الدر المعقود بشرح سنن أبي داود
الأحاديث (805)(806)(807)(808)(809)
133 - باب قَدْرِ الْقِرَاءَةِ فِى صَلاَةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ.
805 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ (1) حَدَّثَنَا حَمَّادٌ (2) عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ (3) عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَقْرَأُ فِى الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ وَنَحْوِهِمَا مِنَ السُّوَرِ.
- ---------------------------------•
إسناده حسن: لأجل سماك بن حرب، وقد حسن إسنادة الترمذي، وصححه ابن حجر في "نتائج الأفكار" (1/ 439) وقال الألباني حسن صحيح.
والحديث أخرجه البخاري في " القراءة خلف الإمام" (185)، والترمذي (307) وحسنه، والنسائي (979) وأحمد (20982) (21018) (21048) والدارمي (1327) والطيالسي (811) وابن أبي شيبة (3586) والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1229) وابن حبان (1827) والطبراني في الأوسط (3904) وفي الكبير (2/ 232) رقم (1966).
[تراجم الاسناد]
(1) أبو سلمة التبوذكي، موسى بن إسماعيل، مشعور باسمه وكنيته، أحد الثقات.
(2) حماد بن سلمة. أحد الأعلام الثقات، قال عبد الرحمن بن مهدي: لو قيل لحماد بن سلمة: إنك تموت غدا، ما قدر أن يزيد في العمل شيئا.
(3) سماك بن حرب، قال فيه ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق ثقة. وكان شعبة يضعفه. وقال ابن المبارك: سماك ضعيف في الحديث. وقال عبد الرحمن بن خراش: في حديثه لين. وقال النسائي: ليس به بأس، وفي حديثه شيء، وقال أيضا إذا انفرد سماك بأصل لم يكن حجة ; لأنه كان يلقن فيتلقن.
[شرح الحديث]
في هذا الحَديثِ: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم "كان يَقرَأُ في الظُّهرِ والعصرِ"، أي: كان يقرَأُ في صلاةِ الظُّهرِ وفي صلاةِ العصرِ بعدَ الفاتحةِ، بـ {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ}، أي: بسورةِ الطارق، {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ}، أي: بسورةِ البروجِ، "ونحوِهما مِن السُّورِ"، أي: وبمِثلِهما مِن قِصارِ السُّورِ، والمقصودُ عدَمُ الإطالةِ في صلاةِ الجماعةِ، وقِراءةُ ذلك القَدْرِ مِن قِصارِ السُّورِ اتِّباعًا لهَدْيِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأكثرِ أحوالِه، ومع أنَّ الظُّهرَ والعصرَ سِرِّيَّتانِ إلَّا أنَّ الصَّحابةَ عَلِموا قِراءتَه بأكثرَ مِن طَريقةٍ؛ مِنها: أنَّهم كانوا يَرَوْن حرَكةَ لِحْيتِه؛ فيَعْلمون أنَّه يَقرأُ، ثُمَّ يقدرون ويَحسُبون مُدَّة القراءةِ وما يُوازيها مِن السُّورِ والآياتِ، ومنها أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ربَّما كان يُسمِعُ مَن يَقِفُ خَلفَه مُباشرةً قِراءتَه؛ ليُعلِّمَهم.
***************************
806 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ (1) حَدَّثَنَا أَبِى (2) حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (3) عَنْ سِمَاكٍ (4) سَمِعَ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا دَحَضَتِ الشَّمْسُ صَلَّى الظُّهْرَ وَقَرَأَ بِنَحْوِ مِنْ (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى) وَالْعَصْرَ كَذَلِكَ وَالصَّلَوَاتِ كَذَلِكَ إِلاَّ الصُّبْحَ فَإِنَّهُ كَانَ يُطِيلُهَا.
- ---------------------------------•
إسناده حسن: أخرجه الطبراني في الكبير (2/ 218) (1894) بمثل لفظ أبي داود، وأخرجه مسلم (618) عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الظُّهْرَ إِذَا دَحَضَتِ الشَّمْسُ».
[تراجم الاسناد]
(1) عبيد الله بن معاذ بن معاذ بن نصر بن حسان العنبرى، أبو عمرو البصرى ثقة حافظ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: ثِقَةٌ.
