الدر المعقود بشرح سنن أبي داود
الأحاديث(1368)( 1369) (1370)
28 - باب مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنَ الْقَصْدِ فِى الصَّلاَةِ.
1368 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ (1) حَدَّثَنَا اللَّيْثُ (2) عَنِ ابنِ عَجْلاَنَ (3) عَن سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «اكْلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا وَإِنَّ أَحَبَّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ». وَكَانَ إِذَا عَمِلَ عَمَلاً أَثْبَتَهُ.
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه البخاري (5861) ومسلم (782) والنسائي في الكبرى (840) والحميدي (183) وأحمد (26038) ومعمر في جامعه (20566) وأبو يعلى في المسند (4788) وابن خزيمة (1626).
[تراجم الإسناد]
(1) قُتَيْبَةُ أَبُو رَجَاءَ بنُ سَعِيْدِ بنِ جَمِيْلٍ الثَّقَفِيُّ مَوْلاَهُمْ، وَقَالَ يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ، ثِقَةٌ. وَكَذَا قَالَ النَّسَائِيُّ، وَزَادَ: صَدُوْقٌ. وقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: ثِقَةٌ. وَقَالَ ابْنُ خِرَاشٍ: صَدُوْقٌ.
(2) الليث بن سعد المصري. أحد الأئمة الأعلام الثقات.
(3) محمد بن عجلان، وثقه أحمد، وابن معين، وابن عيينة، وأبو حاتم.، وقال غيرهم: سيئ الحفظ.
(4) سعيد بن أبي سعيد كيسان المقبري أبو سعيد المدني، وثقه ابن المديني وابن سعد وأبو زرعة والعجلي والنسائي. وقال الامام أحمد ليس به بأس. وقال ابو حاتم صدوق وقال يعقوب بن شيبة قد كان تغير واختلط قبل موته بأربع سنين.
وذكره ابن حبان في الثقات وقال اختلط قبل موته بأربع سنين.
[شرح الحديث]
قوله " باب مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنَ الْقَصْدِ فِى الصَّلاَةِ" والقصد: التوسط والاعتدال.
وفي هذا الحديث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "اكْلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا" أي الزموا وافعلوا من الطاعات والأعمال الصالحة ما تقرون على فعله بلا مشقة شديدة أو تعب يقطعكم عن العبادة، "إن الله لا يمل حتى تملوا" والمعنى هنا: أن الله لا يقطع عنكم فضله وثوابه حتى تملوا أنتم العبادة وتتركوها فينقطع عنكم الثواب، والملل صفة نقص يستحيل وصف الله عز وجل بها.
"وَإِنَّ أَحَبَّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ". وَكَانَ إِذَا عَمِلَ عَمَلاً أَثْبَتَهُ. والمعنى أن الاستمرار على طاعة قليلة أفضل بكثير من العمل الكثير الذي يعقبه انقطاع وملل.
وفي الحديث تجنب التشدد في العبادة أو تحميل النفس فوق طاقتها لئلا يؤدي ذلك إلى الترك والفتور.
وفيه: الحرص على المداومة على الأعمال الصالحة ولو كانت قليلة.
***************
1369 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ (1) حَدَّثَنَا عَمِّى (2) حَدَّثَنَا أَبِى (3) عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ (4) عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ (5) عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- بَعَثَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ فَجَاءَهُ فَقَالَ: «يَا عُثْمَانُ أَرَغِبْتَ عَنْ سُنَّتِى». قَالَ: لاَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَكِنْ سُنَّتَكَ أَطْلُبُ. قَالَ: «فَإِنِّى أَنَامُ وَأُصَلِّى وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأَنْكِحُ النِّسَاءَ فَاتَّقِ اللَّهَ يَا عُثْمَانُ فَإِنَّ لأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِضَيْفِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا فَصُمْ وَأَفْطِرْ وَصَلِّ وَنَمْ».
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه أحمد (26308) وابن أبي الدنيا في "النفقة على العيال" رقم (493) والبزار في المسند (18/ 107) رقم (49).
[تراجم الإسناد]
(1) عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم، بن عبد الرحمن بن عوف. قال النسائي: لا بأس به، وقال الدارقطني: ثقة.
(2) يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم، بن عبد الرحمن بن عوف.
(3) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف.
(4) محمد بن إسحاق بن يسار.
(5) هِشَامُ بنُ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ الأَسَدِيُّ، وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: كَانَ ثِقَةً، ثَبْتاً، كَثِيْرَ الحَدِيْثِ، حُجَّةً. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: ثِقَةٌ، إِمَامٌ فِي الحَدِيْثِ. وَقَالَ يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ، وَجَمَاعَةٌ: ثِقَةٌ.
[شرح الحديث]
في هذا الحديث عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- بَعَثَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ فَجَاءَهُ فَقَالَ: «يَا عُثْمَانُ أَرَغِبْتَ عَنْ سُنَّتِى». قَالَ: لاَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَكِنْ سُنَّتَكَ أَطْلُبُ" وكان عثمان أراد التبتل وترك النكاح والانقطاع للعبادة، كما أخرج البخاري عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: "رَدَّ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على عُثمانَ بنِ مَظعونٍ التَّبَتُّلَ، ولو أذِنَ له لاختَصَينا".
