الدر المعقود بشرح سنن أبي داود
الأحاديث (1076) (1077) (1078)
221 - باب اللُّبْسِ لِلْجُمُعَةِ.
1076 - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ (1) عَنْ مَالِكٍ (2) عَنْ نَافِعٍ (3) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ - يَعْنِى تُبَاعُ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لاَ خَلاَقَ لَهُ فِى الآخِرَةِ».
ثُمَّ جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنْهَا حُلَلٌ فَأَعْطَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مِنْهَا حُلَّةً فَقَالَ عُمَرُ كَسَوْتَنِيهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَدْ قُلْتَ فِى حُلَّةِ عُطَارِدَ مَا قُلْتَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «إِنِّى لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا». فَكَسَاهَا عُمَرُ أَخًا لَهُ مُشْرِكًا بِمَكَّةَ.
- ---------------------------------•
صحيح:
مالك في الموطأ (2/ 917) والبخاري (886)، (3054)، (5841)، (5981) ومسلم (2068) وأبو داود (4040) والنسائي (1382) (1560) (5295) وابن ماجه (3591) وأحمد (4713)، (5797).
[تراجم الإسناد]
(1) عبد الله بن مسلمة القعنبى، قال أبو حاتم: ثقة حجة لم أر أخشع منه. وقال أبو زرعة: ما كتبت عن أحد أجل فى عينى منه.
(2) الإمام مالك بن أنس الأصبحي.
(3) نافع المدني، مولى ابن عمر رضي الله عنهما.
[معانى بعض الكلمات]:
الخلاق: الحظ والنصيب.
السيراء: ثياب من الحرير فيه خطوط.
[شرح الحديث]
قوله "رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ - يَعْنِى تُبَاعُ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ -" وحلة سيراء: والحلة هو الثوب المكون من قطعتين، رداء وإزار، أو قميص وسروال (بنطال) وهكذا.
وسيراء أي بها خطوط تكون في ذلك الثوب من الحرير، أو أن يكون الثوب كله من حرير، وأجمع الفقهاء على:
أن الحرير حلال جائز للإناث، وأن الحرير حرام على الذكور. وفي الحديث عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أخذَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ حريرًا بشمالِهِ، وذَهَبًا بيمينِهِ، ثمَّ رفعَ بِهِما يدَيهِ، فقالَ: إنَّ هذَينِ حرامٌ علَى ذُكورِ أُمَّتي، حِلٌّ لإناثِهِم" [أخرجه أبو داود (4057)، والنسائي (5144)، وابن ماجه (3595) واللفظ له، وأحمد (750)].
ثم قال عمر: "فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ." أي أشار عمر رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشتري الحلة لما رأى من حسنها، وذلك ليلبسها يوم الجمعة في الصلاة. وذلك لاستحباب لبس أجمل الثياب للجمعة. وكذلك يلبسها ليقابل بها الوفود الذين يفدون عليه.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لاَ خَلاَقَ لَهُ فِى الآخِرَةِ» أي إنما يلبس هذه من لا خلاق (حظ أو نصيب أو ثوب وأجر) في الآخرة أي يوم القيامة، وهو أسلوب خبري ولكن فيه النهي، أي فيه دليل تحريم لبس الرجال للحرير في الدنيا وهو من ثيابهم في الجنة، قال سبحانه: {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} [فاطر:33].
قال: " ثُمَّ جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنْهَا حُلَلٌ فَأَعْطَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مِنْهَا حُلَّةً فَقَالَ عُمَرُ كَسَوْتَنِيهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَدْ قُلْتَ فِى حُلَّةِ عُطَارِدَ مَا قُلْتَ؟ وحلة عطارد هي الحلة التي قال فيها صلى الله عليه وسلم «إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لاَ خَلاَقَ لَهُ فِى الآخِرَةِ»، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «إِنِّى لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا» أي لم أعطها لك لتلبسها وإنما عبر بلفظ أكسكها لأنه العادة في الاستعمال مع اللباس. والمعنى أعطيتها لك لتنتفع بها فتَبِيعُهَا وَتُصِيبُ بِهَا حَاجَتَكَ، وفي رواية عند البخاري رقم (5981) "إِنِّي لَمْ أُعْطِكَهَا لِتَلْبَسَهَا، وَلَكِنْ تَبِيعُهَا أَوْ تَكْسُوهَا"، أو تعطيها لنسائك أو تهديها. وأخرج البخاري ومسلم عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: «آتَى إِلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُلَّةً سِيَرَاءَ فَلَبِسْتُهَا، فَرَأَيْتُ الغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، فَشَقَّقْتُهَا بَيْنَ نِسَائِي».
