن المديني: معروف.
(5) عبد الرحمن بن أبي ليلى الإمام العلامة الحافظ، الأنصاري الكوفي، الفقيه.
[شرح الحديث]
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في معاطن الإبل خاصة دون بقية الأنعام، والحكم تعبدي لا يعرف علته، واجتهد بعض العلماء فقالوا: العلة في ذلك هو أنها تعمل عمل الشياطين فلا يأمن المصلي أن تنفر وهو يصلي وسطها فتفسد صلاته، لأن الإبل كثيرة الشراد فتشوش قلب المصلي وتمنع الخشوع.
قال الخطابي: قوله صلى الله عليه وسلم: فإنها من الشياطين يريد أنها لما فيها من النفار والشرود وربما أفسدت على المصلي صلاته، والعرب تسمي كل مارد شيطانا؛ ... انتهى.
وهذا النهي محمول على الكراهة عند أكثر الفقهاء، وحمله الحنابلة على التحريم ..
وَلما سُئِلَ عَنِ الصَّلاَةِ فِى مَرَابِضِ الْغَنَمِ فَقَالَ «صَلُّوا فِيهَا فَإِنَّهَا بَرَكَةٌ» وذلك لأن الغنم حيوانات هادئة، لا تشغل المصلي، ومخالطتها تورث السكينة ولا تتسبب في التكبر.
والله الموفق
شرحه أبو عاصم البركاتي الأثري المصري
الدر المعقود بشرح سنن أبي داود