الدر المعقود بشرح سنن أبي داود
الأحاديث (1045) (1046) (1047) (1048) (1049)
208 - باب مَنْ صَلَّى لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ ثُمَّ عَلِمَ.
1045 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ (1) حَدَّثَنَا حَمَّادٌ (3) عَنْ ثَابِتٍ (4) وَحُمَيْدٍ (5) عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يُصَلُّونَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِى سَلِمَةَ فَنَادَاهُمْ وَهُمْ رُكُوعٌ فِى صَلاَةِ الْفَجْرِ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَلاَ إِنَّ الْقِبْلَةَ قَدْ حُوِّلَتْ إِلَى الْكَعْبَةِ مَرَّتَيْنِ فَمَالُوا كَمَا هُمْ رُكُوعٌ إِلَى الْكَعْبَةِ.
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه مسلم (527) والنسائي في الكبرى (10941) وأحمد (14034) وأبو يعلى (3826) وابن خزيمة (430) وابن أبي شيبة في المصنف (3372) وأبو عوانة في المستخرج (1539).
[تراجم الإسناد]
(1) أبو سلمة التبوذكي، موسى بن إسماعيل، أحد الثقات.
(3) حماد بن سلمة.
(4) ثابت بن أسلم البناني.
(5) حميد الطويل.
[شرح الحديث]
يروي الحديث قصة حدثت في السنة الثانية للهجرة عند تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى الكعبة المشرفة.
فعن أنس أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يُصَلُّونَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ" وذلك ستة عشر أو سبعة عشر شهرا بعد الهجرة. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يتوجه إلى الكعبة، قال تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، مَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِى سَلِمَةَ فَنَادَاهُمْ وَهُمْ رُكُوعٌ فِى صَلاَةِ الْفَجْرِ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَلاَ إِنَّ الْقِبْلَةَ قَدْ حُوِّلَتْ إِلَى الْكَعْبَةِ مَرَّتَيْنِ. ولم يكن قد وصلهم الخبر بالتحول للكعبة.
قال " فَمَالُوا كَمَا هُمْ رُكُوعٌ إِلَى الْكَعْبَةِ" وفيه سرعة استجابة الصحابة لأمر الله تعالى. وفي الحديث بيان عدم صحة الصلاة لغير الكعبة، وأن من صلى لغير الكعبة ثم علم وجب عليه التوجه للكعبة مباشرة، وعليه من صلى وتبين له الخطأ، فلا تلزمه الإعادة عند الحنفية والمالكية، بينما يرى الشافعية والحنابلة وجوب الإعادة.
وفي الحديث: نسخ التوجه للمسجد الأقصى في الصلاة بالتوجه للكعبة وذلك من شروط صحة الصلاة.
وفيه: قبول خبر الواحد وبيان حجيته.
وفيه: سرعة استجابة الصحابة ومتابعتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
*******************
تَفْرِيعُ أَبْوَابِ الْجُمُعَةِ
209 - باب فَضْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَةِ الْجُمُعَةِ.
1046 - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ (1) عَنْ مَالِكٍ (2) عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ (3) عَنْ مُحَمَّدِ بنِ إِبْرَاهِيمَ (4) عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ وَفِيهِ أُهْبِطَ وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ وَفِيهِ مَاتَ، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ وَهِىَ مُسِيخَةٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ حِينَ تُصْبِحُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ شَفَقًا مِنَ السَّاعَةِ إِلاَّ الْجِنَّ وَالإِنْسَ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لاَ يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّى يَسْأَلُ اللَّهَ حَاجَةً إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهَا». قَالَ كَعْبٌ ذَلِكَ فِى كُلِّ سَنَةٍ يَوْمٌ.
فَقُلْتُ بَلْ فِى كُلِّ جُمُعَةٍ. قَالَ فَقَرَأَ كَعْبٌ التَّوْرَاةَ فَقَالَ صَدَقَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم-. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ثُمَّ لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلاَمٍ فَحَدَّثْتُهُ بِمَجْلِسِى مَعَ كَعْبٍ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ قَدْ عَلِمْتُ أَيَّةَ سَاعَةٍ هِىَ.
