الدر المعقود بشرح سنن أبي داود
شرح سنن أبي داود السجستاني، الأحاديث (683)(684)(685)(686)(687)(688)
103 - باب الرَّجُلِ يَرْكَعُ دُونَ الصَّفِّ.
683 - حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ (1) أَنَّ يَزِيدَ بْنَ زُرَيْعٍ (2) حَدَّثَهُمْ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى عَرُوبَةَ (3) عَنْ زِيَادٍ الأَعْلَمِ (4) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ (5) أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ (6) حَدَّثَ أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَنَبِىُّ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- رَاكِعٌ - قَالَ - فَرَكَعْتُ دُونَ الصَّفِّ فَقَالَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم-: «زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلاَ تَعُدْ».
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه البخاري في "صحيحه" (783) وفي جزء" القراءة خلف الإمام" (125) والنسائي في "الصغرى" (871) و في "الكبرى" (946) وأحمد (20405) (20435) (20457) (20458) وعبد الرزاق (3376) وابن الجارود في المنتقى (318).
[تراجم الإسناد]:
(1) حُمَيْدُ بن مَسْعَدَة، أبو عليّ الباهليّ البَصْريُّ. قال أبو حاتم الرازي صدوق، وقال النسائي ثقة، وقال الذهبي: كان صدوقا مكثِرا.
(2) يزيد بن زريع. ويكنى أبا معاوية. وكان ثقة حجة كثير الحديث. قَالَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ: كَانَ رَيْحَانَةَ البَصْرَةِ، مَا أَتقَنَهُ وَمَا أَحْفَظَهُ.
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: ثِقَةٌ، إِمَامٌ. وتوفي بالبصرة في شوال سنة اثنتين وثمانين ومائة.
(3) سَعِيدُ بْنُ أَبِى عَرُوبَةَ ثقة وكان يدلس؛ وَثَّقَهُ: يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ، وَالنَّسَائِيُّ، وَجَمَاعَةٌ وقال أبو حاتم ثقة قبل أن يختلط؛ أولُ مَنْ صَنَّفَ السُّنَنَ النَّبَوِيَّةَ.
(4) زياد الأعلم، هو زياد بن حسان بن قرة الباهلي؛ قال عَبد اللَّهِ بْن أَحْمَد بْن حنبل، عَن أبيه: ثقة ثقة. وقال يحيى بْن مَعِين، وأبو داود، والنَّسَائي: ثقة. وَقَال أبو زُرْعَة: شيخ. وَقَال أَبُو حاتم: هو من قدماء أصحاب الحسن.
(5) الحسن البصري؛ ثقة. إلا أنه لم يدرك أبا بكرة؛ فحديثه عنه مرسل.
(6) هو نفيع بن الحارث بن كلدة، وقيل: نفيع بن مسروح، وقيل: مسروحٌ اسمُه هو، وبه جزم ابن إسحاق. اشتهر بكنيته، وهو مولى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تدلى في حصار الطائف ببكرة، وفرَّ إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأسلم على يده، وأعلمه أنه عبدٌ، فأعتقه. وقد أخرج أحمد برقم (17530) بإسناد صحيح أن ثقيفاً سألوا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يرده إليهم، فأبى وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "هو طليق الله وطليق رسوله".
[شرح الحديث]:
في هذا الحديثِ يُخبِرُ أبو بَكْرةَ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه انْتَهى إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فوَجَدَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ راكعًا في الصَّلاةِ، فأراد رَضيَ اللهُ عنه أنْ يُدرِكَ الرَّكعةَ مع النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قبْلَ أنْ يَقومَ مِن رُكوعِه، فركَعَ مُنفرِدًا قبْلَ أنْ يَصِلَ ويَضُمَّ إلى الصَّفِّ، ومَشَى راكعًا إلى أنْ بلَغَ الصَّفَّ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْمُنْفَرِدِ خَلْفَ الصَّفِّ جَائِزَةٌ لِأَنَّ جُزْءًا مِنَ الصَّلَاةِ إِذَا جَازَ عَلَى حَالِ الِانْفِرَادِ جَازَ سَائِرُ أَجْزَائِهَا.
قوله " زادك الله حرصا" فيه دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكرة نفيع بن ثابت رضي الله عنه بالحرص على الخير والأجر والعبادة.
