الدر المعقود بشرح سنن أبي داود
الأحاديث (983)( 984)( 985)( 986)
186 - باب مَا يَقُولُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ.
983 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ (1) حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِىُّ (2) حَدَّثَنِى حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ (3) حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى عَائِشَةَ (3) أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الآخِرِ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ».
- ---------------------------------•
صحيح:
حديث أبي هريرة أخرجه البخاري (1377) ومسلم (588) والنسائي (1310) (2060) (5505) (5506) والحميدي (1010) وأحمد (2342) (7237) (10180) وأبو يعلى الموصلي في المسند (6133) وابن الجارود في المنتقى (207) والطيالسي (2470) وابن خزيمة (721) وابن أبي شيبة (12027) (29136).
[تراجم الإسناد]
(1) الوليد بن مسلم، ثقة موصوف بتدليس التسوية، ومدلس التسوية لابد أن يصرح بالتحديث في كل طبقات الإسناد.
(2) الأَوْزَاعِيُّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَمْرِو بنِ يُحْمَدَ، شَيْخُ الإِسْلاَمِ، وَعَالِمُ أَهْلِ الشَّامِ، أَبُو عَمْرٍو الأَوْزَاعِيُّ.
(3) حسان بن عطية؛ أبو بكر المحاربي مولاهم؛ وثقه أحمد وابن معين.
(4) مُحَمَّد بن أَبي عائشة، ويُقال: مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَنِ بْن أَبي عائشة، المدني. قال يحيى بْن مَعِين: ثقة.
وَقَال أبو حاتم: ليس بِهِ بأس. وذكره ابنُ حِبَّان في كتاب "الثقات".
[شرح الحديث]
قوله " فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ " وأعوذ (من الفعل عَاذَ) تعني: ألجأ، وأحتمي، وأعتصم، وأستجير.
وينبغي أن يزاد على هذه الأربع التعوذ من "المأثم والمغرم" المذكورين في حديث عائشة [البخاري (832) ومسلم (589) وأبو داود (880)].
وفيه إثبات عذاب القبر وفتنته وهو مذهب أهل السنة خلافا لمن أنكره من المعتزلة وممن يسمون أنفسهم العقلانيين وما شابه.
قوله "وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ" فِتْنَةُ المَحْيَا (الحياة): كل ما يتعرض له الإنسان طوال حياته من شهوات (كحب المال والجاه والنساء) وشبهات (كالبدع والضلال والجهل) التي قد تبعده عن دين الله.
فتْنَةُ المَمَات: ما يتعرض له الإنسان عند الاحتضار وقرب الموت، حيث يشتد كرب الموت وتتوالى فتن الشيطان ليصرفه عن التوحيد، ويدخل في ذلك أيضاً فتنة القبر وسؤال الملكين.
قوله "وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال" والصواب المسيح بالحاء وليس بالخاء، بالمسيح لأنه ممسوح العين أعور. والدجال: الكذاب، والدجل هو الخلط والتغطية لأنه يخلط الحق بالباطل ويغطيه به، وفتنته أى امتحانه واختباره. وفتنة المسيح الدجال هي أعظم وأشد الفتن في تاريخ البشرية منذ خلق آدم وحتى قيام الساعة، وتكمن خطورتها في الخوارق والعجائب التي يجريها الله ابتلاءً وامتحاناً للعباد، حيث يدعي الربوبية ويمتلك قوى هائلة كإحياء الموتى، وإنزال المطر، وإخراج كنوز الأرض.
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فأثنى على الله بما هو أهله - ثم ذكر الدجال - فقال: " إني لأنذركموه، وما من نبي إلا وقد أنذره قومه " متفق عليه.
عن عمران بن حصين - رضي الله عنه - قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أمر أكبر من الدجال " رواه مسلم.
روى مسلم عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال": من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال " قال الإمام النووي: "سبب ذلك ما في أولها من العجائب والآيات فمن تدبرها لم يفتتن بالدجال ".
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ينزل عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم .. فإذا رآه عدو الله - أي الدجال - ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لانذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده فيريهم دمه في حربته. رواه مسلم.
وعن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ثم ينزل عيسى بن مريم عند المنارة البيضاء شرقي دمشق فيدركه - أي يدرك الدجال - عند باب لد فيقتله. رواه أبو داود.