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقُلْتُ لَهُ فَأَخْبِرْنِى بِهَا. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ هِىَ آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ. فَقُلْتُ كَيْفَ هِىَ آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «لاَ يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّى». وَتِلْكَ السَّاعَةُ لاَ يُصَلَّى فِيهَا. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَنْ جَلَسَ مَجْلِسًا يَنْتَظِرُ الصَّلاَةَ فَهُوَ فِى صَلاَةٍ حَتَّى يُصَلِّىَ». قَالَ فَقُلْتُ بَلَى. قَالَ هُوَ ذَاكَ.
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرج البخاري جملا منه برقم (935) (5294) (6400) ومسلم (852)، (854) ومالك (1/ 108) والترمذي (488) (491) والنسائي (1373) (1430) (1431) (1432) وابن ماجه (1137) وأحمد (10303) (23779) (23791).
[تراجم الإسناد]
(1) عبد الله بن مسلمة، القعنبى ثقة عابد، قال أبو حاتم: ثقة حجة لم أر أخشع منه. وقال أبو زرعة: ما كتبت عن أحد أجل فى عينى منه.
(2) الإمام مالك بن أنس الأصبحي. شيخ الإسلام، صاحب الموطأ وإمام المدينة النبوية. ورأس المذهب المالكي.
(3) يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بنُ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ الْإِمَامُ الْحَافِظُ، الْحُجَّةُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيُّ، الْمَدَنِيُّ. قَالَ أَحْمَدُ: لَا أَعْلَمُ بِهِ بَأْسًا. وَقَالَ النَّسَائِيُّ: ثِقَةٌ. وقال يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ: ثِقَةٌ.
(4) مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن الحارث التَّيْمِيّ. قال البخاري: صحيحُ الحديث. وقال العِجلي: مدني، ثقة.
(5) أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف. أحد الثقات.
[شرح الحديث]
قوله "خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ" بيان لأفضليه يوم الجمعة على سائر أيام الأسبوع.
" فِيهِ خُلِقَ آدَمُ وَفِيهِ أُهْبِطَ وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ وَفِيهِ مَاتَ" مِن خَصائصِ ذلك اليومِ أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ خَلَقَ فيه أبا البَشرِ آدَمَ عليه السلامُ، وفيه أَسْكَنه اللهُ عزَّ وجلَّ الجَنَّةَ، وَفيهِ أُخرِجَ آدَمُ وزَوجتُه مِنَ الجنَّةِ وهَبَطَ إلَى الأَرضِ لِلخِلافةِ فيها، وخُروجُه منها هو خُروجُ العائدِ لها؛ لأنَّ الجَنَّةَ هي في الأصلِ مَسكنُه؛ لأنَّ اللهَ تعالىَ قال: {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة: 35]، ويومُ خُروجِه عليه السَّلامُ مِن الجَنَّةِ هو يومُ خِلافتِه في الأرضِ ونُزولِه لها.
وفي يوم الجمعة تاب الله تعالى على آدم بعدَما عصاه وأكَل مِن الشَّجرةِ،: {ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} [طه: 122]
"وفيه مات"، أي: وفي يومِ الجمعةِ أيضًا مات أبو البَشَر آدمُ عليه السَّلام.
"وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ" أي يوم القيامة.
"وَمَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ وَهِىَ مُسِيخَةٌ (أي: مُصغِيَة ومُستَمِعة ") يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ حِينَ تُصْبِحُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ شَفَقًا (أي خوفا) مِنَ السَّاعَةِ إِلاَّ الْجِنَّ وَالإِنْسَ" فإنَّهم لا يَترقَّبون ولا يَخافون قيامَ السَّاعةِ في هذا اليومِ؛ لعِظَمِ غفلتِهم.
"وَفِيهِ سَاعَةٌ لاَ يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّى يَسْأَلُ اللَّهَ حَاجَةً إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهَا" أي: استَجَاب اللهُ عزَّ وجلَّ له.