وقوله "ولا تعد " فيه احتمالات منها أن يكون النهي عن الصلاة خلف الصف كما مر في الحديث الفائت؛ ومنها أنْ يكونَ النَّهيُ أيضًا عائِدًا إلى المَشْيِ إلى الصَّفِّ في الصَّلاةِ؛ ومنها النهي عن الجلبة والجري للصلاة؛ والأصلُ أنَّ المأمومَ يَذهَبُ إلى الجماعةِ في تُؤدَةٍ وطُمأنينةٍ، فما أدْرَكَه مع الإمامِ صلَّاهُ معه، وما فاتَهُ مِن الصَّلاةِ أتَمَّها عَقِبَ تَسليمِ الإمامِ.
وقال البغوي في شرح السنة (3/ 378): "وَلا تَعُدْ" وَهُوَ نَهْيُ إِرْشَادٍ، لَا نَهْيُ تَحْرِيمٍ، وَلَوْ كَانَ لِلتَّحْرِيمِ لأَمَرَهُ بِالإِعَادَةِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيِّ، قَالُوا: تَصِحُّ صَلاةُ الْمُنْفَرِدِ خَلْفَ الصَّفِّ.
وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ صَلاتَهُ فَاسِدَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَوَكِيعٍ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ. انتهى
واحتج ما قالوا بإعادة الصلاة بحديث وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «رَأَى رَجُلا
يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلاةَ» [أبو داود (682)].
***********************
684 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ (1) حَدَّثَنَا حَمَّادٌ (2) أَخْبَرَنَا زِيَادٌ الأَعْلَمُ (3) عَنِ الْحَسَنِ (4) أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ جَاءَ وَرَسُولُ اللَّهِ رَاكِعٌ فَرَكَعَ دُونَ الصَّفِّ ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّفِّ فَلَمَّا قَضَى النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- صَلاَتَهُ قَالَ «أَيُّكُمُ الَّذِى رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّفِّ». فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ أَنَا. فَقَالَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- «زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلاَ تَعُدْ».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ زِيَادٌ الأَعْلَمُ زِيَادُ بْنُ فُلاَنِ بْنِ قُرَّةَ وَهُوَ ابْنُ خَالَةِ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ.
- ---------------------------------•
إسناده صحيح:
وبلفظ «أَيُّكُمُ الَّذِى رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّفِّ». أخرجه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (5575) (5623) وفي "شرح معاني الآثار" (2306) والبيهقي في الكبرى (5215) والبغوي في "شرح السنة" (823).
[تراجم الإسناد]:
(1) أبو سلمة موسى بن إسماعيل المنقري مولاهم البصري التبوذكي. أحد الثقات.
(2) حماد بن سلمة.
(3) زِيَادٌ الأَعْلَمُ، ترجمته في الحديث السابق.
(4) الحسن البصري.
*******************
104 - باب مَا يَسْتُرُ الْمُصَلِّى.
685 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْعَبْدِىُّ (1) حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ (2) عَنْ سِمَاكٍ (3) عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ (4) عَنْ أَبِيهِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «إِذَا جَعَلْتَ بَيْنَ يَدَيْكَ مِثْلَ مُؤَخَّرَةِ الرَّحْلِ فَلاَ يَضُرُّكَ مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْكَ».
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه مسلم (499) والترمذي (335) وابن ماجه (940) وأحمد (1388) (1398) وابن الجارود في المنتقى (166) وأبو يعلى في المسند (629).
وله شاهد عن عائشة رضي الله عنها: أخرجه مسلم (500) والنسائي (746) وأبو يعلى (4561) عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ سُتْرَةِ الْمُصَلِّي؟ فَقَالَ: «مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ».
[تراجم الإسناد]:
(1) مُحَمَّدُ بنُ كَثِيْرٍ أَبُو عَبْدِ اللهِ العَبْدِيُّ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: صَدُوْقٌ. وقال أحمد بن حنبل: ثقة، لقد مات على سُنة. «تهذيب التهذيب» 9/ (684).
(2) إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي. قال يحيى بن معين: ثقة. وقال العجلي: ثقة. وقال أبو حاتم الرازي: ثقة صدوق، من أتقن أصحاب أبي إسحاق. وقال يعقوب بن شيبة: صدوق، وليس بالقوي، وقال مرة: في حديثه لين.
(3) سماك بن حرب، قال أحمد: مضطرب الحديث. وقال بن المبارك: سماك ضعيف في الحديث. وقال النسائي: ليس به بأس، وفي حديثه شيء، وقال عبد الرحمن بن خراش: في حديثه لين.
