الدر المعقود بشرح سنن أبي داود
شرح سنن أبي داود السجستاني، الأحاديث (515)(516)
31 - باب رَفْعِ الصَّوْتِ بِالأَذَانِ.
515 - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمَرِىُّ (1) حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (2) عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِى عُثْمَانَ (3) عَنْ أَبِى يَحْيَى (4) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «الْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَى صَوْتِهِ وَيَشْهَدُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ، وَشَاهِدُ الصَّلاَةِ يُكْتَبُ لَهُ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ صَلاَةً وَيُكَفَّرُ عَنْهُ مَا بَيْنَهُمَا».
- ---------------------------------•
صحيح بمجموع طرقه:
أخرجه ابن ماجه (724) والنسائي (645) وأحمد (9328) (9542) (9906) (9935) وأبو داود الطيالسي (2665) وابن خزيمة (390) وابن حبان (1666).
وللحديث متابعة:
أخرجه إسحاق بن راهويه (152) عن معمر، وأخرجه عبد الرزاق (1863) وعنه أحمد (7611) وعبد بن حميد في المنتخب (1437) عن معمر: عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ أُنَيْسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْمُؤَذِّنَ يُغْفَرُ لَهُ مَدَى صَوْتِهِ، وَيُصَدِّقُهُ كُلُّ رَطْبٍ، وَيَابِسٍ سَمِعَهُ، وَالشَّاهِدُ عَلَيْهِ خَمْسٌ، وَعِشْرُونَ حَسَنَةً» وإسناده قوي.
وللحديث شاهد عن ابن عمر رضي الله عنهما:
أخرجه أحمد (6201) قال: حَدَّثَنَا أَبُو الْجَوَّابِ، حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ رُزَيْقٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَغْفِرُ اللهُ لِلْمُؤَذِّنِ مَدَّ صَوْتِهِ، وَيَشْهَدُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ سَمِعَ صَوْتَهُ ". وهذا إسناد قوي رجاله رجال الصحيح إلا أبا الجواب أحوص بن جواب الضبي الكوفي-، وثقه ابن معين وابن شاهين، وقال أبو حاتم: صدوق. وقال ابنُ مَعِين مرة أخرى: ليس بذاك القوي.
قلت: يصلح في الشواهد والاعتبار.
[تراجم الإسناد]
(1) حفص بن عمر بن الحارث بن سخبرة الأزدى النمرى، أبو عمر الحوضى البصرى ثقة ثبت.
(2) شُعْبَةُ بنُ الحَجَّاجِ بنِ الوَرْدِ الأَزْدِيُّ العَتَكِيُّ أبو بسطام؛ إمام ثبت حجة. كَانَ مِنْ أَوْعِيَةِ العِلْمِ، لاَ يَتَقَدَّمُهُ أَحَدٌ فِي الحَدِيْثِ فِي زَمَانِهِ، وَهُوَ مِنْ نُظَرَاءِ الأَوْزَاعِيِّ، وَمَعْمَرٍ، وَالثَّوْرِيِّ.
(3) مُوسَى بن أَبي عثمان التبان المدني، وقيل: الكوفي، قال أبو حاتم: كوفي، شيخ. وذكره ابنُ حِبَّان في كتاب "الثقات".
(4) قيل: أَبُو يَحْيَى مَوْلَى آلِ جَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ الْمَخْزُومِيِّ، وقيل هو أبو يحيى المكي، واسمه سمعان الأسلمي المدني، ذكره ابن حبان في «الثقات» وزعم أن أبا يحيى المكي هو سمعان الأسلمي.
قال ابن حبان في صحيحه (4/ 551): «أَبُو يَحْيَى هَذَا اسْمُهُ سَمْعَانُ مَوْلَى أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالِدِ أُنَيْسٍ، وَمُحَمَّدٍ ابْنِي أَبِي يَحْيَى الْأَسْلَمِيِّ مِنْ جِلَّةِ التَّابِعِينَ، وَابْنُ ابْنِهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَحْيَى تَالِفٌ فِي الرِّوَايَاتِ، وَمُوسَى بْنُ أَبِي عُثْمَانَ: مِنْ سَادَاتِ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَعُبَّادِهِمْ، وَاسْمُ أَبِيهِ عِمْرَانُ».
[شرح الحديث]
"يُغفر له مدى صوته": أي مغفرة ذنوبه بقدر المسافة التي يبلغها صوته، وهو كناية عن سعة المغفرة وعظم الأجر.
"يشهد له كل رطب ويابس": يشهد للمؤذن يوم القيامة كل كائن، جماد أو نبات، بلغه صوته.