"قَالَ كَعْبٌ (الاحبار) ذَلِكَ فِى كُلِّ سَنَةٍ يَوْمٌ؟. فَقُلْتُ (أبو هريرة) بَلْ فِى كُلِّ جُمُعَةٍ. قَالَ فَقَرَأَ كَعْبٌ التَّوْرَاةَ فَقَالَ: صَدَقَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم-. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ثُمَّ لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلاَمٍ فَحَدَّثْتُهُ بِمَجْلِسِى مَعَ كَعْبٍ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ قَدْ عَلِمْتُ أَيَّةَ سَاعَةٍ هِىَ. أي: أَعرِفُ وقتَها تحديدًا مِن يومِ الجُمُعةِ.
قالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقُلْتُ لَهُ فَأَخْبِرْنِى بِهَا (أي عن وقتها). فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ هِىَ آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ. فَقُلْتُ كَيْفَ هِىَ آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «لاَ يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّى». وَتِلْكَ السَّاعَةُ لاَ يُصَلَّى فِيهَا. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَنْ جَلَسَ مَجْلِسًا يَنْتَظِرُ الصَّلاَةَ فَهُوَ فِى صَلاَةٍ حَتَّى يُصَلِّىَ». قَالَ فَقُلْتُ بَلَى. قَالَ هُوَ ذَاكَ. ومعنى "هو ذاك"، أي: أنَّ المرادَ بِمُصادفةِ تلك السَّاعةِ، هو الانشِغالُ بالدُّعاءِ (والصلاة لغة هي الدعاء)، وأي من انشغل بالدعاء والذِّكر حالَ انتظارِ الصَّلاةِ في المسجدِ في ذلك اليومِ، وخاصَّة في آخِرِ يومِ الجُمعةِ كأنه في صلاة.
وفي الحديث: تفضيل يو الجمعة على سائر أيام الأسبوع.
وفيه: تخصيص يوم الجمعة ببعض الأعمال العظيمة.
وفيه: وجود ساعة استجابة للدعاء في يوم الجمعة وهي آخر وقت العصر.
وفيه: أن من أسماء الدعاء الصلاة.
*********************
1047 - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ (1) حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِىٍّ (2) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ (3) عَنْ أَبِى الأَشْعَثِ الصَّنْعَانِىِّ (4) عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ وَفِيهِ قُبِضَ وَفِيهِ النَّفْخَةُ وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَىَّ مِنَ الصَّلاَةِ فِيهِ فَإِنَّ صَلاَتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَىَّ». قَالَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلاَتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرِمْتَ يَقُولُونَ بَلِيتَ. فَقَالَ «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ».
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه النسائي (1374) وابن ماجه (1085) (1636) وأحمد (16162) والدارمي (1613) وابن خزيمة (1733) وابن أبي شيبة (8697) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (1577) والبزار في المسند (3485) وابن حبان (910) والحاكم في المستدرك (1029) وقال: حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، ووافقه الذهبي.
[تراجم الإسناد]
(1) هَارُوْنُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ مَرْوَانَ الحَمَّالُ، أَبُو مُوْسَى البَغْدَادِيُّ، التَّاجِرُ، البَزَّازُ، إمام كبير، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: صَدُوْقٌ.
وَقَالَ النَّسَائِيُّ، وَغَيْرُهُ: ثِقَةٌ. وَقَالَ إِبْرَاهِيْمُ الحَرْبِيُّ: لَوْ كَانَ الكَذِبُ حَلاَلاً، تَرَكَهُ هَارُوْنُ الحَمَّالُ تَنَزُّهاً.
(2) الحسين بن علي الجعفي، كان من أهل الفضل و التقوى والعبادة، وحديثه في كتب الإسلام الستة، وفي " مسند " أحمد. وثقه ابن معين، قال العجلي: ثقة، كان يُقرئ القرآن، وكان رأسًا فيه، وكان رجلًا صالحًا لم أر رجلًا قط أفضل مه.
وقال يعقوب بن سفيان: ثقة. وذكره ابن حبان في جملة "الثقات".
(3) عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، الإمام، الحافظ، فقيه الشام مع الأوزاعي، أبو عتبة الأزدي، الدمشقي، الداراني. وثقه يحيى بن معين وأبو حاتم، وقال أحمد بن حنبل: ابن جابر ليس به بأس.
(4) أبو الأشعث الصنعاني، من كبار علماء دمشق، وفي اسمه أقوال، أقواها: شراحيل بن آدة. وثقه العجلي، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن عبد البر: تابعي ثقة.