(4) موسى بن طلحة بن عبيد الله، الإمام القدوة أبو عيسى القرشي التيمي المدني، نزيل الكوفة. وثقه العجلي وغيره.
(5) طلحة بن عبيد الله القرشي التيمي أحد العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنه.
[معانى بعض الكلمات]:
الرحل: ما يوضع على ظهر البعير ليركب عليه كالسرج للفرس.
[شرح الحديث]
السترة: كل ما يضعه المصلي أمامه (جدار، عمود، كرسي، عصا) ليفصل بينه وبين المارين، وهي سنة مؤكدة للإمام والمنفرد عند جمهور العلماء، وتُمنع المرور بين المصلي وموضع سجوده. يُستحب الدنو منها، ومقدارها نحو ذراع تقريباً. السترة تحمي الصلاة من قطع المرور، وتشرع في الحضر والسفر.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا جَعَلْتَ بَيْنَ يَدَيْكَ (وأنت تصلي) مِثْلَ مُؤَخَّرَةِ الرَّحْلِ (وهي خشبة تكون في مؤخرة الرحل الذي يوضع على ظهر البعير، ويستحب أن يقرب المصلي من السترة)، فَلاَ يَضُرُّكَ مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْكَ (أي أمامك).
وقدر مؤخرة الرَّحل طول ذراع، وهو قول عطاء، وقال قتادة: ذِراعٌ وشبر، وكان الشافعي بالعراق يقول: بالخطِّ، وأبَى ذلك بمصر.
**************************
686 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ (1) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ (2) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ (3) عَنْ عَطَاءٍ (4) قَالَ: آخِرَةُ الرَّحْلِ ذِرَاعٌ فَمَا فَوْقَهُ.
- ---------------------------------•
صحيح: من قول عطاء بن أبي رباح.
أخرجه الطبري في " تهذيب الآثار" رقم (474)، والبيهقي في الكبرى (3457).
[تراجم الإسناد]:
(1) الحَسَنُ بنُ عَلِيِّ بنِ مُحَمَّدٍ الحُلْوَانِيُّ الهُذَلِيُّ،، الخَلاَّلُ، المُجَاوِرُ بِمَكَّةَ.
قَالَ يَعْقُوْبُ بنُ شَيْبَةَ: كَانَ ثِقَةً، ثَبْتاً، مُتْقِناً. وقال النسائي: "ثقة". وقال الترمذي: "كان حافظًا".
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: كَانَ عَالِماً بِالرِّجَالِ، وَلاَ يَسْتَعمِلُ عِلمَهُ
(2) عَبْدُ الرَّزَّاقِ بنُ هَمَّامِ بنِ نَافِعٍ الحِمْيَرِيُّ الصَّنْعَانِيُّ، ثقَةُ إمام، صاحب المصنف والتفسير؛ قال العِجْلِيُّ: عَبْدُ الرَّزَّاقِ: ثِقَةٌ، كَانَ يَتَشَيَّعُ. وقد أكثر عن معمر بن راشد؛ وقال: أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ، قَالَ: أَتَيْنَا عَبْدَ الرَّزَّاقِ قَبْلَ المائَتَيْنِ، وَهُوَ صَحِيْحُ البَصْرِ، وَمَنْ سَمِعَ مِنْهُ بَعْدَ مَا ذَهَبَ بَصَرُهُ، فَهُوَ ضَعِيْفُ السَّمَاعِ. ومات عبد الرزاق سنة إحدى عشرة ومائتين.
(3) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج القرشى الأموى مولاهم، أبو الوليد و أبو خالد المكى؛ من الذين عاصروا صغارالتابعين
أحد الأعلام؛ ثقة فقيه فاضل وكان يدلس و يرسل؛ فقد وصفه النسائي وغيره بالتدليس؛ قال الدارقطني: يجتنب تدليسه فإنه وحش التدليس لا يدلس إلا فيما قد سمعه من مجروح كإبراهيم بن يحيى وموسى بن عبيدة.
(4) عطاء بن أبي رباح. أبو محمد المكي مفتي الحرم.
*******************
687 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ (1) حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ (2) عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ (3) عَنْ نَافِعٍ (4) عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ إِذَا خَرَجَ يَوْمَ الْعِيدِ أَمَرَ بِالْحَرْبَةِ فَتُوضَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيُصَلِّى إِلَيْهَا وَالنَّاسُ وَرَاءَهُ وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِى السَّفَرِ فَمِنْ ثَمَّ اتَّخَذَهَا الأُمَرَاءُ.