وَقَالَ البُخَارِيُّ: مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلاَثِيْنَ وَمائَتَيْنِ.
(2) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسان، أبو المثنى العنبري البصري. قال يحيى بن معين، وأبو حاتم الرازي: ثقة.
(3) شعبة بن الحجاج.
(4) سماك بن حرب، انظر الكلام عنه في الحديث السابق.
[معانى بعض الكلمات]:
دحضت: زالت عن موضعها.
[شرح الحديث]
قوله: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا دَحَضَتِ الشَّمْسُ صَلَّى الظُّهْرَ " أي زَلَقَت وزالت عن كَبِد السماء، والدَّحْضُ: الزّلَقُ، قال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: وكان هذا منه -صلى اللَّه عليه وسلم- في زمن البرد، كما قد رواه أنسّ -رضي اللَّه عنه-: "أنه إذا كان الحرّ أبرد بالصلاة، وإذا كان البرد عَجَّلَ"، رواه النسائيّ.
وفيه دليلٌ على استحباب تقدم صلاة الظهر في أول وقتها، وبه قال الشافعيّ والجمهور، قاله النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- كنا في "شرح النوويّ على صحيح مسلم" (5/ 121).
وقوله: وَقَرَأَ بِنَحْوِ مِنْ (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى) وَالْعَصْرَ كَذَلِكَ وَالصَّلَوَاتِ كَذَلِكَ إِلاَّ الصُّبْحَ فَإِنَّهُ كَانَ يُطِيلُهَا. وسورة الليل إحدى وعشرون آية.
وورد حَدِيثُ جَابِرٍ فِي صَحِيحِ البخاري برقم (705) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِمُعَاذٍ لما صلى بسورة البقرة وأطال الصلاة: «هَلَّا صَلَّيْتَ بِـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}، {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا}، {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى}.
وقوله " إِلاَّ الصُّبْحَ فَإِنَّهُ كَانَ يُطِيلُهَا" والإطالة في الصبح مستحب، لأنه مسنون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأن وقتها وقت نوم وغفلة فيطيل ليعطي الناس فرصة ليدركوا الجماعة. وبعضهم قال: إن صلاة الصبح بعد نوم وراحة فالناس فيها لا تمل من الإطالة. والله أعلم.
************************
807 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى (1) حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ (2) وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ (3) وَهُشَيْمٌ (4) عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِىِّ (5) عَنْ أُمَيَّةَ (6) عَنْ أَبِى مِجْلَزٍ (7) عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- سَجَدَ فِى صَلاَةِ الظُّهْرِ ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ فَرَأَيْنَا أَنَّهُ قَرَأَ تَنْزِيلَ السَّجْدَةِ.
قَالَ ابْنُ عِيسَى لَمْ يَذْكُرْ أُمَيَّةَ أَحَدٌ إِلاَّ مُعْتَمِرٌ.
- ---------------------------------•
إسناده ضعيف: لجهالة أمية الراوي عن أبي مجلز، بالإضافة إلى تدليس أبي مجلز.
والحديث أخرجه أحمد (5556) وفيه وقال (أي سليمان التيمي): ولم أسمعه من أبي مجلز، وأخرجه أبو يعلى في المسند (5743) والطحاوي في شرح معاني الآثار (1233) والحاكم في المستدرك (806) والبيهقي في الكبرى (3759).
[تراجم الاسناد]
(1) أبو جعفر محمد بن عيسى بن نجيح بن الطباع البغدادي؛ قَالَ النَّسَائِيُّ، وَغَيْرُهُ: ثِقَةٌ؛ وذكره أبو داود بالتدليس.
(2) معتمر بن سليمان بن طرخان، قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة صدوق. وقال ابن سعد: كان ثقة.
(3) يزيد بن هارون أبو خالد السلمي مولاهم الواسطي الحافظ. وكان رأسا في العلم والعمل، ثقة حجة، كبير الشأن.
وقال أحمد بن حنبل: كان يزيد حافظا متقنا. وقال أبو حاتم الرازي: يزيد ثقة إمام، لا يسأل عن مثله.
(4) هشيم بن بشير بن أبي خازم، ثقة حافظ، إلا أنه يدلس.