وقوله "أرغبت عن سنتي" أي هل تترك العمل بسنتي وهديي، فقال عثمان "لاَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَكِنْ سُنَّتَكَ أَطْلُبُ" أي اطلب الاجتهاد في العبادة الذي يؤدي للنجاة، أما قوله تعالى: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} [المزمل: 8]، فقد فسره مجاهد فقال: أخلص له إخلاصًا، وهو تفسير معنى، وإلا فأصل التبتل الانقطاع، والمعنى انقطع إليه انقطاعًا لكن لما كانت حقيقة الانقطاع إلى الله، إنما تقع بإخلاص العبادة له، فسرها بذلك، قال والذي يكره من التبتل هو الذي يفضي إلى التنطع، وتحريم ما أحل الله، وليس التبتل من أصله مكروهًا. [فتح الباري: 9/ 118].
قال صلى الله عليه وسلم: " «فَإِنِّى أَنَامُ وَأُصَلِّى وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأَنْكِحُ النِّسَاءَ فَاتَّقِ اللَّهَ يَا عُثْمَانُ فَإِنَّ لأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِضَيْفِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا فَصُمْ وَأَفْطِرْ وَصَلِّ وَنَمْ» والله يقول {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} [المائدة: 87].
وأخرج البخاري عن وهب بن عبد الله السوائي أبي جحيفة قال: آخَى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بينَ سَلمانَ وأبي الدَّرداءِ، فزارَ سَلمانُ أبا الدَّرداءِ، فرأى أُمَّ الدَّرداءِ مُتَبَذِّلَةً، فقال: ما شأنُكِ مُتَبَذِّلَةً؟! قالتْ: إنَّ أخاكَ أبا الدَّرداءِ ليس له حاجةٌ في الدُّنيا، قال: فلمَّا جاءَ أبو الدَّرداءِ، قرَّبَ إليه طعامًا، فقال: كُلْ، فإنِّي صائمٌ، قال: ما أنا بآكِلٍ حتَّى تأكُلْ، قال: فأكَلَ، فلمَّا كان اللَّيلُ، ذهَبَ أبو الدَّرداءِ ليقومَ، فقال له سَلمانُ: نَمْ؛ فنامَ، ثمَّ ذهَبَ يقومُ، فقال له: نَمْ؛ فنامَ، فلمَّا كان عِندَ الصُّبحِ، قال له سَلمانُ: قُمِ الآنَ، فقامَا فصلَّيَا، فقال: إنَّ لنَفْسِكَ عليكَ حقًّا، ولِرَبِّكَ عليكَ حقًّا، ولِضَيْفِكَ عليكَ حقًّا، وإنَّ لِأهلِكَ عليكَ حقًّا؛ فأَعْطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ، فأَتَيَا النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فذكَرَا ذلكَ، فقال له: صَدَقَ سَلمانُ.
***********************
1370 - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ (1) حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (2) عَنْ مَنْصُورٍ (3) عَنْ إِبْرَاهِيمَ (4) عَنْ عَلْقَمَةَ (5) قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ كَيْفَ كَانَ عَمَلُ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- هَلْ كَانَ يَخُصُّ شَيْئًا مِنَ الأَيَّامِ قَالَتْ: لاَ كَانَ كُلُّ عَمَلِهِ دِيمَةً وَأَيُّكُمْ يَسْتَطِيعُ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَسْتَطِيعُ
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه البخاري (1987)، (6466) ومسلم (783) وأحمد (24162) والطيالسي (1501) وابن خزيمة في صحيحه (1281).
[تراجم الإسناد]
(1) عُثْمَان بْن مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن عُثْمَان أَبُو الحسن العبسي الكوفي، المعروف بابن أَبِي شيبة، أحد الثقات الأعلام.
(2) جرير بن عبد الحميد الضبي.
(3) منصور بن المعتمر، أبو عتاب السلمي الكوفي أحد الأعلام.
(4) إبراهيم بن يزيد النخعي.
(5) علقمة بن قيس النخعي، وهو خال إبراهيم النخعي. عداده في المخضرمين، وهاجر في طلب العلم والجهاد، ونزل الكوفة، ولازم ابن مسعود حتى رأس في العلم والعمل، وتفقه به العلماء، وبعد صيته.
[شرح الحديث]
في الحديث سئلت عائشة رضي الله عنها: " هَلْ كَانَ يَخُصُّ شَيْئًا مِنَ الأَيَّامِ؟ (أي بالعبادة في قيام الليل وغيره) قَالَتْ: لاَ كَانَ كُلُّ عَمَلِهِ دِيمَةً (أي دائما غيرَ مُنقطِعٍ على مر الأيام فلم يكن يخص بعض الأيام) وَأَيُّكُمْ يَسْتَطِيعُ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَسْتَطِيعُ، يعني لا أحد يفعل ما كان يفعله صلى الله عليه وسلم في كَمِّيَّةً كانت أو كَيفيَّةً؛ مِن خُشوعٍ، وخُضوعٍ، وإخباتٍ، وإخلاصٍ.
وفي الحَديثِ: أنَّ الطَّاعاتِ وأعمالَ الخيرِ في كلِّ الأيَّامِ، ولا تَختَصُّ بأيَّامٍ دونَ غيرِها إلَّا ما خَصَّصَه الشَّارعُ بمَزيدِ الفضلِ.
وفيه: عدم ترك العمل بداعي عدم القدرة على ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله.
وفيه: استحباب المداومة والاستمرار على الطاعة ولو كانت قليلة.
والله الموفق
الدر المعقود بشرح سنن أبي داود
أبو عاصم البركاتي الأثري المصري