الدر المعقود بشرح سنن أبي داود
الحديث (1315)
22 - باب أَىُّ اللَّيْلِ أَفْضَلُ.
1315 - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ (1) عَنْ مَالِكٍ (2) عَنِ ابْنِ شِهَابٍ (3) عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (4) وَعَنْ أَبِى عَبْدِ اللَّهِ الأَغَرِّ (5) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ فَيَقُولُ مَنْ يَدْعُونِى فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِى فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِى فَأَغْفِرَ لَهُ».
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه مالك في الموطأ (1/ 214) والبخاري (1145) (7494) ومسلم (758) وأحمد (7592)، (7622)، (7792)، (10313)، وأبو داود (1315)، (4733)، والترمذي (3498)، والنسائي في الكبرى (10240)، (10241)، وابن ماجه (1366)، والدارمي (1520).
تراجم الإسناد:
(1) عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبى الحارثى، أبو عبد الرحمن المدنى البصرى (نزيل البصرة)، ثقة عابد، كان ابن معين وابن المدينى لا يقدمان عليه فى الموطأ أحدًا، قال أبو حاتم: ثقة حجة لم أر أخشع منه. وقال أبو زرعة: ما كتبت عن أحد أجل فى عينى منه.
(2) مالك بن أنس (ت 179) صاحب الموطأ إمام مجتهد صاحب مذهب وهو المذهب المالكي.
(3) الإمام الزهري.
(4) أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزُّهْرِيُّ الحافظ، قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: ثِقَةٌ، إِمَامٌ.
(5) سلمان الأغر أبو عبد الله المدني مولى جُهينة. قال العِجلي: مدنيٌّ تابعيٌّ ثقةٌ.
[معاني المفردات]:
يدعوني: الدعاء النداء والمناجاة.
يسألني: يطلب حاجته.
يستغفرني: يطلب المغفرة أي ستر الذنوب، وعدم المؤاخذة عليها.
السماء الدنيا: هي أدنى وأقرب السماوات للأرض وهي ما يراها الناس بعيونهم.
[شرح الحديث]:
اثبات السلف الصفات التي أثبتها الله لنفسه مع نفي المشابهة والتكييف:
قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كُلِّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا " وهذا الحديث يدل على إثبات صفة النزول لله تبارك وتعالى، وكذا صفة المجيء، والسلف يصفون الله بما وصف به نفسه سبحانه، بغير تعطيل أو نفي أو تأويل بصرفه عن ظاهره لمعنى آخر بغير دليل، وهذا الإثبات بغير تشبيه أو تكييف قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (الشورى: 11).
فقد أسند اللالكائي في "شرح أصول أهل السنة": عن الوليد بن مسلم، قال: سألت الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية, فقالوا: "أمروها بلا كيف".
وأسند عن سفيان بن عيينة: "كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره, لا كيف، ولا مثل" (1).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وقد نفي عن نفسه مماثلة المخلوقين، فقال الله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [سورة الإخلاص]، فبين أنه لم يكن أحد كفوًا له، وقال تعالى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65]، فأنكر أن يكون له سميّ، وقال تعالى: {فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً} [البقرة: 22]، وقال تعالى: {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ} [النحل: 74]، وقال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11].
ففيما أخبر به عن نفسه، من تنزيهه عن الكفء، والسَّمِيّ، والمثل، والنِّدّ، وضرب الأمثال له؛ بيان أن لا مثل له في صفاته، ولا أفعاله، فإن التماثل في الصفات والأفعال يتضمن التماثل في الذات (2).
وكان السلف والأئمة يسمون نُفاة الصفات كالمعتزلة والجهمية ومن وافقهم مُعَطِّلَة، وتعطيل صفات الله بالنفي أو التأويل المرفوض فيه تشبيه له بالمعدومات، فإن النفاة اعتقدوا ثبوت ذات مجردة عن الصفات، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
وليس معنى إثبات الصفات التي أثبتها الله لنفسه التمثيل أو التشبيه أو التجسيم أو التكييف فكل ذلك ينزه الله عنه، وإنما يؤمن السلف بالمعنى ويفوضون الكيف وكنه الصفة وحقيقتها لله تعالى، قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]، وقال تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110].
وعن ابن أبي حاتم قال: سألت أبي، وأبا زرعة، عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين, وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار, وما يعتقدان من ذلك؟ فقالا: "أدركنا العلماء في جميع الأمصار -حجازًا، وعراقًا، وشامًا، ويمنًا-، فكان من مذهبهم: أن الله عز وجل على عرشه، بائن من خلقه، كما وصف نفسه في كتابه, وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، بلا كيف, أحاط بكل شيء علمًا, "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ" (3).
