الدر المعقود بشرح سنن أبي داود
الأحاديث (1579) (1580) (1581) (1582) (1583)( 1584) (1585)
1579- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ (1) حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ (2) عَنْ هِلاَلِ بنِ خَبَّابٍ (3) عَنْ مَيْسَرَةَ أَبِى صَالِحٍ (4) عَنْ سُوَيْدِ بنِ غَفَلَةَ (5) قَالَ سِرْتُ أَوْ قَالَ أَخْبَرَنِى مَنْ سَارَ مَعَ مُصَدِّقِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- فَإِذَا فِى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «أَنْ لاَ تَأْخُذْ مِنْ رَاضِعِ لَبَنٍ، وَلاَ تَجْمَعْ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ وَلاَ تُفَرِّقْ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ». وَكَانَ إِنَّمَا يَأْتِى الْمِيَاهَ حِينَ تَرِدُ الْغَنَمُ فَيَقُولُ أَدُّوا صَدَقَاتِ أَمْوَالِكُمْ. قَالَ فَعَمَدَ رَجُلٌ مِنْهُمْ إِلَى نَاقَةٍ كَوْمَاءَ - قَالَ - قُلْتُ يَا أَبَا صَالِحٍ مَا الْكَوْمَاءُ قَالَ عَظِيمَةُ السَّنَامِ - قَالَ - فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا قَالَ إِنِّى أُحِبُّ أَنْ تَأْخُذَ خَيْرَ إِبِلِى. قَالَ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا قَالَ فَخَطَمَ لَهُ أُخْرَى دُونَهَا فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا ثُمَّ خَطَمَ لَهُ أُخْرَى دُونَهَا فَقَبِلَهَا وَقَالَ إِنِّى آخِذُهَا وَأَخَافُ أَنْ يَجِدَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ لِى عَمَدْتَ إِلَى رَجُلٍ فَتَخَيَّرْتَ عَلَيْهِ إِبِلَهُ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَرَوَاهُ هُشَيْمٌ عَنْ هِلاَلِ بْنِ خَبَّابٍ نَحْوَهُ إِلاَّ أَنَّهُ قَالَ «لاَ يُفَرِّقْ».
- ---------------------------------•
حسن:
أخرجه النسائي (2457) وفي الكبرى (2249) وأحمد (18837) وابن أبي شيبة في المصنف (9914) وابن زنجويه في الأموال (1518).
[تراجم الإسناد]
(1) مسدد بن مسرهد بن مسربل، الإمام الحافظ الحجة أبو الحسن الأسدي البصري، أحد أعلام الحديث، وثقه ابن معين والنسائي والعجلي. وله المسند وهو مفقود.
(2) أَبُو عَوَانَةَ الوَضَّاحُ بنُ عَبْدِ اللهِ اليشكري الوَاسِطِيُّ.
(3) هلال بن خباب العبدي، أبو العلاء البصري، قال أبو أحمد الحاكم: تغير بأخرة، وقال عفان بن مسلم: كوفي ثقة.
(4) أَبُو صالح ميسرة الكوفي، مشهور باسمه وكنيته. قال ابن حجر: مقبول.
(5) سُوَيْدُ بنُ غَفَلَةَ بنِ عَوْسَجَةَ بنِ عَامِرٍ الجُعْفِيُّ، أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - ووفد عليه فوجده وقد قبض.
[معانى بعض الكلمات]:
المصدق: هو عامل بيت المال الذي يأتي لأخذ الزكاة.
الكوماء: عظيمة السنام.
[شرح الحديث]
قوله "أَنْ لاَ تَأْخُذْ مِنْ رَاضِعِ لَبَنٍ " أي لا تأخذ في الزكاة الرضيع الذي لا يستغني عن لبن أمه، وكذا لا تأخذ الأمهات الحَلوب الَّتي أُعدَّتْ للدَّرِّ، لأنَّها مِن خِيارِ المالِ، وفي الحديث " فإيَّاكَ وكرائِمَ أموالِهم" [متفق عليه].
وقوله "وَلاَ تَجْمَعْ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ وَلاَ تُفَرِّقْ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ" أي لا تجمع ولا تفرق لتزيد حصة الزكاة، هو أن يكون هناك مالكان أو أكثر، لكل واحد منهم ماشية أقل من النصاب وهي متفرقة، فإذا جاء جابي الزكاة (المصدّق)، قام بجمع أموالهم معاً حتى تبلغ النصاب فتجب فيها الزكاة، وكذا لا يفعل ذلك أرباب المال لأجل الهروب من الزكاة، وقوله " لاَ تُفَرِّقْ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ" و هو أن يكون المال مجتمعاً لشركاء أو لمالك واحد وبلغ النصاب ووجبت فيه الزكاة، فإذا قرب الجابي لأخذ الزكاة، قاموا بتفريق الماشية إلى قطعان صغيرة حتى يقل العدد عن النصاب أو تخفّ الزكاة، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التحايل بهذا التفريق وأحيانا يكون التفريق لزيادة حصة الزكاة فمثلا رجل عند 120 من الغنم فيها شاتان فيقسمها الجابي أثلاثا كل ثلث اربعين فيكون زكاتها 3 شياه.
وفي الحديث "فَعَمَدَ رَجُلٌ مِنْهُمْ إِلَى نَاقَةٍ كَوْمَاءَ يعني عَظِيمَةُ السَّنَامِ وذلك ليدفها للزكاة، فَأَبَى - المصدق- أَنْ يَقْبَلَهَا، قَالَ أي الرجل: إِنِّى أُحِبُّ أَنْ تَأْخُذَ خَيْرَ إِبِلِى".
"ثُمَّ خَطَمَ لَهُ أُخْرَى دُونَهَا فَقَبِلَهَا" والخطام هو الحبل الذي يُقاد به البعير. وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن أخذ كرائم المال وخياره.
وفي الحديث: منع الظلم والتحايل في إخراج الزكاة؛ سواء من قِبَل أصحاب المال (لتهربهم من الزكاة بالتفريق) أو من قِبَل ساعي الزكاة (بجمع الأموال ظلماً لزيادة الحصيلة).