(5) سليمان بن طرخان أبو المعتمر التيمي البصري. قال يحيى بن معين، والنسائي وغيرهما: ثقة. قال العجلي: ثقة من خيار أهل البصرة. وقال ابن سعد: من العباد المجتهدين، كثير الحديث، ثقة، يصلي الليل كله بوضوء عشاء الآخرة، وكان هو وابنه يدوران بالليل في المساجد، فيصليان في هذا المسجد مرة، وفي هذا المسجد مرة، حتى يصبحا.
(6) أمية، مجهول. قال الذهبي في "الميزان": أمية عن أبي مجلز لا يُدرَى مَن ذا. وقال ابن حجر في "لسان الميزان" رقم (2366): أمية عن أبي مجلز لا يدري من ذا والصواب اسقاطه بين سليمان التيمي وابن مجلز.
(7) أَبُو مجلز لاحق بْن حميد السدوسي مشهور باسمه وكنيته. ثقة إمام، قال الذهبي في الميزان: يدلس.
قال محمد بن سعد: كان ثقة، وله أحاديث. وقال العِجْليُّ: بصري تابعي ثقة، وكان يحب علياً. وقال أبو زرعة وابن خراش: ثقة.
[شرح الحديث]
في الحديث إشارة إلى أن الإمام لو قرأ في السرية آية سجدة سجد، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- سَجَدَ فِى صَلاَةِ الظُّهْرِ ثُمَّ قَامَ (أي من السجدة) فَرَكَعَ، فَرَأَيْنَا أَنَّهُ قَرَأَ {تَنْزِيلَ السَّجْدَةِ}.
وفي الحديث دليل على القراءة بعد الفاتحة في الظهر، وأنه قرأ سورة السجدة.
************************
808 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ (1) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ (2) عَنْ مُوسَى بْنِ سَالِمٍ (3) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ (4) قَالَ دَخَلْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فِى شَبَابٍ مِنْ بَنِى هَاشِمٍ فَقُلْنَا لِشَابٍّ مِنَّا سَلِ ابْنَ عَبَّاسٍ أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقْرَأُ فِى الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فَقَالَ لاَ لاَ. فَقِيلَ لَهُ فَلَعَلَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِى نَفْسِهِ. فَقَالَ خَمْشًا هَذِهِ شَرٌّ مِنَ الأُولَى كَانَ عَبْدًا مَأْمُورًا بَلَّغَ مَا أُرْسِلَ بِهِ، وَمَا اخْتَصَّنَا دُونَ النَّاسِ بِشَىْءٍ إِلاَّ بِثَلاَثِ خِصَالٍ أَمَرَنَا أَنْ نُسْبِغَ الْوُضُوءَ وَأَنْ لاَ نَأْكُلَ الصَّدَقَةَ وَأَنْ لاَ نُنْزِىَ الْحِمَارَ عَلَى الْفَرَسِ.
- ---------------------------------•
صحيح: [دون نفي القراءة في الظهر والعصر].
أخرجه النسائي (3581) والترمذي (1701) وأحمد (2238) والدارمي (2723) وابن خزيمة (175).
وأخرجه أحمد (3092) (3399) بسنده عن عكرمة عن ابن عباس. وسيأتي في الحديث التالي.
[تراجم الاسناد]
(1) مسدد بن مسرهد البصري.
(2) عَبْدُ الوَارِثِ بنُ سَعِيْدِ بنِ ذَكْوَانَ العَنْبَرِيُّ، قال أحمد: كان صالحا في الحديث.
وَقَال معاوية بْن صالح: قلت ليحيى بْن مَعِين: من أثبت شيوخ البَصْرِيّين؟ قال: عبد الوارث بن سَعِيد، مع جماعة سماهم.
وَقَال أبو زُرْعَة: ثقة. وَقَال أَبُو حَاتِم: ثقة صدوق. وَقَال النَّسَائي: ثقة ثبت.
(3) موسى بن سالم، أبو جهضم مولى آل العباس. قال أحمد: ليس به بأس. وقال يحيى بن مَعِين، وأبو زرعة: ثقة. وَقَال أَبُو حاتم: صَالِح الحَدِيث، صدوق.
(4) عَبد الله بن عُبَيد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي المدني. قال أَبُو زُرْعَة، والنَّسَائي: ثقة.
وذكره ابنُ حِبَّان في كتاب "الثقات".
[معانى بعض الكلمات]:
خمشا: دعاء عليه أن يخمش - أى يخدش - وجهه أو جلده.