(5) أوس بن أوس الثقفي صاحب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) نزل دمشق وقبره بها.
[معانى بعض الكلمات]:
أَرَمَ: بلى.
أرمت: بليت.
[شرح الحديث]
قوله " وَفِيهِ النَّفْخَةُ وَفِيهِ الصَّعْقَةُ" أي: في يوم الجمعة يكونُ النَّفْخُ والصَّعْقُ مَبْدَأُ قيامِ السَّاعة وأهوالِ يومِ القيامةِ؛ يقولُ الله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} [الزمر: 68]؛ فهُما مُتلازِمان، فإذا نُفِخ في الصُّور (وهو شيءٌ كالقَرْنِ يُنفَخُ فيه يومَ القيامةِ) تَبِعه على الفَوْرِ الصَّعْقُ (وهو موتُ الناسِ مِن شِدَّةِ الفَزَعِ للصَّوتِ).
" فَأَكْثِرُوا عَلَىَّ مِنَ الصَّلاَةِ فِيهِ فَإِنَّ صَلاَتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَىَّ" فيستحب الإكثار من الصلاة والسلام على النبي محمد في ليلة ويوم الجمعة، والصلاة تعرض عليه. قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}، و روى مسلم (408) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا"
وقد صحت أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يبلغه سلام من يسلم عليه من أمته، وأنه يرد ذلك.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَا مِن أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلا رَدَّ اللهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيهِ السَّلَامَ) رواه أبو داود (2041)، صححه النووي في "الأذكار" (ص 154)، وابن حجر في "فتح الباري" (6/ 563)، والشيخ الألباني في "صحيح أبي داود".
وعن أبي بكر الصديق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أكثروا الصلاة علي، فإن الله وكل بي ملكا عند قبري، فإذا صل علي رجل من أمتي قال لي ذلك الملك: يا محمد إن فلان بن فلان صلى عليك الساعة) وحسنه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (1530).
ثم قال " قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلاَتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرِمْتَ يَقُولُونَ: بَلِيتَ "، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ» أي: إن الله يحفظ أجساد الأنبياء وهُم في قُبورِهم، فتبقى سليمة ولا تبلى، وهذا من كرامتهم على الله، وحياة الأنبياء في قبورهم حياة برزخية غيبية علمها لله وحده.
**********************
210 - باب الإِجَابَةِ أَيَّةُ سَاعَةٍ هِىَ فِى يَوْمِ الْجُمُعَةِ.
1048 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ (1) حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ (2) أَخْبَرَنِى عَمْرٌو - يَعْنِى ابْنَ الْحَارِثِ (3) - أَنَّ الْجُلاَحَ مَوْلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ (4) حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (5) - حَدَّثَهُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ «يَوْمُ الْجُمُعَةِ ثِنْتَا عَشْرَةَ». يُرِيدُ سَاعَةً «لاَ يُوجَدُ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ شَيْئًا إِلاَّ آتَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَالْتَمِسُوهَا آخِرَ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ».
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه النسائي (1389) وابن وهب في الموطأ (228) وفي الجامع (225) والطبراني في الدعاء (184) والحاكم في المستدرك (1032) والبيهقي في الكبرى (6001) وإسناده صحيح.
والحديث له شاهد أخرجه أحمد (7688) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأَبِي هُرَيْرَة. وإسناده ضعيف.
[تراجم الإسناد]
(1) أحمد بن صالح المصرى، أبو جعفر ابن الطبرى، قَالَ أَحْمَدُ العِجْلِيُّ: ثِقَةٌ، صَاحِبُ سُنَّةٍ.
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: ثِقَةٌ، وقَالَ البُخَارِيُّ: ثِقَةٌ، صَدُوْقٌ، مَا رَأَيْتُ أَحَداً يَتَكَلَّمُ فِيْهِ بِحُجَّةٍ، وتكلم فيه ابن معين والنسائي، والصواب أنه ثقة، قال أَبو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيَّ: قَدِمْتُ العِرَاقَ، فَسَأَلَنِي أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ: مَنْ خَلَّفْتَ بِمِصْرَ؟ قُلْتُ: أَحْمَدَ بنَ صَالِحٍ. فَسُرَّ بِذِكْرِهِ، وَذَكَرَ خَيْراً، وَدَعَا اللهَ لَهُ.