*********************
1580 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّازُ (1) حَدَّثَنَا شَرِيكٌ (2) عَنْ عُثْمَانَ بنِ أَبِى زُرْعَةَ (3) عَنْ أَبِى لَيْلَى الْكِنْدِىِّ (4) عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ قَالَ أَتَانَا مُصَدِّقُ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ وَقَرَأْتُ فِى عَهْدِهِ «لاَ يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ وَلاَ يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ». وَلَمْ يَذْكُرْ «رَاضِعَ لَبَنٍ».
- ---------------------------------•
صحيح لغيره: أخرجه ابن ماجه (1801) والدارمي (1670) وابن الجعد في المسند (2144) وهذا إسناد ضعيف لأجل شريك القاضي سيء الحفظ.
وله شاهد عن أنس، أخرجه البخاري (1450)، (6955) أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ لَهُ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَلاَ يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلاَ يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ».
[تراجم الإسناد]
(1) محمد بن الصباح البزاز الدولابى، أبو جعفر البغدادى، وَثَّقَهُ: أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: ثِقَةٌ، حُجَّةٌ، وَقَالَ يَعْقُوْبُ بنُ شَيْبَةَ: ثِقَةٌ
(2) شريك بن عبد الله، القاضي أبو عبد الله النخعي، أحد الأعلام، على لين ما في حديثه.
(3) عثمان بن أبى زرعة، هو عثمان بن المغيرة الثقفى مولاهم، أبو المغيرة الكوفى الأعشى. وثقه أحمد بن حنبل، والعجلي وابن شاهين.
(4) أَبُو ليلى الكندي، الكوفي. قِيلَ: اسمه سلمة بْن معاوية، وقيل: معاوية بن سلمة. قال يحيى بن مَعِين: ثقة، مشهور. ونقل كذلك تضعيفه عن ابن معين. وقال العجلي: كوفيٌّ تابعيٌّ ثقةٌّ، من كبار التابعين. "الثقات".
******************
1581 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ (1) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (2) عَنْ زَكَرِيَّا بنِ إِسْحَاقَ الْمَكِّىِّ (3) عَنْ عَمْرِو بنِ أَبِى سُفْيَانَ الْجُمَحِىِّ (4) عَنْ مُسْلِمِ بنِ ثَفِنَةَ الْيَشْكُرِىِّ (5) - قَالَ الْحَسَنُ رَوْحٌ يَقُولُ مُسْلِمُ بْنُ شُعْبَةَ - قَالَ اسْتَعْمَلَ نَافِعُ بنُ عَلْقَمَةَ أَبِى عَلَى عِرَافَةِ قَوْمِهِ فَأَمَرَهُ أَنْ يُصَدِّقَهُمْ قَالَ فَبَعَثَنِى أَبِى فِى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَأَتَيْتُ شَيْخًا كَبِيرًا يُقَالُ لَهُ سَعْرُ بْنُ دَيْسَمٍ فَقُلْتُ إِنَّ أَبِى بَعَثَنِى إِلَيْكَ - يَعْنِى لأُصَدِّقَكَ - قَالَ ابْنَ أَخِى وَأَىَّ نَحْوٍ تَأْخُذُونَ قُلْتُ نَخْتَارُ حَتَّى إِنَّا نَتَبَيَّنُ ضُرُوعَ الْغَنَمِ. قَالَ ابْنَ أَخِى فَإِنِّى أُحَدِّثُكَ أَنِّى كُنْتُ فِى شِعْبٍ مِنْ هَذِهِ الشِّعَابِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِى غَنَمٍ لِى فَجَاءَنِى رَجُلاَنِ عَلَى بَعِيرٍ فَقَالاَ لِى إِنَّا رَسُولاَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِلَيْكَ لِتُؤَدِّىَ صَدَقَةَ غَنَمِكَ. فَقُلْتُ مَا عَلَىَّ فِيهَا فَقَالاَ شَاةٌ. فَأَعْمِدُ إِلَى شَاةٍ قَدْ عَرَفْتُ مَكَانَهَا مُمْتَلِئَةً مَحْضًا وَشَحْمًا فَأَخْرَجْتُهَا إِلَيْهِمَا. فَقَالاَ هَذِهِ شَاةُ الشَّافِعِ وَقَدْ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ نَأْخُذَ شَافِعًا. قُلْتُ فَأَىَّ شَىْءٍ تَأْخُذَانِ قَالاَ عَنَاقًا جَذَعَةً أَوْ ثَنِيَّةً. قَالَ فَأَعْمِدُ إِلَى عَنَاقٍ مُعْتَاطٍ. وَالْمُعْتَاطُ الَّتِى لَمْ تَلِدْ وَلَدًا وَقَدْ حَانَ وِلاَدُهَا فَأَخْرَجْتُهَا إِلَيْهِمَا فَقَالاَ نَاوِلْنَاهَا. فَجَعَلاَهَا مَعَهُمَا عَلَى بَعِيرِهِمَا ثُمَّ انْطَلَقَا.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ رَوَاهُ أَبُو عَاصِمٍ عَنْ زَكَرِيَّاءَ قَالَ أَيْضًا مُسْلِمُ بْنُ شُعْبَةَ. كَمَا قَالَ رَوْحٌ.
- ---------------------------------•
إسناده ضعيف:
أخرجه النسائي (2462) وفي الكبرى (2254) وأحمد (15426)، (15427) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (967) وأبو نعيم في معرفة الصحابة (3676) والبيهقي في الكبرى (7277) وهذا إسناده ضعيف لأجل مُسْلِمِ بنِ ثَفِنَةَ الْيَشْكُرِىِّ قال الذهبي: لا يعرف.