وَشَاهِدُ الصَّلاَةِ (أي حاضِرُ الصَّلاةِ في جماعةٍ) يُكْتَبُ لَهُ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ صَلاَةً (أجر شهود الجماعة)، وَيُكَفَّرُ عَنْهُ مَا بَيْنَهُمَا (أي يُكفَّرُ للشَّاهِدِ و للمؤذِّنِ مِن ذُنوبِه ما بينَ الصَّلاتَينِ اللَّتَينِ شَهِدَهما أو ما بينَ أذانٍ إلى أذانٍ، والمرادُ بالذُّنوبِ التي تُكفَّر الصَّغائرُ؛ لأنَّ الكبائِرَ لا بُدَّ مِن التَّوبةِ منها ..
وَالْمُؤَذِّنُ فِي الْبَوَادِي وَالْأَسْفَارِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يُصَلِّي مَعَهُ صَلَاةَ جَمَاعَةٍ، كَانَتْ لَهُ هَذِهِ الْفَضِيلَةُ لِأَذَانِهِ بِالصَّلَاةِ إِذِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَخُصَّ مُؤَذِّنًا فِي مَدِينَةٍ وَلَا فِي قَرْيَةٍ دُونَ مُؤَذِّنٍ فِي سَفَرٍ وَبَادِيَةٍ، وَلَا مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ إِلَيْهِ لِلصَّلَاةِ جَمَاعَةً دُونَ مُؤَذِّنٍ لِصَلَاةٍ يُصَلِّي مُنْفَرِدًا.
وفي الحديث: بيان فضل الأذان.
وفيه: بيان أن التأذين سبب في مغفرة الذنوب.
وفيه بيان فضل صلاة الجماعة.
*************************************
516 - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ (1) عَنْ مَالِكٍ (2) عَنْ أَبِى الزِّنَادِ (3) عَنِ الأَعْرَجِ (4) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «إِذَا نُودِىَ بِالصَّلاَةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لاَ يَسْمَعَ التَّأْذِينَ فَإِذَا قُضِىَ النِّدَاءُ أَقْبَلَ حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلاَةِ أَدْبَرَ حَتَّى إِذَا قُضِىَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ وَيَقُولَ اذْكُرْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتَّى يَضِلَّ الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِى كَمْ صَلَّى».
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه البخاري (608) (1231) (3285) ومسلم (389) ومالك في الموطأ (184 - رواية أبي مصعب) والنسائي (670) وأحمد (8139) (9931) (10769).
[تراجم الإسناد]
(1) عبد الله بن مسلمة القعنبى.
(2) الإمام مالك شيخ الإسلام، حجة الأمة، إمام دار الهجرة أبو عبد الله مالك بن أنس.
(3) أبو الزناد عبد الله بن ذكوان أحد الثقات الأعلام.
(4) أبو داود عبد الرحمن بن هرمز المدني الأعرج.
[معانى بعض الكلمات]:
ثُوب: نودى بالإقامة.
[شرح الحديث]
قوله " إِذَا نُودِىَ بِالصَّلاَةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لاَ يَسْمَعَ التَّأْذِينَ" أي أذا رفع الأذان هرب الشيطان حتى لا يسمع الأذان وله ضراط أي ريح، لشِدَّةِ خَوفِه عندَ إدْبارِه وهروبه.
قوله "فَإِذَا قُضِىَ النِّدَاءُ أَقْبَلَ حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلاَةِ أَدْبَرَ" يعني إذا سمع الإقامة هرب مرة أخرى.
قوله " حَتَّى إِذَا قُضِىَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ " أي حتى إذا انتهت الإقامة عاد مرة أخرى حتى يوسوس للمصلي ويشغله في صلاته ويذهب عنه الخشوع.
فيقولَ له الشيطان: «اذكُرْ كذا اذكُرْ كذا» يريدُ أنَّه يُذَكِّرُه مِن أمورِ الدُّنيا خاصَّةً الأمورَ التي لم تكُنْ تَشغَلُه وهو خارجَ صلاتِه، فيظَلُّ الشَّيطانُ بالمصَلِّي حتَّى يَلْبِسَ عليه صَلاتَه فلا يَدري المصلِّي كَمْ صلَّى، وهو إشارةٌ إلى نِسيانِه عددَ الرَّكَعاتِ وأجزاءً مِن صَلاتِه، فيَزيدُ فيها ويَنقُصُ؛ لانشغالِه بوَسوسةِ الشَّيطانِ.
وفي الحديثِ: فضلُ الأذانِ والإقامةِ، وما لهما مِن أثرٍ في هُروبِ الشَّيطانِ وبُعدِه بوَساوِسِه عن المُسلِمِ.
وفيه: تَنبيهٌ للمصَلِّي إلى الخُشوعِ في صَلاتِه وصَرفِ نفْسِه عن وَساوِسِ الشَّيطانِ، وأنْ يكونَ مُقْبِلًا بقلبِه على الله عزَّ وجلَّ.
والله الموفق
شرحه أبو عاصم البركاتي المصري الأثري
الدر المعقود بشرح سنن أبي داود