قال: فَكَسَاهَا عُمَرُ أَخًا لَهُ مُشْرِكًا بِمَكَّةَ. أي أرسلها لأخ له لم يسلم بعد ليلبسها.
وفي الحديث: استحباب لبس أجمل الثياب للجمعة.
وفيه: تحريم لبس الحرير على الرجال من المسلمين وإباحته للنساء.
وفيه: استحباب تأليف قلوب غير المسلمين الذين يرجى إسلامهم بالهدية إليهم.
********************
1077 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ (1) حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ (2) أَخْبَرَنِى يُونُسُ (3) وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ (4) عَنِ ابْنِ شِهَابٍ (5) عَنْ سَالِمٍ (6) عَنْ أَبِيهِ قَالَ وَجَدَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حُلَّةَ إِسْتَبْرَقٍ تُبَاعُ بِالسُّوقِ فَأَخَذَهَا فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ ابْتَعْ هَذِهِ تَجَمَّلْ بِهَا لِلْعِيدِ وَلِلْوَفْدِ. ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ وَالأَوَّلُ أَتَمُّ.
- ---------------------------------•
صحيح:
حديث سالم عن أبيه: أخرجه البخاري (948) (2104) (3054) (6081) وأخرجه في الأدب المفرد (349) ومسلم (2068) والنسائي (1560) (5299) وأبو يعلى في المسند (239) وابن حبان (5113).
[تراجم الإسناد]
(1) أحمد بن صالح المصرى، أبو جعفر ابن الطبرى، وثقه أبو حاتم والعجلي، وقَالَ البُخَارِيُّ: أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ: ثِقَةٌ، صَدُوْقٌ، مَا رَأَيْتُ أَحَداً يَتَكَلَّمُ فِيْهِ بِحُجَّةٍ، وتكلم فيه ابن معين والنسائي، والصواب أنه ثقة قال أَبو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيَّ: قَدِمْتُ العِرَاقَ، فَسَأَلَنِي أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ: مَنْ خَلَّفْتَ بِمِصْرَ؟ قُلْتُ: أَحْمَدَ بنَ صَالِحٍ. فَسُرَّ بِذِكْرِهِ، وَذَكَرَ خَيْراً، وَدَعَا اللهَ لَهُ.
(2) عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبِ بنِ مُسْلِمٍ، المِصْرِيُّ، وثقه أحمد بن حنبل وابن معين وابن عدي.
(3) يونس بن يزيد بن أبي النجاد، مشكان، أبو يزيد الأيلي.
(4) عمرو بن الحارث، المصري، قال فيه ابن معين، وأبو زرعة، والعجلي، والنسائي، وطائفة: ثقة.
(5) ابن شهاب الزهري.
(6) سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أحد الأعلام الثقات.
[شرح الحديث]
قوله " وَجَدَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حُلَّةَ إِسْتَبْرَقٍ تُبَاعُ بِالسُّوقِ" أي حلة من حرير. ولم يكن يعلم بتحريم لبس الحرير على الرجال أو لم يكن حرم ذلك حينئذ.
قال "فَأَخَذَهَا فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ ابْتَعْ هَذِهِ تَجَمَّلْ بِهَا لِلْعِيدِ وَلِلْوَفْدِ" أي أشار على النبي صلى الله عليه وسلم بذلك لما رأى حسنها، فبين له رسول الله صلى الله عليه وسلم تحريم لبس الحرير للرجال.