[تراجم الإسناد]
(1) الحَسَنُ بنُ عَلِيِّ بنِ مُحَمَّدٍ الحُلْوَانِيُّ الهُذَلِيُّ،، الخَلاَّلُ، المُجَاوِرُ بِمَكَّةَ. وقَالَ يَعْقُوْبُ بنُ شَيْبَةَ: كَانَ ثِقَةً، ثَبْتاً، مُتْقِناً. وقال النسائي: "ثقة". وقال الترمذي: "كان حافظًا".
(2) وكيع بن الجراح الإمام الحافظ، محدث العراق أبو سفيان الرؤاسي، الكوفي، أحد الأعلام، وثقه ابن معين
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: ثِقَةٌ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، ولينه بعضهم.
(3) زكريا بن إسحاق المكي، من علماء الحديث. قال أبو حاتم: لا بأس به.
(4) عمرو بن أبي سفيان بن عبد الرحمن بن صفوان بن أمية الجمحي. وثقه أحمد بن حنبل.
(5) مسلم بن ثفنة و يقال ابن شعبة (و هو أصح) البكرى و يقال اليشكرى، الحجازى، ذكره ابنُ حِبَّان في كتاب "الثقات " وقال ابن حجر: مقبول، وقال الذهبي في "الميزان": لا يُعرف.
(6) نافع بن علقمة ذكره ابن شاهين في الصّحابة، وذكره ابن أبي حاتم، فقال: إنه سمع من النبيّ صلى اللَّه عليه وآله وسلّم، قال: وسمعت أبي يقول: لا أعلم له صحبة.
[معانى بعض الكلمات]:
الثنية: من الإبل الذى يلقى ثنيته فى السادسة ومن الغنم الداخل فى الثالثة.
الجَذعة: ما استكمل سنة ولم يدخل فى الثانية.
الشافع: التى معها ولدها.
العناق: الأنثى من ولد المعز أتى عليها أربعة أشهر.
المعتاط: التى لم تلد ولدا وقد حان ولادها.
المحض: اللبن الخالص غير مشوب بشئ.
[شرح الحديث]
قول مسلم بن شعبة (نفثة): اسْتَعْمَلَ نَافِعُ بنُ عَلْقَمَةَ أَبِى عَلَى عِرَافَةِ قَوْمِهِ (أي قيادة قومه) فَأَمَرَهُ أَنْ يُصَدِّقَهُمْ (أي يجلب منهم الزكاة) قَالَ: فَبَعَثَنِى أَبِى فِى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَأَتَيْتُ شَيْخًا كَبِيرًا يُقَالُ لَهُ سَعْرُ بْنُ دَيْسَمٍ فَقُلْتُ إِنَّ أَبِى بَعَثَنِى إِلَيْكَ - يَعْنِى لأُصَدِّقَكَ (أي لآخذ زكاة مالك)، قَالَ ابْنَ أَخِى وَأَىَّ نَحْوٍ تَأْخُذُونَ قُلْتُ: نَخْتَارُ حَتَّى إِنَّا نَتَبَيَّنُ ضُرُوعَ الْغَنَمِ (يعني يختارون الحلوب). قَالَ: ابْنَ أَخِى فَإِنِّى أُحَدِّثُكَ أَنِّى كُنْتُ فِى شِعْبٍ مِنْ هَذِهِ الشِّعَابِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِى غَنَمٍ لِى فَجَاءَنِى رَجُلاَنِ عَلَى بَعِيرٍ فَقَالاَ لِى إِنَّا رَسُولاَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِلَيْكَ لِتُؤَدِّىَ صَدَقَةَ غَنَمِكَ. فَقُلْتُ مَا عَلَىَّ فِيهَا فَقَالاَ شَاةٌ. فَأَعْمِدُ إِلَى شَاةٍ قَدْ عَرَفْتُ مَكَانَهَا مُمْتَلِئَةً مَحْضًا (أي لبنا خالصا دسما) وَشَحْمًا (أي لحما) فَأَخْرَجْتُهَا إِلَيْهِمَا. فَقَالاَ هَذِهِ شَاةُ الشَّافِعِ (يعني معها ولدها يحتاج إليها) وَقَدْ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ نَأْخُذَ شَافِعًا. قُلْتُ فَأَىَّ شَىْءٍ تَأْخُذَانِ قَالاَ عَنَاقًا جَذَعَةً (وهي ما لها سنة) أَوْ ثَنِيَّةً (ما أتم سنتين ودخل في الثالثة). قَالَ فَأَعْمِدُ إِلَى عَنَاقٍ مُعْتَاطٍ. وَالْمُعْتَاطُ الَّتِى لَمْ تَلِدْ وَلَدًا وَقَدْ حَانَ وِلاَدُهَا فَأَخْرَجْتُهَا إِلَيْهِمَا فَقَالاَ نَاوِلْنَاهَا. فَجَعَلاَهَا مَعَهُمَا عَلَى بَعِيرِهِمَا ثُمَّ انْطَلَقَا.
*******************
1582 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ النَّسَائِىُّ (1) حَدَّثَنَا رَوْحٌ (2) حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ (3) بِإِسْنَادِهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ مُسْلِمُ بْنُ شُعْبَةَ. قَالَ فِيهِ وَالشَّافِعُ الَّتِى فِى بَطْنِهَا الْوَلَدُ.
- ---------------------------------•
إسناده ضعيف:
أخرجه النسائي في "المجتبى" (2463) من طريق روح بن عبادة، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد (15427).
[تراجم الإسناد]
(1) محمد بن يونس بن موسى الكديمي البصري. قال ابن عدي: اتهم الكديمي بوضع الحديث. وقال ابن حبان: لعله قد وضع أكثر من ألف حديث.
(2) روح بن عبادة بن العلاء بن حسان بن عمرو، الحافظ الصدوق، الإمام أبو محمد القيسي البصري، قال أبو حاتم الرازي: روح لا يحتج به. وقال النسائي في " الكنى ": ليس بالقوي.
(3) زكريا بن إسحاق المكي، من علماء الحديث.
