الدر المعقود بشرح سنن أبي داود
شرح سنن أبي داود السجستاني، الأحاديث (608) (609)(610)(611)
70 - باب الرَّجُلَيْنِ يَؤُمُّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ كَيْفَ يَقُومَانِ.
608 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ (1) حَدَّثَنَا حَمَّادٌ (2) أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ (3) عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- دَخَلَ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ فَأَتَوْهُ بِسَمْنٍ وَتَمْرٍ فَقَالَ «رُدُّوا هَذَا فِى وِعَائِهِ وَهَذَا فِى سِقَائِهِ فَإِنِّى صَائِمٌ». ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ تَطَوُّعًا فَقَامَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ وَأُمُّ حَرَامٍ خَلْفَنَا. قَالَ ثَابِتٌ وَلاَ أَعْلَمُهُ إِلاَّ قَالَ أَقَامَنِى عَنْ يَمِينِهِ عَلَى بِسَاطٍ.
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه البخاري (727) (1982) ومسلم (660) والنسائي (802) وأحمد (12053).
[تراجم الإسناد]
(1) موسى بن إسماعيل أبو سلمة التبوذكي، ثقة، أحد الحفاظ. وقال أبو حاتم: سمعت أبا الوليد الطيالسي يقول: موسى بن إسماعيل ثقة صدوق.
(2) حماد بن سلمة، ثقة أحد الأعلام، قال شهاب بن معمر البلخي: كان حماد بن سلمة يعد من الأبدال.
قال الذهبي: وكان مع إمامته في الحديث، إماما كبيرا في العربية، فقيها فصيحا، رأسا في السنة، صاحب تصانيف.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: لو قيل لحماد بن سلمة: إنك تموت غدا، ما قدر أن يزيد في العمل شيئا.
قال الذهبي: كانت أوقاته معمورة بالتعبد والأوراد.
(3) ثابت البناني أحد الثقات الزهاد العباد.
[شرح الحديث]
يَرْوي أنسُ بنُ مالكٍ رضِيَ اللهُ عنه: "أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم دَخَلَ على أُمِّ حَرامٍ"، وهي أُمُّ حَرامٍ بِنْتُ مِلْحانَ الأنصارِيَّةُ، خالةُ أنسِ بنِ مالِكٍ، وزَوْجَةُ عُبادَةَ بنِ الصامِتِ، صَحابِيَّةٌ مَشْهورَةٌ، "فَأَتَوْهُ بِسَمْنٍ وَتَمْرٍ"، أي: لِيُضَيِّفوهُ؛ فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "رُدُّوا هذا في وِعائِهِ"، أي: رُدُّوا التَّمْرَ في وعائه، "وهذا في سِقائِهِ"، أي: رُدُّوا السَّمْنَ في سِقائِهِ، وهو الجِلْدِ يُجعَلُ فيه الماءُ واللَّبَنُ ونحوُهما؛ "فإنِّي صائِمٌ" فامتناعه عن الطَّعامِ لكَوْنِهِ صائِمًا، "ثم قامَ فصَلَّى بنا رَكْعَتيْنِ تَطوُّعًا، فقامتْ أُمُّ سُلَيْمٍ" أُمُّ أنسِ بنِ مالكٍ "وَأُمُّ حَرَامٍ خَلْفَنا"، أي: كانتِ المَرْأَتانِ خَلْفَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في صَفٍّ واحِدٍ. "قال ثابِتٌ" وهو ثابِتٌ البُنانيُّ راوي الحديثِ عن أنسٍ: "ولا أعْلَمُهُ"، أي: ولا أعْلَمُ أنسًا "إلَّا قال: أقامني عن يمينِهِ على بِساطِهِ"، أي: أوْقَفَني النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بجِوارِهِ علي يمينِهِ؛ لأنَّ أنسًا مَأْمومٌ، والنَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إمامٌ.
وفي الحديثِ: تَقديمُ الطَّعامِ لمن يَنْزِلُ عندَه.
وفيه: مَشْروعِيَّةُ صَلاةِ الجَماعَةِ في التطوُّعِ.