ننزى: نلقح أنثى الخيل من فحل الحمير.
[شرح الحديث]
قوله " أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقْرَأُ فِى الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فَقَالَ (ابن عباس): لاَ لاَ. فَقِيلَ لَهُ: فَلَعَلَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِى نَفْسِهِ. فَقَالَ خَمْشًا (دعاء عليه بخمش وخدش جلده، وهذا يجري على اللسان ولا يقصد معناه) ثم قال: هَذِهِ شَرٌّ مِنَ الأُولَى كَانَ (أي رسول الله صلى الله عليه وسلم) عَبْدًا مَأْمُورًا بَلَّغَ مَا أُرْسِلَ بِهِ. وَأخرجه أَحْمد (3399) وَلَفظه: عَن عِكْرِمَة، قَالَ: قَالَ ابْن عَبَّاس: (قَرَأَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيمَا أَمر أَن يقْرَأ فِيهِ، وَسكت فِيمَا أَمر أَن يسكت فِيهِ). {وَمَا كَانَ رَبك نسيا} (مَرْيَم: 64). {وَلَقَد كَانَ لكم فِي رَسُول الله اسوة حَسَنَة} (الْأَحْزَاب: 21). وَإِلَى هَذِه الْأَحَادِيث ذهب قوم، مِنْهُم: سُوَيْد بن غَفلَة وَالْحسن ابْن صَالح وابن إِبْرَاهِيم بن علية وَمَالك فِي رِوَايَة، وَقَالُوا: لَا قِرَاءَة فِي الظّهْر وَالْعصر أصلا.
ولعل ابن عباس يعني غير الْفَاتِحَة، أو ينفي إطالة القراءة، وفي الحديث التالي يقول ابن عباس: (لاَ أَدْرِى أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقْرَأُ فِى الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ أَمْ لاَ) وإسناده أقوى، وفيه لا يجزم بنفي القراءة في الظهر والعصر، والجزم بنفي القراءة في الظهر والعصر مخالف بالأحاديث الصحيحة، فإنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ في الظهر والعصر من طرق كثيرة منها حديث أبي قتادة قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين ويسمعنا الآية أحيانا" [أخرجه البخاري (762) (778) ومسلم (451) وأبو داود (798)].
ومنها حديث خباب "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر فقيل له: بم كنتم تعرفون قال باضطراب لحيته. [تقدم برقم (801)] وكذلك ما تقدم من أحاديث الباب، ففيها رد على قول ابن عباس رض الله عنهما.
ثم قال " وَمَا اخْتَصَّنَا دُونَ النَّاسِ بِشَىْءٍ إِلاَّ بِثَلاَثِ خِصَالٍ" أي ما اختص آل البيت إلا بثلاث خصال.
"أَمَرَنَا أَنْ نُسْبِغَ الْوُضُوءَ " أي اتقان الوضوء وإحسانه والإتيان بشروطه وأركانه وفروضه وسننه وتجنب ما يكره فيه.
وهذا ليس خاصا بأهل البيت بل مأمور به كل مسلم. وأهل البيت به أولى.
ثم قال "وَأَنْ لاَ نَأْكُلَ الصَّدَقَةَ" فإن الصدقة محرمة على أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابن عباس هو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أهل بيته.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كخ كخ، ارم بها، أما علمتَ أنَّا لا نأكل الصدقة))؛ متفق عليه.
ومما اختص به النبي صلى الله عليه وسلم: أنه اختص بأحكام لا تتعداه إلى أمته، ككونه لا تحل له الصدقة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أُتِيَ بطعام سأل عنه: أهديّة أم صدقة؟ فإن قيل: صدقة قال لأصحابه: كلوا ولم يأكل، وإن قيل: هديّة ضرب بيده صلى الله عليه وسلم فأكل معهم) رواه البخاري. قال النووي: "فيه استعمال الورع والفحص عن أصل المأكل والمشرب".
وعن ربيعة بن الحارث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنَّ هذه الصّدقة، إنما هي أَوساخ الناس، وإنها لا تَحِلُّ لِمُحمَّدٍ ولا لآلِ محمَّد) رواه أبو داود وصححه الألباني. قال الشوكاني: "وإنما سميت أوساخاً لأنها تطهرة لأموال الناس ونفوسهم، قال الله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} (التوبة: 103) ".