(2) عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبِ، المِصْرِيُّ، وثقه أحمد بن حنبل وابن معين وابن عدي.
(3) عمرو بن الحارث المصري. عالم الديار المصرية ومفتيها. أحد الثقات. قال ابن معين، وأبو زرعة، والعجلي، والنسائي، وطائفة: ثقة.
(4) أَبُو كثير الجلاح، مولى عبد العزيز بْن مروان بْن الحكم مشهور باسمه وكنيته. رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ.
(5) أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أحد الثقات.
[شرح الحديث]
قوله "يَوْمُ الْجُمُعَةِ ثِنْتَا عَشْرَةَ" أي: يومُ الجمُعةِ مُقسَّمٌ إلى اثنَتَيْ عَشْرةَ ساعةً مُتفاوِتةً في الأجرِ والثَّوابِ، ومنها ساعةُ الإجابةِ الَّتي "لا يُوجَدُ مُسلِمٌ يَسأَلُ اللهَ عزَّ وجلَّ" فيها "شيئًا إلَّا آتاه اللهُ عزَّ وجلَّ، فالْتَمِسوها آخِرَ ساعةٍ بعدَ العصرِ"، أي: اطلُبُوها وتَحرَّوْها في هذا الوقتِ، وهذا تحديدٌ لساعةِ الإجابةِ في يومِ الجمُعةِ؛ فينبَغي الحِرصُ عليها وعلى الدُّعاءِ فيها.
ومن حجج من قال: إنها بعد العصر أيضا فقوله صلى الله عليه وسلم: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة العصر ثم يعرج الذين باتوا فيكم" [متفق عليه]، قالوا: فهذه الساعة وقت عروج الملائكة وعرض الأعمال على الله -عز وجل- فيوجب الله فيه مغفرته للمصلين.
وفي الحديثِ: الحثُّ على الْتِماسِ ساعةِ الإجابةِ في يوم الجُمُعةِ، والدُّعاءِ فيها بخَيريِ الدُّنيا والآخِرةِ.
**********************
1049 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ (1) حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ (2) أَخْبَرَنِى مَخْرَمَةُ - يَعْنِى ابْنَ بُكَيْرٍ (3) - عَنْ أَبِيهِ (4) عَنْ أَبِى بُرْدَةَ بْنِ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ (5) قَالَ قَالَ لِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَسَمِعْتَ أَبَاكَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِى شَأْنِ الْجُمُعَةِ يَعْنِى السَّاعَةَ. قَالَ قُلْتُ نَعَمْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «هِىَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الإِمَامُ إِلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلاَةُ». قَالَ أَبُو دَاوُدَ يَعْنِى عَلَى الْمِنْبَرِ.
- ---------------------------------•
حسن:
أخرجه مسلم (853) والروياني في مسنده (494) وأبو عوانة في المستخرج (2551) وابن خزيمة (1739) والطبراني في الدعاء (181) وابن المنذر في الأوسط (1717) وأعل بالاضطراب والانقطاع فإن مخرمة اختلف في سماعه من أبيه، قال الإمام أحمد لم يسمع من أبيه وإنما هو كتاب. وقال بن أبي أويس وجدت في ظهر كتاب مالك: سألت مخرمة عما يحدث به عن أبيه سمعها من أبيه؟ فحلف لي ورب هذه البنية سمعت من أبي.
وقال أبو الحسن القطان في الوهم والإيهام (2/ 373): إِنَّمَا كَانَ يحدث من كتاب أَبِيه.
ولمعنى الحديث شاهد وإسناده لا بأس به عن أبي ذر رضي الله عنه أخرجه الطبراني في الدعاء (183) وابن المنذر في الأوسط (1724) كلاهما بسنده إلى حَيْوَة بن شُرَيْحٍ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو الْمَعَافِرِيِّ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرحمن بنِ حُجَيْرَةَ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، أَنَّ امْرَأَتَهُ سَأَلَتْهُ عَنِ السَّاعَةِ الَّتِي يَسْتَجِيبُ اللهُ فِيهَا لِلْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ، فَقَالَ: " إِنَّهَا بَعْدَ زَيْغِ الشَّمْسِ يُشِيرُ إِلَى ذِرَاعٍ، فَإِنْ سَأَلْتِينِي بَعْدَهَا فَأَنْتِ طَالِقٌ، يَعْنِي يَوْمَ الْجُمُعَةِ.