وفيه: لو ائتم رجل واحد بالإمام فإنه يقف على يمينه.
وفيه: أنَّ السُّنَّةَ فيمَنْ يُصلِّي إمامًا للرِّجالِ والنِّساءِ أنْ يَجْعَلَ النِّساءَ وراءَ الرِّجالِ.
*******************************
609 - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ (1) حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (2) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُخْتَارِ (3) عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ (4) يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَمَّهُ وَامْرَأَةً مِنْهُمْ فَجَعَلَهُ عَنْ يَمِينِهِ وَالْمَرْأَةَ خَلْفَ ذَلِكَ.
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه مسلم (1/ 458) رقم (660)، و البيهقي في الكبرى (5155)، (5221)
[تراجم الإسناد]
(1) حَفْصُ بنُ عُمَرَ بنِ الحَارِثِ بنِ سَخْبَرَةَ الحَوْضِيُّ، قال فيه الأمام أحمد: ثَبْتٌ، مُتْقِنٌ، لاَ يُؤْخَذُ عَلَيْهِ حَرْفٌ وَاحِدٌ.
(2) شعبة بن الحجاج، أحد الأعلام.
(3) عبد الله بن المختار البصرى، عَنْ يحيى بْن مَعِين: ثقة. وكذلك قال النَّسَائي، وَقَال أبو حاتم: لا بأس بِهِ. وذكره ابنُ حِبَّان فِي كتاب "الثقات".
(4) مُوسَى بن أنس بن مالك الأَنْصارِيّ، قاضي البصرة. قال ابن سعد: كان ثقة، قليل الحديث.
[شرح الحديث]
(فَجَعَلَهُ عَنْ يَمِينِهِ وَالْمَرْأَةُ خَلْفَ ذَلِكَ) فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ إِذَا حَضَرَ مَعَ إِمَامِ الْجَمَاعَةِ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ كَانَ مَوْقِفُ الرَّجُلِ عَنْ يَمِينِهِ وَمَوْقِفُ الْمَرْأَةِ خَلْفَهُمَا وَأَنَّهَا لَا تَصُفُّ مَعَ الرِّجَالِ، وَالْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ مَا يُخْشَى مِنَ الِافْتِتَانِ بِهَا، فَلَوْ خَالَفَتْ أَجْزَأَتْ صَلَاتُهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةَ تَفْسُدُ صَلَاةُ الرَّجُلِ دُونَ الْمَرْأَةِ.
*******************************
610 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ (1) حَدَّثَنَا يَحْيَى (2) عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِى سُلَيْمَانَ (3) عَنْ عَطَاءٍ (4) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ بِتُّ فِى بَيْتِ خَالَتِى مَيْمُونَةَ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنَ اللَّيْلِ فَأَطْلَقَ الْقِرْبَةَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ أَوْكَأَ الْقِرْبَةَ ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ فَقُمْتُ فَتَوَضَّأْتُ كَمَا تَوَضَّأَ ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَأَخَذَنِى بِيَمِينِهِ فَأَدَارَنِى مِنْ وَرَائِهِ فَأَقَامَنِى عَنْ يَمِينِهِ فَصَلَّيْتُ مَعَهُ.
- ---------------------------------•
صحيح:
حديث عطاء عن أبن عباس رضي الله عنهما:
أخرجه مسلم (763) والنسائي (842) وعبد الرزاق (3861) والحميدي في المسند (478) وأحمد (2245) (3243) (3479) والطبراني في الكبير (11/ 144) رقم (11306).
وللحديث طرق كثيرة عن ابن عباس:
منها عن كريب مولى بن عباس: أخرجه البخاري (183) (698) (726) (859) (992) (1198) (4571) ومسلم (763) والترمذي (232).
وعن الشعبي عن ابن عباس: أخرجه البخاري (728).
[تراجم الإسناد]
(1) مسدد بن مسرهد البصري.
(2) يحيى بن سعيد القطان.
(3) عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِى سُلَيْمَانَ، قال فيه الإمام أحمد بن حنبل ثقة. وقال العجلي: ثقة ثبت. وقال ابن عمار: ثقة حجة. وقال أبو نعيم: حدثنا سفيان عن عبد الملك. ثم قال الفسوي: ثقة، متقن، فقيه.