*******************
1582 (ترقيم مكرر) - قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَقَرَأْتُ فِى كِتَابِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ سَالِمٍ (1) بِحِمْصَ عِنْدَ آلِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ الْحِمْصِىِّ عَنِ الزُّبَيْدِىِّ (2) قَالَ وَأَخْبَرَنِى يَحْيَى بنُ جَابِرٍ (3) عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ (4) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْغَاضِرِىِّ (5) - مِنْ غَاضِرَةِ قَيْسٍ - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- «ثَلاَثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ فَقَدْ طَعِمَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ عَبَدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَأَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَعْطَى زَكَاةَ مَالِهِ طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ رَافِدَةً عَلَيْهِ كُلَّ عَامٍ وَلاَ يُعْطِى الْهَرِمَةَ وَلاَ الدَّرِنَةَ وَلاَ الْمَرِيضَةَ وَلاَ الشَّرَطَ اللَّئِيمَةَ وَلَكِنْ مِنْ وَسَطِ أَمْوَالِكُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَسْأَلْكُمْ خَيْرَهُ وَلَمْ يَأْمُرْكُمْ بِشَرِّهِ».
- ---------------------------------•
إسناده منقطع:
أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (1062) والبغوي في معجم الصحابي (1759) والبيهقي في الكبرى (7275) وإسناده منقطع لأنه وجادة.
[تراجم الإسناد]
(1) عبد الله بن سالم الأشعرى الوحاظى اليحصبى، و يقال الكلاعى، أبو يوسف الحمصى. قال النسائي: ليس به بأس. وقال الدَّارَقُطْنِيّ ثقة، وقال مرة: من الأثبات في الحديث.
(2) محمد بن الوليد بن عامر الإمام الحافظ، الحجة، القاضي أبو الهذيل الزبيدي، الحمصي، قاضيها. وثقه ابن سعد.
(3) يحيى بن جابر بن حسان بن عمرو الطائى، أبو عمرو الحمصى القاضى، و يقال الدمشقى. قال أَبُو حَاتِمٍ: صَالِحُ الْحَدِيثِ.
(4) جُبَيْرُ بنُ نُفَيْرِ بنِ مَالِكِ بنِ عَامِرٍ الحَضْرَمِيُّ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، الحِمْصِيُّ. أَدْرَكَ حَيَاةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، من ثقات التابعين من أهل الشام.
(5) عبد الله بن معاوية الغاضري له صحبة، رضي الله عنه.
[معانى بعض الكلمات]:
الدرنة: الجرباء.
الشرط: الرذالة أو الصغير القليل.
الشافع: التى معها ولدها.
اللئيمة: البخيلة باللبن.
الهرمة: كبيرة السن.
[شرح الحديث]
قوله "ثَلاَثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ فَقَدْ طَعِمَ طَعْمَ الإِيمَانِ" أي ثلاث خصال من فعلهن فقد ذاق طعم الإيمان، وهذا الأسلوب للتشويق وللحث على الاهتمام والعمل.
"مَنْ عَبَدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَأَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ " أي أخلص العبادة لله سبحانه وتعالى وحده، ونفي الشريك عنه، والعلم الجازم بأنه لا معبود بحق إلا الله.
"وَأَعْطَى زَكَاةَ مَالِهِ طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ " أي أدى الزكاة الواجبة بنفس راضية ومطمئنة، غير كارهة.
"رَافِدَةً عَلَيْهِ كُلَّ عَامٍ" أي اداها كلما دار عليها الحول دون تضجر.
"وَلاَ يُعْطِى الْهَرِمَةَ وَلاَ الدَّرِنَةَ وَلاَ الْمَرِيضَةَ وَلاَ الشَّرَطَ اللَّئِيمَةَ" والهرمة كبيرة السن التي لا لحم فيها ولا يرجى نتاجها.
والدرنة الجرباء والمصابة بالدرن، والشرط اللئيمة هي قليلة اللبن، وصغار الماشية.
"وَلَكِنْ مِنْ وَسَطِ أَمْوَالِكُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَسْأَلْكُمْ خَيْرَهُ وَلَمْ يَأْمُرْكُمْ بِشَرِّهِ" يعني لا من أعلاه وأفضله ولا من أرذله وأضعفه وخبيثه، قال تعالى: {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}.
**************
1583 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ (1) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (2) حَدَّثَنَا أَبِى (3) عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ (4) قَالَ حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى بَكْرٍ (5) عَنْ يَحْيَى بنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ (6) عَنْ عُمَارَةَ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ (7) عَنْ أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ بَعَثَنِى النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- مُصَدِّقًا فَمَرَرْتُ بِرَجُلٍ فَلَمَّا جَمَعَ لِى مَالَهُ لَمْ أَجِدْ عَلَيْهِ فِيهِ إِلاَّ ابْنَةَ مَخَاضٍ فَقُلْتُ لَهُ أَدِّ ابْنَةَ مَخَاضٍ فَإِنَّهَا صَدَقَتُكَ. فَقَالَ ذَاكَ مَا لاَ لَبَنَ فِيهِ وَلاَ ظَهْرَ وَلَكِنْ هَذِهِ نَاقَةٌ فَتِيَّةٌ عَظِيمَةٌ سَمِينَةٌ فَخُذْهَا. فَقُلْتُ لَهُ مَا أَنَا بِآخِذٍ مَا لَمْ أُومَرْ بِهِ وَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنْكَ قَرِيبٌ فَإِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تَأْتِيَهُ فَتَعْرِضَ عَلَيْهِ مَا عَرَضْتَ عَلَىَّ فَافْعَلْ فَإِنْ قَبِلَهُ مِنْكَ قَبِلْتُهُ وَإِنْ رَدَّهُ عَلَيْكَ رَدَدْتُهُ. قَالَ فَإِنِّى فَاعِلٌ فَخَرَجَ مَعِى وَخَرَجَ بِالنَّاقَةِ الَّتِى عَرَضَ عَلَىَّ حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ لَهُ يَا نَبِىَّ اللَّهِ أَتَانِى رَسُولُكَ لِيَأْخُذَ مِنِّى صَدَقَةَ مَالِى وَايْمُ اللَّهِ مَا قَامَ فِى مَالِى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَلاَ رَسُولُهُ قَطُّ قَبْلَهُ فَجَمَعْتُ لَهُ مَالِى فَزَعَمَ أَنَّ مَا عَلَىَّ فِيهِ ابْنَةُ مَخَاضٍ وَذَلِكَ مَا لاَ لَبَنَ فِيهِ وَلاَ ظَهْرَ وَقَدْ عَرَضْتُ عَلَيْهِ نَاقَةً فَتِيَّةً عَظِيمَةً لِيَأْخُذَهَا فَأَبَى عَلَىَّ وَهَا هِىَ ذِهِ قَدْ جِئْتُكَ بِهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. خُذْهَا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «ذَاكَ الَّذِى عَلَيْكَ فَإِنْ تَطَوَّعْتَ بِخَيْرٍ آجَرَكَ اللَّهُ فِيهِ وَقَبِلْنَاهُ مِنْكَ». قَالَ فَهَا هِىَ ذِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ جِئْتُكَ بِهَا فَخُذْهَا. قَالَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِقَبْضِهَا وَدَعَا لَهُ فِى مَالِهِ بِالْبَرَكَةِ.
