الدر المعقود بشرح سنن أبي داود
الأحاديث (1388) (1389)( 1390)( 1391)
أبواب قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَتَحْزِيبِهِ وَتَرْتِيلِهِ
8 - باب فِى كَمْ يُقْرَأُ الْقُرْآنُ.
1388 - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (1) وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ (2) قَالاَ أَخْبَرَنَا أَبَانُ (3) عَنْ يَحْيَى (4) عَنْ مُحَمَّدِ بنِ إِبْرَاهِيمَ (5) عَنْ أَبِى سَلَمَةَ (6) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ لَهُ «اقْرَإِ الْقُرْآنَ فِى شَهْرٍ». قَالَ إِنِّى أَجِدُ قُوَّةً. قَالَ «اقْرَأْ فِى عِشْرِينَ». قَالَ إِنِّى أَجِدُ قُوَّةً. قَالَ «اقْرَأْ فِى خَمْسَ عَشْرَةَ». قَالَ إِنِّى أَجِدُ قُوَّةً. قَالَ «اقْرَأْ فِى عَشْرٍ». قَالَ إِنِّى أَجِدُ قُوَّةً. قَالَ «اقْرَأْ فِى سَبْعٍ وَلاَ تَزِيدَنَّ عَلَى ذَلِكَ».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَحَدِيثُ مُسْلِمٍ أَتَمُّ.
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه البخاري (5054) ومسلم (1159) وأحمد (6506) وأبو عوانة في المستخرج (3894) والبيهقي في شعب الإيمان (1975).
[تراجم الإسناد]
(1) مُسْلِمُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ أَبُو عَمْرٍو الأَزْدِيُّ الفَرَاهِيدِيُّ؛ وثقه ابن معين؛ وقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: وَهُوَ ثِقَةٌ، صَدُوْقٌ.
(2) أبو سلمة موسى بن إسماعيل البصري التبوذكي.
(3) أَبَانُ بنُ يَزِيْدَ العَطَّارُ أَبُو يَزِيْدَ، قَالَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ: كَانَ ثَبْتاً فِي كُلِّ مَشَايِخِه. وَقَالَ يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ، وَأَحْمَدُ العِجْلِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ: كَانَ ثِقَةً.
(4) يحيى بن أبي كثير أحد الأعلام أبو نصر الطائي، مولاهم اليمامي.
(5) محمد بن إبراهيم التيمي.
(6) أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أحد الأعلام بالمدينة.
[شرح الحديث]
كان عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما شابا قويا مقبلا على العبادة وكان يقوم الليل كل ليلة بالقرآن كله، فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له «اقْرَإِ الْقُرْآنَ فِى شَهْرٍ» يعني حزب القرآن وجزئه لتتم قراءته في خلال الشهر. فقَالَ عبد الله: إِنِّى أَجِدُ قُوَّةً، يعني يستطيع قراءة أكثر من ذلك.
فقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقْرَأْ فِى عِشْرِينَ». قَالَ إِنِّى أَجِدُ قُوَّةً. قَالَ «اقْرَأْ فِى خَمْسَ عَشْرَةَ». قَالَ إِنِّى أَجِدُ قُوَّةً. قَالَ «اقْرَأْ فِى عَشْرٍ». قَالَ إِنِّى أَجِدُ قُوَّةً. قَالَ «اقْرَأْ فِى سَبْعٍ وَلاَ تَزِيدَنَّ عَلَى ذَلِكَ» ومعنى لا تزيدن أي لا تزيدين في الإقلال والإنقاص من الأيام عن سبع، وهذا مفهوم من السياق. وسيأتي الترخيص إلى ثلاثة أيام، وهذا من باب الأفضلية.
والحكمة في النهي عن الختم في أقل من سبعة أيام أن القارئ إذا أسرع:
- قد لا يتدبر معاني القرآن حق التدبر.
- قد يملّ ويترك القراءة جملةً بسبب شدة الإجهاد.
- قد يهمل حقوقاً أخرى له أو لأهله أو لجسده.
- يفوت عليه المقصود الأعلى من القراءة وهو الفهم والعمل.
وفي الحديث: التدرج في التعليم وفي الوعظ والنصح.
وفيه: مراعاة الفروق بين الناس في النشاط والقوة.
وفيه: النهي عن الغلو في العبادة وتحميل النفس بما قد لا تطيقه.
وفيه: حرص النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه واهتمامه بشؤونهم.
وفيه: قراءة القرآن بتدبر وتؤدة أفضل من السرعة والعجلة.
وفيه: بيان أن «أفضل الأعمال أدومها وإن قلّ» (متفق عليه). فالمداومة على ورد يومي معتدل خير من همة عالية تنقطع سريعاً.