والتعوذ من هؤلاء الأربع، قال النووي في شرح صحيح مسلم (5/ 87): فِيهِ التَّصْرِيحُ بِاسْتِحْبَابِهِ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ وَالْإِشَارَةُ إلى أنه لا يستحب في الأول.
ولا وجه لمن قال بوجوبه دبر التشهد الأخير وهو قول ابن حزم وطاوس. وقال مُسْلِمُ بنُ الْحَجَّاجِ: " بَلَغَنِي أَنَّ طَاوُسًا قَالَ لِابْنِهِ: أَدَعَوْتَ بِهَا فِي صَلَاتِكَ؟ فَقَالَ: لَا، قَالَ: أَعِدْ صَلَاتَكَ [صحيح مسلم (590)]
******************
984 - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ (1) أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْيَمَامِىُّ (2) حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ (3) عَنْ أَبِيهِ (4) عَنْ طَاوُسٍ (4) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ «اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ».
- ---------------------------------•
صحيح:
حديث ابن عباس: أخرجه مالك (1/ 215) ومسلم (590) والبخاري في الأدب المفرد (694) والترمذي (3494) والنسائي (2063) (5512) وابن ماجه (3840) وأحمد (2168) (2667) (2709) (2838) وأبو داود الطيالسي (2833) وابن حبان (999) والآجري في الشريعة (875).
[تراجم الإسناد]
(1) وَهْبُ بنُ بَقِيَّةَ بنِ عُثْمَانَ بنِ سَابُوْرَ بنِ عُبَيْدِ بنِ آدَمَ الواسطي، قَالَ يَحْيَى بْن مَعِينٍ: ثقة. وذكره ابنُ حِبَّان فِي كتاب "الثقات". وَقَال الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ: كان ثقة، قدم بغداد، وحدث بها.
(2) عمر بن يونس الإمام المحدث، أبو حفص اليمامي. وثقه يحيى بن معين، والنسائي.
(3) محمد بن عبد الله بن طاوس بن كيسان، ذكره ابن حبان في كتاب "الثقات "، وقال ابن حجر: مقبول.
(4) عبد الله بن طاوس الإمام المحدث، الثقة أبو محمد اليماني. قال أبو حاتم، والنسائي: ثقة. ووثقه الذهبي.
(5) طاوس بن كيسان اليماني، قال ابن معين وأبو زرعة: طاوس ثقة.
*****************
985 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو أَبُو مَعْمَرٍ (1) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ (2) حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ الْمُعَلِّمُ (3) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ (4) عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ عَلِىٍّ (5) أَنَّ مِحْجَنَ بْنَ الأَدْرَعِ (6) حَدَّثَهُ قَالَ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَدْ قَضَى صَلاَتَهُ وَهُوَ يَتَشَهَّدُ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ يَا اللَّهُ الأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِى لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ أَنْ تَغْفِرَ لِى ذُنُوبِى إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. قَالَ فَقَالَ «قَدْ غُفِرَ لَهُ قَدْ غُفِرَ لَهُ». ثَلاَثًا.
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه النسائي في المجتبى (1301) وفي السنن الكبرى (1225)، (7618) وأحمد (18974) وابن خزيمة (724) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (2385) والطبراني في الدعاء (616) وفي المعجم الكبير (20/ 296) رقم (703) والحاكم في المستدرك (985) وقال: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. ووافقه الذهبي.
[تراجم الإسناد]
(1) عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج، الإمام الحافظ المجود أبو معمر المنقري مولاهم البصري المقعد. وثقه ابن معين والعجلي.
(2) عَبْدُ الوَارِثِ بنُ سَعِيْدِ بنِ ذَكْوَانَ العَنْبَرِيُّ، قال أحمد: كان صالحا في الحديث.
وَقَال معاوية بْن صالح: قلت ليحيى بْن مَعِين: من أثبت شيوخ البَصْرِيّين؟ قال: عبد الوارث بن سَعِيد، مع جماعة سماهم.
وَقَال أبو زُرْعَة: ثقة. وَقَال أَبُو حَاتِم: ثقة صدوق. وَقَال النَّسَائي: ثقة ثبت.