وورد عن حنبل بن إسحاق، قال: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن الأحاديث التي تروى عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إن الله ينزل إلى السماء الدنيا"، فقال أبو عبد الله: "نؤمن بها، ونصدق بها، ولا نرد شيئًا منها إذا كانت أسانيد صحاح, ولا نرد على رسول الله قوله، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق, حتى قلت لأبي عبد الله: "ينزل الله إلى سماء الدنيا، قال: قلت: نزوله بعلمه، بماذا؟ فقال لي: اسكت عن هذا, مالك ولهذا!؟ أمض الحديث على ما روي، بلا كيف، ولا حد, إنما جاءت به الآثار، وبما جاء به الكتاب، قال الله عز وجل: {فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ} [النحل:74]، ينزل كيف يشاء بعلمه، وقدرته، وعظمته, أحاط بكل شيء علمًا, لا يبلغ قدره واصف، ولا ينأى عنه هرب هارب (4).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
ولهذا كان مذهب السلف والأئمة إثبات الصفات، ونفي مماثلتها لصفات المخلوقات. فالله ـ تعالى ـ موصوف بصفات الكمال الذي لا نقص فيه، منزه عن صفات النقص مطلقًا، ومنزه عن أن يمثاله غيره في صفات كماله، فهذان المعنيان جمعا التنزيه (5).
ثم قال: إذا قال لك السائل: كيف ينزل، أو كيف استوى، أو كيف يعلم، أو كيف يتكلم ويقدر ويخلق؟ فقل له: كيف هو في نفسه؟ فإذا قال: أنا لا أعلم كيفية ذاته؛ فقل له: وأنا لا أعلم كيفية صفاته، فإن العلم بكيفية الصفة يتبع العلم بكيفية الموصوف.
وقال ابن كثير رحمه الله في التفسير 3/ 488، في تفسير سورة الأعراف عند قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} الآية 54.
فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جداً ليس هذا موضع بسطها وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديماً وحديثاً وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله تعالى، فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} ... ثم قال: "فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة على الوجه الذي يليق بجلال الله ونفى عن الله تعالى النقائص فقد سلك سبيل الهدى".
__________
(1) اللالكائي في السنة 3/ 431، والبغوي في السنة 1/ 171.
(2) شرح حديث النزول ص 7.
(3) اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة رقم 321.
(4) اللالكائي في "شرح أصول الاعتقاد" (777)، وأبو يعلى في "إبطال التأويلات" 1/ 260، والذهبي في "العرش" 1/ 206 - 207.
(5) شرح حديث النزول ص 10.
**********************************
................ تابع
- ---------------------------------•
إثبات صفة العلو لله تعالى:
قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كُلِّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا " تدل على صفة العلو لله تعالى، قال تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} (طه: 5). أي علا وارتفع.
وقد جاء رجل إلى الإمام مالك رحمه الله تعالى فسأله: يا أبا عبد الله ? الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ? (طه: 5)، فكيف استوى؟ فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء - أي: العرق - ثم قال: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعًا"، فأمر به أن يخرج (1).
ومن جملة أدلة صفة العلو لله تعالى، قوله تعالى: {وهو العلي العظيم} (البقرة: 255)؛ {سبح اسم ربك الأعلى} (الأعلى: 1)
وإثبات الفوقية لله تعالى، قال سبحانه: {وهو القاهر فوق عباده} (الأنعام: 18)، وقال سبحانه: {يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون} (النحل: 50).
ونزول الأشياء، مثل قوله: {يدبر الأمر من السماء إلى الأرض} (السجدة: 5)، {إنا نحن نزلنا الذكر} (الحجر: 9) وما أشبه ذلك.
وصعود الأشياء إليه، مثل قوله: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} (فاطر: 10) ومثل قوله: {تعرج الملائكة والروح إليه} (المعارج: 4).
وكونه سبحانه في السماء، مثل قوله: {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض} (الملك: 16).
وفي حديث الجارية التي قال لها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أين الله؟ قالت: في السماء. فقال: " من أنا؟ " قالت: رسول الله. فقال لصاحبها: " أعتقها، فإنها مؤمنة" (2).
وقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لسعد رضي الله عنه: " لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات " رواه البخاري.
وحديثُ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رَضِيَ اللهُ عنه مرفوعًا: "أَلَا تَأْمُنونِي وَأَنا أَمينُ مَن في السَّماءِ؟ " متفق عليه.
وحديثُ عُروجِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى السَّماءِ وفَرْضِ الصَّلاةِ هناك، وهو حديثٌ طويلٌ مشهورٌ (3).
وقال المُزَنيُّ صاحِبُ الشَّافعيِّ في وَصفِ اللهِ تعالى: "عالٍ على عَرْشِه في مَجْدِه بذاتِه، وهو دانٍ بعِلْمِه من خَلْقِه، أحاط عِلمُه بالأمورِ، وأنفَذَ في خَلْقِه سابِقَ المقدورِ، وهو الجوادُ الغَفورُ، {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} (غافر:19) (4).