وقوله "بعد زيغ الشمس": أي بعد زوال الشمس عن وسط السماء (بداية وقت صلاة الظهر).
[تراجم الإسناد]
(1) أحمد بن صالح المصرى، أبو جعفر ابن الطبرى، قَالَ أَحْمَدُ العِجْلِيُّ: ثِقَةٌ، صَاحِبُ سُنَّةٍ.
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: ثِقَةٌ، وقَالَ البُخَارِيُّ: ثِقَةٌ، صَدُوْقٌ، مَا رَأَيْتُ أَحَداً يَتَكَلَّمُ فِيْهِ بِحُجَّةٍ، وتكلم فيه ابن معين والنسائي، والصواب أنه ثقة، قال أَبو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيَّ: قَدِمْتُ العِرَاقَ، فَسَأَلَنِي أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ: مَنْ خَلَّفْتَ بِمِصْرَ؟ قُلْتُ: أَحْمَدَ بنَ صَالِحٍ. فَسُرَّ بِذِكْرِهِ، وَذَكَرَ خَيْراً، وَدَعَا اللهَ لَهُ.
(2) عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبِ، المِصْرِيُّ، وثقه أحمد بن حنبل وابن معين وابن عدي.
(3) مخرمة بن بكير بن عبد الله بن الأشج القرشى، أبو المسور المدنى، وثقه الإمام مالك، ووثقه أحمد وقال: لم يسمع من أبيه شيئا، و قال النسائى: ليس به بأس، وقال أبو حاتم صالح الحديث. وضعفه ابن معين. وقال أبو الحسن القطان في الوهم والإيهام (2/ 373): إِنَّمَا كَانَ يحدث من كتاب أَبِيه.
(4) بكير بن عبد الله بن الأشج، قال أحمد بن حنبل: ثقة صالح. وقال يحيى بن معين وغيره: ثقة. وقال أحمد بن عبد الله العجلي: ثقة، مدني.
(5) أبو بردة بن أبي موسى الأشعري، الإمام، الفقيه، الثبت.
[شرح الحديث]
حديث أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في ساعة الإجابة يوم الجمعة: (هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الْإِمَامُ إِلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاةُ)، والمقصود بالإمام هنا هو (الخطيب)، ووقتها يبدأ من جلوسه على المنبر للخطبة وحتى ينتهي الناس من صلاة الجمعة.
اختلاف علماء السلف في هذه الساعة التي في الجمعة: .....
قال أبو ذر -رضي الله عنه-: هي ما بين أن تزيغ الشمس بشبر إلى ذراع. وقالت عائشة -رضي الله عنها-: هي إذا أذن المؤذن بالصلاة. وقال ابن عمر -رضي الله عنه-: هي الساعة التي اختار الله فيها الصلاة.
وقال أبو أمامة -رضي الله عنه-: إني لأرجو أن تكون في هذه الساعة: إذا أذن المؤذن، أو إذا جلس الإمام على المنبر، أو عند الإقامة.
وقال الشعبي: هي ما بين أن يحرم البيع إلى أن يحل.
وقال أبو موسى -رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم-: هي ما بين أن يجلس الإمام إلى انقضاء الصلاة.
فأما حجة من قال: إنها بعد العصر، فقوله صلى الله عليه وسلم: يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة العصر ثم يعرج الذين باتوا فيكم، قالوا: فهذه الساعة وقت عروج الملائكة وعرض الأعمال على الله -عز وجل- فيوجب الله فيه مغفرته للمصلين. انتهى. [راجع / الترغيب والترهيب لقوام السنة (1/ 506)].
ولا تعارض بين الحديث وأحاديث جابر وأبي هريرة وغيرهما لأنه يحتمل تنوع ساعة الإجابة في الأيام فمرة تكون في هذا الوقت ومرة في ذاك الوقت، وذلك ليتحراها المسلم وليجتهد في طلبها.
والله الموفق
الدر المعقود بشرح سنن أبي داود
أبو عاصم البركاتي الأثري المصري