(3) حسين المعلم هو أبو عبد الله الحسين بن ذكوان، العوذي، البصري، المؤدب.
قال الذهبي: وثقه أبو حاتم الرازي، والنسائي، والناس. وقد ذكره العقيلي في كتاب " الضعفاء" له بلا مستند. وقال: هو مضطرب الحديث. وقال أبو بكر بن خلاد: سمعت يحيى بن سعيد القطان -وذكر حسينا المعلم - فقال: فيه اضطراب. قلت: الرجل ثقة.
(4) عَبْدُ اللهِ بنُ بُرَيْدَةَ بنِ الحُصَيْبِ الأَسْلَمِيُّ، وثقه يَحْيَى بنِ مَعِيْنٍ، و أَبُو حَاتِمٍ، وَالعِجْلِيُّ.
(5) حنظلة بن علي بن الأسقع الأَسلميّ، ويُقال: السلمي، المدني. قال النَّسَائي: ثقة. وقال العجلي: تابعي ثقةٌ.
(6) محجن بْن الأدرع الأسلمي. صحابي رضي الله عنه. كان قديم الإسلام، وفيه قَالَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ارموا وأنا مع ابْن الأدرع". وهو في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَسْلَمُ يُرْمَوْنَ فَقَالَ: "ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ، فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا، ارْمُوا وَأَنَا مَعَ ابْنِ الْأَدْرَعِ" فَأَمْسَكَ الْقَوْمُ قِسِيَّهُمْ وَقَالُوا: مَنْ كُنْتَ مَعَهُ غَلَبَ. قَالَ: "ارْمُوا وَأَنَا مَعَكُمْ كُلُّكُمْ" [أخرجه ابن حبان (4695) وأبو يعلى (6119)] وفي حديث سَلَمَةَ بْنَ الأَكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وفيه: فَأَمْسَكَ أَحَدُ الفَرِيقَيْنِ بِأَيْدِيهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا لَكُمْ لاَ تَرْمُونَ؟ "، قَالُوا: كَيْفَ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَهُمْ؟ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ارْمُوا فَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ" [البخاري (2899)].
[شرح الحديث]
في الحديث بيان جواز الدعاء بما يتيسر بعد التشهد وقبل السلام، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم علم الصحابة التشهد ثم قال " ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعاءِ أعجَبَه إليه، فيَدعو" [أخرجه مسلم (402) وقد تقدم عند أبي داود (968)].
وتقدم عند أبي داود (792) قوله -صلى الله عليه وسلم- لِرَجُلٍ «كَيْفَ تَقُولُ فِى الصَّلاَةِ». قَالَ أَتَشَهَّدُ وَأَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ أَمَا إِنِّى لاَ أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ وَلاَ دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ. فَقَالَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- «حَوْلَهَا نُدَنْدِنُ».
ودعاء الرجل: اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ يَا اللَّهُ الأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِى لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ أَنْ تَغْفِرَ لِى ذُنُوبِى إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. فيه التوسل بالأسماء الحسنى لله تعالى، والتي قال الله تعالى فيها: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
وفي الحديث عن بريدة بن الحصيب الأسلمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سمعَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ رجلًا يدعو وَهوَ يقولُ: اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ بأنِّي أشهدُ أنَّكَ أنتَ اللَّهُ لا إلَهَ إلَّا أنتَ الأحدُ الصَّمدُ، الَّذي لم يلِدْ ولم يولَدْ ولم يَكُن لَهُ كفوًا أحدٌ، قالَ: فقالَ: والَّذي نَفسي بيدِهِ لقد سألَ اللَّهَ باسمِهِ الأعظمِ الَّذي إذا دُعِيَ بِهِ أجابَ، وإذا سُئِلَ بِهِ أعطى" [أخرجه أبو داود (1493) والترمذي (3475) واللفظ له، والنسائي في "السنن الكبرى" (7666)، وابن ماجه (3857)، وأحمد (22965)].
ومعنى "الأحد" أي لا شريك له في ربوبيته ولا في ألوهيته ولا في أسمائه وصفاته. فوصفه بالوحدانية في ذاته وصفاته وأفعاله لا شريك ولا شبيه ولا مثيل ولا ند له، وهو المستحق وحده للعبادة. وصرف العبادة لغيرة شرك وكفر.