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه البخاري (494) ومسلم (501) وابن حبان (2378) والبيهقي في الكبرى (3462) والبغوي في شرح السنة (542).
[تراجم الإسناد]:
(1) الحَسَنُ بنُ عَلِيِّ بنِ مُحَمَّدٍ الحُلْوَانِيُّ الهُذَلِيُّ، الخَلاَّلُ، المُجَاوِرُ بِمَكَّةَ.
(2) عبد الله بن نمير، كان من أوعية العلم، وثقه يحيى بن معين وغيره.
(3) عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم ابن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب. قَال أَبُو زُرْعَة، وأَبُو حاتم: ثقة. وَقَال النَّسَائي: ثقة ثبت.
(4) نافع المدني، مولى ابن عمر، أحد الثقات.
[شرح الحديث]
هذا الحديث الشريف يصف سنة النبي صلى الله عليه وسلم في استخدام «الحربة» (أو العنزة) كسترة للصلاة في الأماكن المفتوحة كالمصلى يوم العيد أو في السفر، حيث كان يأمر بغرزها أمامه ليميز موضع صلاته ويمنع المرور بين يديه، وقد اقتدى الأمراء بهذا الفعل تأسياً به.
شرح مفردات الحديث ودلالاته:
«أَمَرَ بِالْحَرْبَةِ فَتُوضَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ»: أي يطلب صلى الله عليه وسلم من خادمه إحضار رمح عريض النصل (الحربة) وغرزه في الأرض أمام موضع سجوده.
«فَيُصَلِّى إِلَيْهَا وَالنَّاسُ وَرَاءَهُ»: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في المصلى (الفضاء الواسع) وليس في مسجد، فكانت الحربة سترته، وكان الناس يصلون خلفه.
«وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِى السَّفَرِ»: هذا يدل على أن اتخاذ السترة، خاصة في الأماكن الخالية، سنة مؤكدة في الصلاة.
«فَمِنْ ثَمَّ اتَّخَذَهَا الأُمَرَاءُ»: أصبحت سنة متبعة من قبل الخلفاء والأمراء في صلواتهم لاتباع نهج النبي صلى الله عليه وسلم.
**************************
688 - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ (1) حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (2) عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِى جُحَيْفَةَ (3) عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- صَلَّى بِهِمْ بِالْبَطْحَاءِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ يَمُرُّ خَلْفَ الْعَنَزَةِ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ.
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه البخاري (187) (376) (495) (499) (501) (633) (3553) ومسلم (503) والترمذي (197) والنسائي (137) (470) وأحمد (18743) (18744) (18746) والدارمي (1449).
[تراجم الإسناد]:
(1) حَفْصُ بنُ عُمَرَ بنِ الحَارِثِ بنِ سَخْبَرَةَ الحَوْضِيُّ، قال فيه الأمام أحمد: ثَبْتٌ، مُتْقِنٌ، لاَ يُؤْخَذُ عَلَيْهِ حَرْفٌ وَاحِدٌ.
(2) شعبة بن الحجاج أحد الحفاظ الأعلام.
(3) عون بن أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي الكوفي. وثقه يحيى بن معين.
(4) وهب بن عبد الله أَبُو جحفية السوَائِي، من صغار الصحابة رضي الله عنه.
[معانى بعض الكلمات]:
العنزة: عصا أسفلها حديدة.
[شرح الحديث]
قوله أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم-: "صَلَّى بِهِمْ بِالْبَطْحَاءِ (أي بالفضاء والصحراء، وهو موضع خارج مكة،) وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ (أي أمامه عصا أسفلها حديدة) الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ (قصرا لعلة السفر) يَمُرُّ خَلْفَ الْعَنَزَةِ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ. يعني أن السترة لا بأس أن يمر بعدها المرأة والحمار أو أي شيء.
وفي الحديث عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلْيَدْفَعْهُ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ» [متفق عليه].
وفي الحديث: استحباب اتخاذ السترة في الصلاة للإمام والمنفرد.
وفيه: أن السترة أقلها مثل مؤخرة الرحل وهي قدر الذراع.
وفيه: جواز اتخاذ مثل العنزة بفتح النون والزاي، وهي عصا آخرها حديدة تغرز في الأرض أمام المصلي.
وفيه: أن من مر خارج السترة فلا بأس، ولكن يمنع مروره بين السترة والمصلي.
والله الموفق
شرحه أبو عاصم البركاتي المصري الأثري
الدر المعقود بشرح سنن أبي داود