والعُلُوُّ ثلاثةُ أقسامٍ:
1 - عُلُوُّ الشأن والقدر والمكانة.
2 - عُلُوُّ قَهْرٍ. قال تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ}.
3 - عُلُوُّ فَوْقِيَّةٍ (عُلُوُّ المكان)، {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}.
السماء الدنيا هي أقرب السماوات للأرض:
قوله صلى الله عليه وسلم" يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كُلِّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا" والسماء الدنيا هي القريبة، قال الله - تعالى-: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ}. والمصابيح هي النجوم.
وقال الله -تعالى-: {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَآءَ الدُّنيا بِزِينَةٍ الكَوَاكِبِ}، فالكواكب هي من السماء الدنيا.
الثلث الأخير من الليل أفضل الليل:
قوله صلى الله عليه وسلم: " حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخَرُ " دليل على أفضلية الثلث الأخير من الليل على سائر الليل، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} (الذاريات: 18).
وَقَالَ: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} (آل عمران: 17).
وعَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُحْيِي اللَّيْلَ ثُمَّ يَقُولُ: يَا نَافِعُ أَأَسْحَرْنَا؟، فَأَقُولُ: لَا فَيُعَاوِدُ الصَّلَاةَ، فَإِذَا قُلْتُ: نَعَمْ، قَعَدَ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَيَدْعُو حَتَّى يُصْبِحَ (5) ".
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ وَمُجَاهِدٍ: {وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} (الذاريات: 18) قَالَا: يُصَلُّونَ " (6)
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة وذلك أفضل. رواه مسلم وغيره.
وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَخْرُجُ مِنْ نَاحِيَةِ دَارِهِ مُسْتَخْفِيًا وَيَقُولُ: " اللَّهُمَّ دَعَوْتَنِي فَأَجَبْتُكَ، وَأَمَرْتَنِي فَأَطَعْتُكَ، وَهَذَا السَّحَرُ فَاغْفِرْ لِي، فَقِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ قَوْلَكَ: وَهَذَا السَّحَرُ فَاغْفِرْ لِي؟، فَقَالَ: إِنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ سَوَّفَ بَنِيهِ أَخَّرَهُمْ إِلَى السَّحَرِ (7) ".
وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ فِي قَوْلِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَبَيْنَهُ: {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي} (يوسف: 98) قَالَ: أَخَّرَهُمْ إِلَى السَّحَرِ ... " (8).
فضل الدعاء وسؤال الله الحاجات:
وهذا مستفاد من قوله تعالى في الحديث: " مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ "، فالدعاء فضله كبير وشأنه عظيم، أمر الله به،
قال سبحانه: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} (غافر:60)، وقال: {ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} (الأعراف: 55)، وقال: {قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبّى لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ} (الفرقان: 77)، وقال تعالى: {وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} (الأعراف: 29).
وأخرج أحمد والبخاري في الأدب المفرد والترمذي وحسنه الألباني عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يسأل الله يغضب عليه".
لا تسألن بُنيَّ آدم حــــــاجةً .... وسلِ الذي أبوابُه لا تحجَب
اللهُ يغضبُ إن تركتَ سؤالَه .... وبُنَيُّ آدمَ حين يُسأل يغضَب
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن الدعاء ليلقى البلاء، فيعتلجان إلى يوم القيامة " [أخرجه الحاكم وحسنه الألباني].
وعن ثوبان مولى رسول الله أنه صلى الله عليه وسلم قال: " ولا يرد القدر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر " [أخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم وحسنه الألباني].
وقال صلى الله عليه وسلم: "إن ربكم تبارك وتعالى حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً خائبتين" [رواه أبوداود والترمذي وحسنه].
_________________
(1) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات: (2/ 305 - 306).
(2) أخرجه مسلم (537) من حديثِ معاويةَ بنِ الحَكَمِ السُّلَميِّ رَضِيَ اللهُ عنه.
(3) أخرجه البخاري (3207)، ومسلم (164) من حديث مالك بن صعصعة رضي الله عنه.
(4) يُنظر: "شرح السنة" (ص: 75).
(5) مختصر قيام الليل لمحمد بن نصر المروزي ص 96.
(6) مختصر قيام الليل ص 96.
(7) السابق.
(8) مختصر قيام الليل ص 96.
................ تابع
- ---------------------------------•
فضل الاستغفار:
لقوله تعالى كما حكى النبي صلى الله عليه وسلم " مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ " والاستغفار هو طلب المغفرة من الله تعالى، وهو سؤال الله سبحانه أن يستر الذنوب، وأن لا يعاقب عليها. وهو مقرون بالتوبة، والله تعالى من أسمائه الحسنى الغفور والغفار والغافر، وهي تدل على صفات حقيقة لله تعالى.
قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا}.
وقوله: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ} (آل عمران: 135).