" الصَّمَدُ": مَعْنَاهُ الْمَصْمُودُ بِالْحَوَائِجِ أَيِ الْمَقْصُودُ بِهَا. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي قَوْلِهِ: {الصَّمَدُ} قَالَ: السَّيِّدُ الَّذِي كَمُلَ فِي سُؤْدَدِهِ.
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: الصَّمَدُ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ. [السنة لابن أبي عاصم (665)]
وقال الشَّعْبِيِّ: «أُخْبِرْتُ أَنَّهُ الَّذِي لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ» [البيهقي في الأسماء والصفات (103)]
وعَنِ الْحَسَنِ البصري, قَالَ: " {الصَّمَدُ} الْبَاقِي بَعْدَ خَلْقِهِ ".
وقال محمد بن كعب وعكرمة: الصَّمَدَ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ.
"وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ" أي: ليس له كفء، والكفء: المثل؛ والله تعالى لا مثيل له ولا شبيه ولا نظير ولا عديل ولا شريك؛ فلا مثل له في ربوبيته، ولا في أوصافه، ولا في أفعاله سبحانه، فهو المتفرد في ربوبيته، فلا ربَّ غيره، فهو الخالق المالك المدبر؛ وهو سبحانه المتفرد في أسمائه وصفاته {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، فمن أثبت الربوبية لغير الله كفر، ومن عبد غير الله كفر، ومن شبه الله بخلقه كفر، أو شبه الخلق بالله كفر؛ لأنه ليس في المخلوقين من يحيط علمًا بالله ولا بحقيقة صفاته وكيفيتها، قال تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110].
وعليه، فالله تعالى منزه عن المثال، قال تعالى: ? فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ? [النحل: 74].
*******************
187 - باب إِخْفَاءِ التَّشَهُّدِ.
986 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الْكِنْدِىُّ (1) حَدَّثَنَا يُونُسُ - يَعْنِى ابْنَ بُكَيْرٍ (2) - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ (3) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ (4) عَنْ أَبِيهِ (5) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ (6) قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يُخْفَى التَّشَهُّدُ.
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه الترمذي (291) والبزار (1643) والحاكم في المستدرك (838) والبيهقي في الكبرى (2846) وابن المنذر في الأوسط (1519) وقال الحاكم: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، ووافقه الذهبي.
[تراجم الإسناد]
(1) أبو سعيد عبد الله بن سعيد بن حصين، الكندي، قال أبو حاتم الرازي: هو إمام أهل زمانه. وقال النسائي: صدوق.
(2) يونس بن بكير بن واصل. قال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: محله الصدق. وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال مرة: ضعيف. وقال علي بن المديني: كتبت عنه، وليس أحدث عنه.
(3) محمد بن إسحاق بن يسار، صدوق موصوف بالتدليس.
(4) عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد بن قيس، النخعي. وثقه ابن معين والنسائي والعجلي وابن خراش.
(5) الأسود بن يزيد بن قيس، النخعي، وثقه أحمد بن حنبل وابن معين.
(6) عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
[شرح الحديث]
إِذَا قَالَ الصَّحَابِيّ مِنْ السُّنَّة كَذَا أَوْ السُّنَّة كَذَا فَهُوَ فِي الْحُكْم كَقَوْلِهِ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. هَذَا مَذْهَب الْجُمْهُور مِنْ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاء، وَجَعَلَهُ بَعْضهمْ مَوْقُوفًا وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. [عون المعبود (3/ 276)]
وَأخرج ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (707) عَن عَائِشَة قَالَت نزلت هَذِه الْآيَة فِي التَّشَهُّد {وَلَا تجْهر بصلاتك وَلَا تخَافت بهَا}.
وأخرجه البخاري (6327) ومسلم (447) عَنْ عَائِشَةَ: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} [الإسراء: 110] «أُنْزِلَتْ فِي الدُّعَاءِ». فأطلقت ذلك في كل الدعاء ولا بأس فالتشهد دعوات.
وقد أجمع العلماء على الإسرار بالتشهدين وكراهة الجهر بهما.
والله الموفق
الدر المعقود بشرح سنن أبي داود
أبو عاصم البركاتي الأثري المصري