- ---------------------------------•
حسن:
أخرجه أحمد (21279) وابن خزيمة (2277) والحاكم في المستدرك (1452) والبيهقي في الكبرى (7279) وهذا إسناده حسن لأجل محمد بن إسحاق وقد صرح بالتحديث.
[تراجم الإسناد]
(1) محمد بن منصور بن داود بن إبراهيم، أبو جعفر الطوسي ثم البغدادي العابد. قال النسائي: ثقة.
(2) يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم، بن عبد الرحمن بن عوف أبو يوسف الزهري العوفي المدني، ثم البغدادي. وثقه يحيى، والعجلي، وطائفة. وقال أبو حاتم: صدوق.
(3) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم، قال يحيى بن معين: ثقة حجة.
(4) محمد بن إسحاق بن يسار، المدني صاحب السيرة النبوية، صدوق موصوف بالتدليس.
(5) عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الإمام الحافظ أبو محمد الأنصاري صاحب المغازي، قال مالك: كان رجل صدق، كثير الحديث، وقال ابن سعد: كان ثقة عالما كثير الحديث.
(6) يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصاري النجاري المدنيُّ. قال العجليُّ: مدنيٌّ تابعيٌّ ثقةٌ.
(7) عمارة بن عمرو بن حزم الأنصارى النجارى المدنى، أحد الثقات.
[شرح الحديث]
قول أبي رضي الله عنه للرجل "أَدِّ ابْنَةَ مَخَاضٍ فَإِنَّهَا صَدَقَتُكَ" وابنه المخاض أنثى الإبل (الناقة) التي أتمت السنة الأولى من عمرها ودخلت في السنة الثانية، وسُميت بذلك لأن أمها تكون في هذه المرحلة عادةً ماخضاً (أي حاملاً بولدٍ آخر).
فقال الرجل " ذَاكَ مَا لاَ لَبَنَ فِيهِ وَلاَ ظَهْرَ" أي ابنه المخاض لا تصلح للظهر والركوب وليست بذات در ولا ضرع.
" وَلَكِنْ هَذِهِ نَاقَةٌ فَتِيَّةٌ عَظِيمَةٌ سَمِينَةٌ فَخُذْهَا" أي خذ بدلا منها ناقة قوية عظيمة سمينة، فأبى ذلك ورفض، وقال: مَا أَنَا بِآخِذٍ مَا لَمْ أُومَرْ بِهِ.
فأتى الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكى له أن أبيا رفض أن يأخذ الناقة السمينة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذَاكَ الَّذِى عَلَيْكَ (أي ابنه المخاض) فَإِنْ تَطَوَّعْتَ بِخَيْرٍ آجَرَكَ اللَّهُ فِيهِ وَقَبِلْنَاهُ مِنْكَ». قَالَ فَهَا هِىَ ذِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ جِئْتُكَ بِهَا فَخُذْهَا. قَالَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِقَبْضِهَا وَدَعَا لَهُ فِى مَالِهِ بِالْبَرَكَةِ. أي دعا له بالزيادة والنماء.
وفي الحديث: أنه لا يحل مالك امرئ إلا بطيب نفس منه.
وفيه أن الأنصبة والمقدار المحصص للزكاة بأمر الله ووحيه لرسوله صلى الله عليه وسلم.
************************
1584 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (1) حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ الْمَكِّىُّ (2) عَنْ يَحْيَى بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ صَيْفِىِّ (3) عَنْ أَبِى مَعْبَدٍ (4) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ «إِنَّكَ تَأْتِى قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّى رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِى كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِى أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ فِى فُقَرَائِهِمْ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ».
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه أحمد (2071) والبخاري (1496)؛ و مسلم (19) و ابن ماجه (1783)، والترمذي (625، 2014).
[تراجم الإسناد]
(1) وكيع بن الجراح الإمام الحافظ، محدث العراق أبو سفيان الرؤاسي، الكوفي، أحد الأعلام، وثقه ابن معين
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: ثِقَةٌ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، ولينه بعضهم.
(2) زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ الْمَكِّىُّ، قَالَ يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ: ثِقَةٌ. وَقَالَ يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ مرة أخرى: قَدَرِيٌّ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ. وَوَثَّقَهُ: أَبُو دَاوُدَ أَيْضاً. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: صَالِحُ الحَدِيْثِ. وقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لاَ بَأْسَ بِهِ.
(3) يحيى بن عبد الله بن صيفي، قال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث، وقال ابن معين والنسائيُّ: ثقة. وذكره ابن حبان في «الثقات».
(4) أبو معبد مولى بن عباس اسمه نافذ من متقنى أهل المدينة وكان ثقة. قال أحمد وابن معين وأبو زرعة: ثقة.