(4) عطاء بن أبي رباح، مفتي الحرم، قال ابن عيينة، عن إسماعيل بن أمية قال: كان عطاء يطيل الصمت، فإذا تكلم يخيل لنا أنه يؤيد.
[معانى بعض الكلمات]:
أوكأ: شد رأس السقاء بالوكاء وهو الخيط لئلا يسقط فيه شئ.
[شرح الحديث]
قال ابن عباس رضي الله عنهما "بِتُّ فِى بَيْتِ خَالَتِى مَيْمُونَةَ": أي في ليلتها وهي أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها، وذلك ليرى صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال" فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنَ اللَّيْلِ فَأَطْلَقَ الْقِرْبَةَ " أطلق القربة أي فك فمها.
قال "تَوَضَّأَ ثُمَّ أَوْكَأَ الْقِرْبَةَ" أي ربط فم القربة بالخيط مرة أخرى بعد وضوئه وذلك حتى لا يسقط فيها شيء.
قال" ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ " أي صلاة قيام الليل.
قال " فَقُمْتُ فَتَوَضَّأْتُ كَمَا تَوَضَّأَ ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَأَخَذَنِى بِيَمِينِهِ فَأَدَارَنِى مِنْ وَرَائِهِ فَأَقَامَنِى عَنْ يَمِينِهِ"
وعليه فالسنة أن يقف المأموم لو كان واحدا على يمين الإمام، أما اثنان فصاعدا فيقفان خلفه.
ويُستفاد من الحديث فوائد:
الأولى: جواز مبيت الرجل عند محارمه، وقيل: إنه بات عندها لينظر إلى صلاة رسول الله- عليه السلام-.
الثانية: جواز الائتمام بمنْ لم ينو الإمامة.
الثالثة: أن موقف المأموم الواحد يقف يمين الإمام.
الرابعة: أن العمل اليَسيرَ في الصلاة لا يُبْطلها.
الخامسة: جواز صلاة قيام الليل جماعة ولو في غير رمضان لكن لا يداوم على ذلك.
********************************
611 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ (1) أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ (2) عَنْ أَبِى بِشْرٍ (3) عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ (4) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِى هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ فَأَخَذَ بِرَأْسِى أَوْ بِذُؤَابَتِى فَأَقَامَنِى عَنْ يَمِينِهِ.
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه البخاري (117) (697) (699) (5919) والنسائي في الكبرى (405).
[تراجم الإسناد]
(1) عَمْرُو بنُ عَوْنِ بنِ أَوْسِ بنِ الجَعْدِ السُّلَمِيُّ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: ثِقَةٌ، حُجَّةٌ، كَانَ يَحْفَظُ حَدِيْثَه.
وَقَالَ أَحْمَدُ بنُ عَبْدِ اللهِ العِجْلِيُّ: ثِقَةٌ، رَجُلٌ صَالِحٌ.
وَقَدْ حَدَّثَ عَنْهُ يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ، وأَطنَبَ فِي الثَّنَاءِ عَلَيْهِ.
(2) هُشَيْمُ بنُ بَشِيْرِ بنِ أَبِي خَازِمٍ أَبُو مُعَاوِيَةَ السَّلَمِيُّ، قال الذهبي: كَانَ رَأْساً فِي الحِفْظِ، إِلاَّ أَنَّهُ صَاحِبُ تَدْلِيسٍ كَثِيْرٍ، قَدْ عُرِفَ بِذَلِكَ.
[شرح الحديث]
قوله (فَأَخَذَ بِرَأْسِى أَوْ بِذُؤَابَتِى فَأَقَامَنِى عَنْ يَمِينِهِ) يعني لما وقف ابن عباس عن يساره أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بذؤابته فأقامه عن يمينه، والذؤابة هي الشعر هي الخصلة المنسدلة (المتدلية) من شعر الرأس.
والله الموفق
شرحه أبو عاصم االبركاتي المصري الأثري
الدر المعقود بشرح سنن أبي داود