*******************
1078 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِى يُونُسُ (1) وَعَمْرٌو (2) أَنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الأَنْصَارِىَّ (3) حَدَّثَهُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ (4) حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «مَا عَلَى أَحَدِكُمْ إِنْ وَجَدَ». أَوْ «مَا عَلَى أَحَدِكُمْ إِنْ وَجَدْتُمْ أَنْ يَتَّخِذَ ثَوْبَيْنِ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ سِوَى ثَوْبَىْ مَهْنَتِهِ».
قَالَ عَمْرٌو وَأَخْبَرَنِى ابْنُ أَبِى حَبِيبٍ عَنْ مُوسَى بْنِ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ حَبَّانَ عَنِ ابْنِ سَلاَمٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ ذَلِكَ عَلَى الْمِنْبَرِ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَرَوَاهُ وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ عَنْ مُوسَى بْنِ سَعْدٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم-.
- ---------------------------------•
صحيح لغيره: وهذا مرسل.
أخرجه ابن ماجه (1095) وعبد الرزاق (5329)، (5330) والبيهقي في الكبرى (5952). وإسناده مرسل.
وأخرجه موصولا عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه: ابن ماجه عقب الحديث رقم (1095) والطبراني في الكبير (13/ 153) (373) بسنده إلى مُحَمَّدِ بنِ يَحْيَى بنِ حَبَّانَ، عَنْ يُوسُفَ بنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ، عَنْ أَبِيهِ بالحديث.
وللحديث شاهد عن عائشة رضي الله عنها:
أخرجه ابن ماجه (1096) وابن خزيمة (1765) وابن حبان (2777) وصححه الألباني.
[تراجم الإسناد]
(1) يونس بن يزيد الأيلي.
(2) عمرو بن الحارث المصري.
(3) يَحْيَى بن سَعِيدٍ الأَنْصَارِىَّ وثقه الثوري والنسائي والعجلي وغيرهم.
(4) حمد بن يحيى بن حبان بن منقذ بن عمرو، الإمام الفقيه الحجة أبو عبد الله الأنصاري النجاري، المازني المدني، حفيد الصحابي الذي كان يخدع في البيوع. ويقول: لا خلابة. وهو إمام مجمع على ثقته.
[معانى بعض الكلمات]:
المهنة: الخدمة والعمل.
[شرح الحديث]
قوله "مَا عَلَى أَحَدِكُمْ إِنْ وَجَدْتُمْ أَنْ يَتَّخِذَ ثَوْبَيْنِ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ سِوَى ثَوْبَىْ مَهْنَتِهِ" في هذا الحديث توجيه نبوي للتجمل والتزين لحضور صلاة الجمعة، لأن يوم الجمعة يومٌ عظيمٌ، وعيد أسبوعي، وهو خيرُ أيَّامِ الأسبوعِ، وفيه يجتمِعُ المُسلِمونَ.
وكان الناس يعملون في حقولهم ونخيلهم وتجاراتهم فكانوا يأتون للصلاة بثياب العمل فتفوح منها رائحة العرق، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم من وجد سعة من المال أن يجعل ثوبين (إزار ورداء) للصلاة، سوى ثياب العمل والمهنة.
كذا حث النبي صلى الله عليه وسلم على الغسل يوم الجمعة والادهان بالطيب ولبس أجمل الثياب، كما عِندَ البُخاريِّ، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: "مَن اغتَسَل يومَ الجُمُعةِ، وتَطهَّر بما استَطاعَ من طُهرٍ، ثم ادَّهنَ أو مَسَّ مِن طِيبٍ، ثم راحَ فلم يُفرِّقْ بينَ اثنينِ، فصلَّى ما كُتِبَ له، ثم إذا خرَج الإمامُ أَنصَتَ، غُفِرَ له ما بَينَه وبينَ الجُمُعةِ الأخرى".
والله الموفق
الدر المعقود بشرح سنن أبي داود
أبو عاصم البركاتي الأثري المصري