وذكره ابن حبان في «الثقات». وقال محمد بن سعد: كان ثقة حسن الحديث.
[معاني المفردات]:
(1) بعث: أرسل.
(2) تأتي: تقدم على.
(3) أهل كتاب: اليهود والنصارى.
(4) أطاعوا: آمنوا وأجابوا وامتثلوا.
(5) افترض: أوجب نصيبًا مقدرا في المال وهو الزكاة.
(6) صدقة: الصدقة الواجبة هي الزكاة؛ وما عدا ذلك فصدقة التطوع.
(7) إياك: احذر.
(8) كرائم: نفائس؛ جمع كريمة وهى خيار المال وأفضله.
(9) اتق: اجتنب.
(10) حجاب: مانع.
[شرح الحديث]:
في الحديث فوائد جمة، الفائدة الأولى: رواية الصحابة عن بعضهم:
فالحديث من رواية ابن عباس، عن معاذ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وذلك امتثالًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة يوم النحر: "فليبلغ الشاهد منكم الغائب"، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نضَّر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأدَّاها كما سمعها"، وقوله أيضًا: "نضَّر الله امرأ سمع منا شيئًا فبلَّغه كما سمع، فرُبَّ مُبلِّغ أوعى من سامع"، وقوله أيضًا صلى الله عليه وسلم: "بلِّغوا عني ولو آية".
الفائدة الثانية: اختيار الرجل المناسب للوظيفة والعمل الذي يوكل إليه؛ فمعاذ رضي الله عنه كان مؤهلًا للدعوة وللقضاء؛ فكان عالمًا فقيهًا، وكان شابًّا جلدًا قويًّا يتحمل مشاقَّ الدعوة، قال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108].
الفائدة الثالثة: معرفة حال المخاطبين بالدعوة؛ فمخاطبة العالم ليست كمخاطبة الجاهل: "إنك تأتي قومًا أهل كتاب" ليختار الأسلوب المناسب لهم والخطاب اللائق بهم، وليخاطبهم على قدر عُقُولهمْ؛ قال عَلِي بن أبي طالب رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُوْنَ، وَدَعُوا مَا يُنْكِرُوْنَ، أَتُحِبُّوْنَ أَنْ يُكَذَّبَ اللهُ وَرَسُوْلُهُ. أخرجه البخاري.
وقال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125].
قال الآلوسي في تفسيره (7/ 487):
وإنما تفاوتت طرق دعوته عليه الصلاة والسلام لتفاوت مراتب الناس، فمنهم خواصُّ وهم أصحاب نفوس مشرقة قوية الاستعداد لإدراك المعاني قوية الانجذاب إلى المبادئ العالية مائلة إلى تحصيل اليقين على اختلاف مراتبه، وهؤلاء يدعون بالحكمة بالمعنى السابق.
ومنهم عوامُّ أصحاب نفوس كدرة، ضعيفة الاستعداد، شديدة الإلْف بالمحسوسات، قوية التعلق بالرسوم والعادات، قاصرة عن درجة البرهان؛ لكن لا عناد عندهم، وهؤلاء يدعون بالموعظة الحسنة بالمعنى المتقدم.
ومنهم من يعاند ويجادل بالباطل ليدحض به الحق؛ لما غلب عليه من تقليد الأسلاف، ورسخ فيه من العقائد الباطلة، فصار بحيث لا تنفعه المواعظ والعبر؛ بل لا بد من إلقامه الحجر بأحسن طرق الجدال لتلين عريكته، وتزول شكيمته، وهؤلاء الذين أمر صلى الله عليه وسلم بجدالهم بالتي هي أحسن؛ انتهى.
الفائدة الرابعة: بيان أن العلم قد يعتريه التحريف والتزوير، فيلزم التذكير والتصحيح والدعوة والإنذار؛ كما هو حال أهل الكتاب؛ فالقراءة والكتابة قد لا تكفي في تعلم التوحيد.
الفائدة الخامسة: الإشارة إلى فضل الدعوة؛ إذ بها تفتح القلوب وتستنير الأسماع، قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33].
وقال الله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ} [التوبة: 71].
وقال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: 110].
قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره (2/ 103):
فَمَنِ اتَّصَفَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ دَخَلَ مَعَهُمْ فِي هَذَا الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ وَالْمَدْحِ لَهُمْ، كَمَا قَالَ قَتَادَةُ: بَلَغَنَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي حَجَّةٍ حَجَّهَا رَأَى مِنَ النَّاسِ سُرْعةفَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110]، ثُمَّ قَالَ: مَنْ سَرَّه أَنْ يَكُونَ مِنْ تِلْكَ الْأُمَّةِ فَلْيؤدِّ شَرْط اللَّهِ فِيهَا؛ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
الفائدة السادسة: وَمَنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِذَلِكَ أَشْبَهَ أَهْلَ الْكِتَابِ الَّذِينَ ذَمَّهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: {كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة: 79]؛ انتهى.
وقول الله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104].
قال الإمام السعدي رحمه الله تعالى: وهذه الطائفة المستعدة للدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هم خواصُّ المؤمنين؛ ا هـ.
وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرضين، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير"؛ أخرجه الترمذي.
وعن سَهْل بْن سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا، خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ"؛ متفق عليه.
وروى مسلم وأصحاب السنن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "مَن دعاء إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتَّبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا".
وعن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأ نصاري البدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من دلَّ على خيرٍ، فله مثل أجر فاعله"؛ أخرجه مسلم.
وأخرج أبو داود وغيره عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا، فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ».
الفائدة السابعة: مشروعية إرسال الدعاةإلى الله تعالى، قال سبحانه وتعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122].
وقال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33].
وعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بلِّغوا عني ولو آية، وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرَج، ومَن كذب عليَّ متعمِّدًا فليتبوَّأْ مقعدَه من النار"؛ أخرجه البخاري.