**************************
1389 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ (1) أَخْبَرَنَا حَمَّادٌ (2) عَنْ عَطَاءِ بنِ السَّائِبِ (3) عَنْ أَبِيهِ (4) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ قَالَ لِى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «صُمْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَاقْرَإِ الْقُرْآنَ فِى شَهْرٍ». فَنَاقَصَنِى وَنَاقَصْتُهُ فَقَالَ «صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا». قَالَ عَطَاءٌ: وَاخْتَلَفْنَا عَنْ أَبِى فَقَالَ بَعْضُنَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَقَالَ بَعْضُنَا خَمْسًا.
- ---------------------------------•
إسناده صحيح:
أخرجه أبو نعيم في الحلية (6/ 286) والبيهقي في شعب الإيمان (1977) وعطاء بن السائب اختلط في آخر عمره إلا أن حماد بن سلمة روى عنه قبل اختلاطه.
ومن طرق أخرى أخرجه البخاري (5052) ومسلم (182/ 1159).
[تراجم الإسناد]
(1) سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبِ بنِ بَجِيْلٍ الوَاشِحِيُّ، أَبُو أَيُّوْبَ الوَاشِحِيُّ، قَالَ يَعْقُوْبُ بنُ شَيْبَةَ: كَانَ ثِقَةً، ثَبْتاً، صَاحِبَ حِفْظٍ.
وَقَالَ النَّسَائِيُّ: ثِقَةٌ، مَأْمُوْنٌ.
(2) حماد بن سلمة.
(3) عَطَاءُ بنُ السَّائِبِ الثَّقَفِيُّ الكُوْفِيُّ، وكان ثقة. وقد روى عنه المتقدمون. وقد كان تغير حفظه واختلط في آخر عمره. قال أحمد: من سمع منه قديما فهو صحيح، ومن سمع منه حديثاً لم يكن بشئ. وقال يحيى: لا يحتج به. وقال أبو حاتم: محله الصدق قبل أن يخلط.
(4) السَّائِب بن مَالِك، ويُقال: ابْن يَزِيد، الثقفي، الْكُوفِيّ، قال العِجْلِيّ: كوفي، تابعي، ثقة. وذكره ابنُ حِبَّان فِي كتاب "الثقات".
[شرح الحديث]
قول النبي-صلى الله عليه وسلم- لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: "صُمْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ" وذلك لأن الحسنة بعشر امثالها، فذلك مثل صيام الشهر كله.
وقوله " وَاقْرَإِ الْقُرْآنَ فِى شَهْرٍ" وذلك للتخفيف وللقدرة على التدبر. قال عبد الله: "فَنَاقَصَنِي وَنَاقَصْتُهُ" فَقَالَ أي النبي صلى الله عليه وسلم: «صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا» يعني يصوم أياما ويفطر بعددها من الشهر، ولا يصام أيام العيدين والتشريق. ثم قال: وقراءة القرآن في سَبْعَة أَيَّامٍ أو خمسة أيام (شك الراوي وهو عطاء).
**************
1390 - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى (1) حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ (2) أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ (3) أَخْبَرَنَا قَتَادَةُ (4) عَنْ يَزِيدَ بنِ عَبْدِ اللَّهِ (6) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فِى كَمْ أَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَالَ «فِى شَهْرٍ». قَالَ إِنِّى أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ - يُرَدِّدُ الْكَلاَمَ أَبُو مُوسَى - وَتَنَاقَصَهُ حَتَّى قَالَ: «اقْرَأْهُ فِى سَبْعٍ». قَالَ إِنِّى أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ. قَالَ «لاَ يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَهُ فِى أَقَلَّ مِنْ ثَلاَثٍ».
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه الترمذي (2949) والنسائي في الكبرى (8013) وابن ماجه (1347) وأحمد (6535) (6775) والدارمي (1534) وأبو داود الطيالسي (2389) والفريابي في فضائل القرآن (142) (144) (145).
[تراجم الإسناد]
(1) محمد بن المثنى، أبو موسى العنزي.
(2) عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان، البصري، قال أبو حاتم: صدوق.
(3) هَمَّامُ بنُ يَحْيَى بنِ دِيْنَارٍ العَوْذِيُّ، قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ المُبَارَكِ: هَمَّامٌ ثَبْتٌ فِي قَتَادَةَ.
قال يَزِيد بنَ زُرَيْعٍ: هَمَّامٌ حِفْظُه رَدِيْءٌ، وَكِتَابُهُ صَالِحٌ. وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: ثِقَةٌ، رُبَّمَا غَلِطَ. وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: لاَ بَأْسَ بِهَمَّامٍ.
(4) قتادة بن دعامة السدوسي.
(5) يزيد بن عبد الله بن الشخير، أبو العلاء العامري، البصري.