ثم قال "وَأَنْ لاَ نُنْزِىَ الْحِمَارَ عَلَى الْفَرَسِ" الإنزاء هو تمكين الذكر (الحمار) من الأنثى (الفرس) للتلقيح. ونتاج هذا التزاوج هو "البغل"، وقد ركب النبي صلى الله عليه وسلم البغال، وهو نهي يهدف إلى الحفاظ على نسل الخيل العربية الأصيلة، وعدم اختلاطها بغيرها، لما في ذلك من تقليل لعدد الخيل، والحث على العناية بها لما لها من دور في الجهاد. وقد حمل العلماء هذا النهي على الكراهة (كراهة تنزيه)، وليس التحريم المطلق.
*****************************
809 - حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ (1) حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ (2) أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ (3) عَنْ عِكْرِمَةَ (4) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لاَ أَدْرِى أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقْرَأُ فِى الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ أَمْ لاَ.
- ---------------------------------•
إسناده صحيح:
أخرجه أحمد (2246) (2332) والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1218).
وأخرج أحمد (2085) وابن أبي شيبة (3637) كلاهما بسنده عَنِ الْحَسَنِ الْعُرَنِيَّ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ "مَا نَدْرِي أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ؟ وَلَكِنَّا نَقْرَأُ" والحسن العرني لم يسمع من ابن عباس.
وأخرجه البخاري (774) وأحمد (3092) (3399) كلاهما بسنده عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " قَرَأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا أُمِرَ وَسَكَتَ فِيمَا أُمِرَ، {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا}، {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} ".
[تراجم الاسناد]
(1) زِيَادُ بنُ أَيُّوْبَ بنِ زِيَادٍ الطُّوْسِيُّ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: صَدُوْقٌ.
(2) هُشَيْمُ بنُ بَشِيْرِ بنِ أَبِي خَازِمٍ أَبُو مُعَاوِيَةَ السَّلَمِيُّ، قال الذهبي: كَانَ رَأْساً فِي الحِفْظِ، إِلاَّ أَنَّهُ صَاحِبُ تَدْلِيسٍ كَثِيْرٍ، قَدْ عُرِفَ بِذَلِكَ.
(3) حصين بن عبد الرحمن، أبو الهذيل السلمي الكوفي. قال أحمد بن حنبل: حصين بن عبد الرحمن الثقة المأمون من كبار أصحاب الحديث. وقال يحيى بن معين: ثقة. وقال أحمد العجلي: كوفي ثقة ثبت في الحديث
(4) عِكْرِمَةُ أَبُو عَبْدِ اللهِ القُرَشِيُّ مَوْلاَهُم؛ مولى ابن عباس رضي الله عنهما؛ المَدَنِيُّ، البَرْبَرِيُّ الأَصْلِ. قَالَ يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ: مَاتَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعِكْرِمَةُ عَبْدٌ لَمْ يُعْتَقْ، فَبَاعَهُ عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللهِ. فَقِيْلَ لَهُ: تَبِيْعُ عِلْمَ أَبِيْكَ؟! فَاسْتَرَدَّهُ.
تكلم فيه لرأيه لا لحفظه فاتهم برأى الخوارج.
وقد وثقه جماعة، واعتمده البخاري وأما مسلم فتجنبه، وروى له قليلا مقرونا.
[شرح الحديث]
قول ابن عباس رضي الله عنهما "لاَ أَدْرِى أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقْرَأُ فِى الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ أَمْ لاَ" يعني لم يتحقق عنده نفي القراءة، وقد تحقق قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند غيره من الصحابة. وقد سبق بيان ذلك.
قال الطحاوي في " شرح معاني الآثار" (1/ 205) فَهَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا يُخْبِرُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ عِنْدَهُ , أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَقْرَأُ فِيهِمَا , .... فَإِذَا انْتَفَى أَنْ يَكُونَ قَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ عِنْدَهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , انْتَفَى مَا قَالَ مِنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّ غَيْرَهُ قَدْ تَحَقَّقَ قِرَاءَةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمَا. [انتهى]
والله الموفق
الدر المعقود بشرح سنن أبي داود
أبو عاصم البركاتي الأثري المصري