الفائدة الثامنة: بيان فضل أهل اليمن، فقد أسلموا ودانوا بالإسلام بالدعوة، وذلك لما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم عليًّا وأبا موسى الأشعري رضي الله عنهما، وأرسل معاذًا ومن قبلهم الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنهم دعاة إلى قبائل اليمن وبلدانها، فأسلموا وجاءوا بعد ذلك وفودًا إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليبايعوه على الإسلام.
أخرج البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَتَاكُمْ أَهْلُ اليَمَنِ، هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً وَأَلْيَنُ قُلُوبًا، الإِيمَانُ يَمَانٍ وَالحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ".
الفائدة التاسعة: البدء بالتوحيد ومعالي الأمور، وتقديم الأهمِّ على المُهِمِّ، والأحسن على الحسن، وذلك مستفاد من قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فَادْعُهُمْ إلى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ".
وفي لفظ: "إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فليكن أولَ ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله".
كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25].
وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [النحل: 36].
يدل على ذلك ما رواه الإمام مسلم عن أبي أمامة قال: «قال عمرو بن عبسة السلمي: كنت، وأنا في الجاهلية، أظن الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شيء، وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل بمكة يخبر أخبارًا فقعدت على راحلتي، فقدمت عليه، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفيًا جراء عليه قومه، فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة، فقلت له: ما أنت؟ قال: "أنا نبي"، فقلت: ما نبي؟ قال: "أرسلني الله"، فقلت: وبأي شيء أرسلك؟ قال: أرسلت بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يُوحَّد الله لا يُشرك به شيء ... ».
وروى الإمام أحمد في المسند "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطوف على الناس بذي المجاز يقول لهم: يا أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا".
الفائدة العاشرة: بيان فضل التوحيد، وأنه لا نجاة إلا بالتوحيد والبراءة من الشرك؛ ولذلك بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد: 19]، وقال تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة: 72].
وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48].
وأخرج البخاري عنعبدالله بن مسعود رضي الله عنه، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ مَاتَ وَهْوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ نِدًّا دَخَلَ النَّارَ".
وعن جابر بن عبدالله رضي الله تعالى عنه قال: أتى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم رجلٌ فقالَ: يا رسولَ اللهِ، ما المُوجِبَتانِ؟ فقالَ: "من ماتَ لا يُشرِكُ باللَّهِ شيئًا دخلَ الجنَّةَ، ومن ماتَ يشركُ باللَّهِ شيئًا دخلَ النَّارَ"؛ (مسلم، رقم 93).
وأخرج البخاري ومسلم عنْ عبدالله بن مسعود قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: "أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ".
الفائدة الحادية عشرة: بيان حجية خبر الواحد في ثبوت العقيدة وقيام الحجة على العباد.
فالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجه معاذًا وهو واحد ليدعو الناس للتوحيد فدَلَّ على قيام الحجة في العقائد بخبر الواحد وحديث الآحاد، وقد قبل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حديث الآحاد في العقائد، فقد حدَّثه تميم الداري رضي الله عنه بقصة الجساسةوالمسيح الدجَّال، فحكاها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأصحابه على المنبر، قال: "إِنِّي وَاللهِ مَا جَمَعْتُكُمْ لِرَغْبَةٍ وَلَا لِرَهْبَةٍ، وَلَكِنْ جَمَعْتُكُمْ؛ لِأَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ كَانَ رَجُلًا نَصْرَانِيًّا، فَجَاءَ فَبَايَعَ وَأَسْلَمَ، وَحَدَّثَنِي حَدِيثًا وَافَقَ الَّذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْ مَسِيحِ الدَّجَّالِ ... "؛الحديث أخرجه مسلم.
الفائدة الثانية عشرة: بيان فضل العلم للتخلُّص من شبهات المشبِّهين، ودعوات المكذبين المخرصين، فخير ما يرد الشبهات هو العلم؛ ولذلك اختار النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معاذًا لوظيفة الدعوة؛ وذلك لمؤهلاته من العلم والفقه والقوة والفتوة، قال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد: 19].
الفائدة الثالثة عشرة: مشروعية التدرُّج في الدعوة، فقد دلَّ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معاذًا إلى ذلك بقوله: "فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ"؛ أي: ابدأ بأمر ثم أمر بعده، والتدرج في التشريع والتعليم معلوم في دين الإسلام لا سيما مع المسلمين الجدد وحدثاء العهد بالإسلام، فالبدء بالتوحيد ثم بيان الفرائض والواجبات وهكذا، وذلك لتهيئة النفوس للسماع- أي سماع الحق- ثم للقبول، ثم لترسيخ الإسلام؛ عقائده وأحكامه في النفوس، وفي ذلك أيضًا مراعاة لإمكان المخاطَب وقدرته، وفيه من التخفيف والرحمة.
و يدل على ذلك حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حيث قالت: "فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبي صلى الله عليه وسلم ففرضت أربعًا، وتركت صلاة السفر على الأولى"؛ أخرجه البخاري.
أخرج البخاري عن جرير بن عبدالله قال: "بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم".
قال ابن حجر في "فتح الباري" (2/ 188): "وكان النبي صلى الله عليه وسلم أول ما يشترط بعد التوحيد إقامة الصلاة؛ لأنها رأس العبادات البدنية، ثم أداء الزكاة؛ لأنها رأس العبادات المالية، ثم يعلم كل قوم ما حاجتهم إليه أمس".
الفائدة الرابعة عشرة: من فوائد الحديث بيان البدء بالدعوة قبل القتال والجهاد، وأن الدعوة نوع جهاد لا شك؛ جهاد البلاغ، أخرج أحمد وأبو داود والنسائي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"يا أيها الناس، جاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم".
وقوله تعالى: {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} [الفرقان: 52].
وأخرج أحمد (2053) وابن أبي شيبة في المصنف (33067) عن ابن عباس قال: ما قاتل النبي صلى الله عليه وسلم قومًا حتى يدعوهم.