[شرح الحديث]
قول عبد الله بن عمرو: يَا رَسُولَ اللَّهِ فِى كَمْ أَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَالَ «فِى شَهْرٍ» وذلك للتخفيف والتيسير. قَالَ- عبد الله- إِنِّى أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ (أي أستطيع أكثر من ذلك)، ثم قَالَ: «اقْرَأْهُ فِى سَبْعٍ» يعني حزب القرآن على سبع ليال. قَالَ إِنِّى أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ. قَالَ «لاَ يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَهُ فِى أَقَلَّ مِنْ ثَلاَثٍ» أي: مَن قرَأه في أقلَّ مِن ثلاثةِ أيَّامٍ لا يَفهَمُه ولا يتدبَّرُه.
وفي الحديثِ: الحثُّ على التَّوسُّطِ في العِبادةِ.
وفيه: أنَّ أقلَّ مُدَّةٍ يُفهَمٌ فيها القرآنُ ثلاثةُ أيَّامٍ.
وفيه: فَضلُ عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو رضِي اللهُ عنهما، وحِرصُه على الاجتهادِ في العِبادةِ.
***************
1391 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَفْصٍ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَطَّانُ خَالُ عِيسَى بْنِ شَاذَانَ (1) أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ (2) أَخْبَرَنَا الحَرِيشُ بنُ سُلَيْمٍ (3) عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ (4) عَنْ خَيْثَمَةَ (5) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ قَالَ لِى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «اقْرَإِ الْقُرْآنَ فِى شَهْرٍ». قَالَ إِنَّ بِى قُوَّةً. قَالَ «اقْرَأْهُ فِى ثَلاَثٍ».
قَالَ أَبُو عَلِىٍّ سَمِعْتُ أَبَا دَاوُدَ يَقُولُ سَمِعْتُ أَحْمَدَ - يَعْنِى ابْنَ حَنْبَلٍ - يَقُولُ عِيسَى بْنُ شَاذَانَ كَيِّسٌ.
- ---------------------------------•
صحيح لغيره: وهذا إسناد ضعيف لأجل محمد بن حفص، والحريش فهما ضعيفان.
[تراجم الإسناد]
(1) مُحَمَّد بن حفص القطان، أبو عبد الرحمن البَصْرِيّ. ذكره ابنُ حِبَّان في كتاب "الثقات" وقال الذهبي في ميزان الاعتدال: متهم بالكذب.
(2) أبو داود الطيالسي. سليمان بن داود بن الجارود، البصري، صاحب المسند.
(3) الحَرِيشُ بنُ سُلَيْمٍ، قال فيه ابن معين: ليس بشيء، وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال الذهبي في "المغني": صدوق.
(4) طلحة بن مصرف بن عمرو بن كعب، الإمام الحافظ المقرئ، المجود، شيخ الإسلام، أبو محمد اليامي الهمداني الكوفي. قال شعبة: كنا في جنازة طلحة بن مصرف، فأثنى عليه أبو معشر وقال: ما خلف مثله.
(5) خيثمة بن عبد الرحمن بن أبي سبرة، الجعفي الكوفي، الفقيه ولأبيه ولجده صحبة.
[شرح الحديث]
قوله صلى الله عليه وسلم "اقْرَأْهُ فِى ثَلاَثٍ" وهذه أقل مدة مستحبة، وتقدم قوله صلى الله عليه وسلم "لاَ يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَهُ فِى أَقَلَّ مِنْ ثَلاَثٍ" قال العلماء: ولا يفهم من الحديث أن قراءته في أقل من ثلاث لا تجوز، إذ المنفي في الحديث هو الفقه والفهم وليس ثواب القراءة، فلا يلزم من عدم فهمه في أقل من ثلاث عدم قراءته أو حرمتها في أقل منها.
وعليه فقد ذهب جمهور العلماء إلى جواز قراءة القرآن وختمه في أقل من ثلاثة أيام، ولا تحرم القراءة، لكنها خلاف الأولى إذا كانت على سبيل المداومة.
كما أجاز بعض العلماء الإكثار من التلاوة والختم في أقل من ثلاث في الأزمنة الفاضلة كشهر رمضان أو الأماكن الفاضلة كمكة المكرمة استغلالاً لشرف الزمان والمكان لمن يطيق ذلك بفهم ونظر وتدبر.
قال النووي في التبيان في آداب حملة القرآن:
وختم بعضهم في كل يوم وليلة ختمة، ومنهم من كان يختم في كل يوم وليلة ختمتين، ومنهم من كان يختم ثلاثا، وختم بعضهم ثمان ختمات، أربعا بالليل وأربعا بالنهار، فمن الذين كانوا يختمون ختمة في الليل واليوم: عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ وتميم الداري وسعيد بن جبير ومجاهد والشافعي .... اهـ
والله الموفق
الدر المعقود بشرح سنن أبي داود
أبو عاصم البركاتي الأثري المصري