الفائدة الخامسة عشرة: بيان وجوب الصلوات الخمس في اليوم والليلة، وأن الوتر ليس واجبًا، وكذلك صلاتا العيدين؛ وذلك لقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ"، فدل ذلك أن ما عدا الصلوات الخمس ليس واجبًا.
الفائدة السادسة عشرة: بيان وجوب الزكاة وفرضيتها؛ وذلك من قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ" والصدقة المفروضة هي الزكاة، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 277].
وقال تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النور: 56].
وقال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [التوبة: 103].
وَقَال اللَّه تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} [التوبة: 34، 35].
وفي الصحيحين عن أبي هُرَيْرَةَ، قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ، إِمَّا إلى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إلى النَّارِ».
وفي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ - يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ - ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ، ثُمَّ تَلا: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ} [آل عمران: 180] "؛ الآيَةَ.
الفائدة السابعة عشرة: أولوية البدء بفقراء بلد المتصدق قبل غيرهم:
وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: "تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ"؛ أي: يأخذها الحاكم أو نائبه ثم يردها على فقراء المسلمين وفي مصارفها الشرعية.
واستدل فريق من المسلمين على عدم خروج الزكاة من بلد المتصدق حتى يكتفي فقراء البلد، عملًا بقوله صلى الله عليه وسلم: "فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ".
الفائدة الثامنة عشرة: قوله: "فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ" تحذير من أن يأخذ للزكاة أفضل أموالهم وكرائمها ونفائسها، فلا يأخذ إلا من أوسطها، لا من أقله وأردئه، ولا من أعلاه وأفضله، بل يتوسط في ذلك، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [البقرة: 267].
قال القرطبي في تفسيره (3/ 320): قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَعَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ وَابْنُ سِيرِينَ: هِيَ الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ، نَهَى النَّاسَ عَنْ إِنْفَاقِ الرَّدِيءِ فِيهَا بَدَلَ الْجَيِّدِ.
الفائدة التاسعة عشرة: التحذير من دعوة المظلوم:
لقوله صلى الله عليه وسلم: "وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ" يوصي رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذًا أن يتجنب الظلم، لئلا يدعو عليه المظلوم فيستجيب الله له، فدعوة المظلوم مستجابة جاء في الحديث: اتقوا دعوة المظلوم؛ فإنها تحمل على الغمام، يقول الله: وعزتي وجلالي، لأنصرنك ولو بعد حين"؛ رواه الطبراني.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ثلاث دعوات يُستجاب لهن لا شك فيهن: دعوة المظلوم ... "؛ رواه ابن ماجه، وليس شرطًا أن يكون المظلوم مؤمنًا، فدعوة الكافر المظلوم تصعد إلى الله تعالى؛ لأن كفره على نفسه كما جاء في رواية أنس بن مالك رضي الله عنه: "دعوة المظلوم وإن كان كافرًا ليس دونها حجاب"؛ رواه أحمد في مسنده.
وفي الحديث القدسي: "يا عبادي، إني حرَّمْت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرَّمًا، فلا تظالموا"؛ رواه مسلم.
قال سبحانه: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} [إبراهيم: 42].
الفائدة العشرون: الإشارة إلى أن أخذ كرائم المال ظلم:
ولذلك بيَّنَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ خَطَرَ دَعوةِ المَظلومِ بقولِه: "فإنَّه ليس بيْنه وبيْنَ اللهِ حِجابٌ"؛ يعني: إنَّها مَسموعةٌ مُستَجابةٌ لا تُردُّ.
****************************
1585 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ (1) حَدَّثَنَا اللَّيْثُ (2) عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ (3) عَنْ سَعْدِ بنِ سِنَانٍ (4) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «الْمُعْتَدِى فِى الصَّدَقَةِ كَمَانِعِهَا».
- ---------------------------------•
حسن:
أخرجه الترمذي (646) وابن ماجه (1808) والقضاعي في مسند الشهاب (107) وابن خزيمة (2335).
[تراجم الإسناد]
(1) قُتَيْبَةُ أَبُو رَجَاءَ بنُ سَعِيْدِ بنِ جَمِيْلٍ الثَّقَفِيُّ مَوْلاَهُمْ، وَقَالَ يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ، ثِقَةٌ. وَكَذَا قَالَ النَّسَائِيُّ، وَزَادَ: صَدُوْقٌ.
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: ثِقَةٌ. وَقَالَ ابْنُ خِرَاشٍ: صَدُوْقٌ.
(2) الليث بن سعد المصري أحد الأئمة الثقات.
(3) يزيد بن أبى حبيب، أبو رجاء المصرى. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال العجلي: مصريٌّ تابعيٌّ ثقةٌ.
(4) سعد بن سنان بن سعد الكندي المصري، قَالَ الْبُخَارِيُّ: الصَّحِيحُ عِنْدِي سِنَانُ بْنُ سَعْدٍ وَسَعْدُ بْنُ سِنَانٍ خَطَأٌ. وقال أحمد: لم أكتب أحاديثه لانهم اضطربوا فيه وفي حديثه. وقال الجوزجاني: أحاديثه واهية. وقال النسائي: منكر الحديث. وقال الدارقطني: ضعيف. ونقل ابن القطان أن أحمد يوثقه. وقال الذهبي: وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وَغَيْرُهُ.
[شرح الحديث]
قوله «الْمُعْتَدِى فِى الصَّدَقَةِ كَمَانِعِهَا» ومعنى "المعتدي" هو الذي يجاوز الحد الشرعي في أمر الزكاة، كمن يضع الزكاة أو الصدقة في غير مصارفها الشرعية ولا يدفعها لمن يستحقها، فكأنه لم يخرجها، وعليه من الإثم مثل مانعها.
وقيل من ذلك تجاوز الحد وأخذ المصدق خيار المال (أفضل وأعلى أموال الناس ظلماً وعدواناً).
وفي الحديث: بيان إثم مانع الزكاة.
وفيه: تحريم التعدي في أخذ الزكاة وفي صرفها في غير مصارفها.
والله الموفق
أبو عاصم البركاتي الأثري المصري