وقوله سبحانه: { يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (الزمر: 53).
وفي الحديث القدسي: " يَا عِبَادِي: إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ". [أخرجه مسلم]
وعن الأغر المزني رَضيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر اللَّه في اليوم مائة مرة" رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
- وعن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال سمعت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: "والله إني لأستغفر اللَّه وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة" رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
- وعنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب اللَّه تعالى بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون اللَّه فيغفر لهم" رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: علِّمني دعاءً أدعو به في صلاتي، قال: قل "اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرةً من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم " رواه البخاري (799) ومسلم (2705).
وعن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو بهذا الدعاء "رب اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري كله وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي خطاياي وعمدي وجهلي وهزلي وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير ". رواه البخاري (6035) ومسلم (2719).
- وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: "إنَّ المؤمن إذا أذنَب كانت نُكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزَع واستغفَر، صُقِل قلبُه، فإن زاد زادَت؛ فذلك الرَّانُ الذي ذكَره الله في كتابه: "كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ" (المطففين: 14) [ابن ماجه (3441)].
- وعن ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قال: كنا نعد لرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المجلس مائة مرة "رب اغفر لي وتب عليّ إنك أنت التواب الرحيم" [رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ وَالْتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيْثٌ صحيح].
- وعن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "من لزم الاستغفار جعل اللَّه له من كل ضيق مخرجاً، ومن كل هم فرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب" [رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ].
- وعن ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "من قال أستغفر اللَّه الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، غفرت ذنوبه وإن كان قد فرّ من الزحف" [رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ وَالْتِّرْمِذِيُّ والحاكم وقال حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم].
- وعن شداد بن أوس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت؛ من قالها في النهار موقناً بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة" رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
( أبوء) بباء مضمومة ثم واو وهمزة ممدودة ومعناه: أقر وأعترف.
روى أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة، فإن الله لا مستكره له". البخاري ومسلم
- وعن ثوبان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال كان رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً وقال:" اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام" قيل للأوزاعي، وهو أحد رواته: كيف الاستغفار قال: يقول أستغفر اللَّه أستغفر اللَّه. [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
وحديث أبي هُرَيرة - رضِي الله عنه - في البخاريِّ قال: سمعتُ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال:" إنَّ عبدًا أصابَ ذنبًا - وربما قال: أذنب ذنبًا - فقال: ربِّ، أذنبتُ - وربما قال: أصبتُ - فاغفر لي، فقال ربه: أعلِم عبدي أنَّ له ربًّا يغفر الذنب ويأخُذ به؟ غفرت لعبدي ... " الحديث [متفق عليه].
وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه، والنسائي " وصححه الألباني عن عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، قال: كُنْتُ إِذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا نَفَعَنِي اللهُ بِمَا شَاءَ أَنْ يَنْفَعَنِي بِهِ، وَإِذَا حَدَّثَنِي غَيْرُهُ اسْتَحْلَفْتُهُ، فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدَّقْتُهُ، فَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ، وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "لَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَيَقُومُ فَيَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللهَ إِلَّا غَفَرَ اللهُ لَهُ".
- وعن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالت: كان رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يكثر أن يقول قبل موته: "سبحان اللَّه وبحمده، أستغفر اللَّه وأتوب إليه" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
- وعن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال سمعت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ، وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً " رَوَاهُ الْتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيْثٌ حَسَنٌ غريب.
(عَنان السماء) قيل هو: السحاب، وقيل هو: ما عنّ لك منها: أي ظهر.
و (قراب الأرض) بضم القاف، وروي بكسرها والضم أشهر وهو: ما يقارب ملأها.
- وعن ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "يا معشر النساء تصدقن وأكثرن من الاستغفار؛ فإني رأيتكن أكثر أهل النار" قالت امرأة منهن: ما لنا أكثر أهل النار قال: "تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن" قالت: ما ناقصات العقل والدين قال: "شهادة امرأتين بشهادة رجل، وتمكث الأيام لا تصلي" رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَمِنْ فَوَائِدِ الاسْتِغْفَارِ:
أَنَّهُ يَدْفَعُ العُقُوبَةَ وَيَرْفَعُ الْعَذَابَ: قال تعالى: { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ }، وَأَنَّهُ يَجْلِبُ الخير وَالْمَتَاعَ الْحَسَنَ؛ قَالَ تَعَالَى: { وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ }.
وَمِنْ فَوَائِدِ الاسْتِغْفَارِ:
زِيَادَةُ الْمَالِ والولد، قال تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا. يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا. وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا}.
وقال الله تعالى حِكاية عن سيدنا هود عليه الصلاة والسلام: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ} (هود: 52).
وَشُرِعَ الاِسْتِغْفَارُ بَعْدَ الإِفَاضَةِ مِنْ عَرَفَةَ وَالْفَرَاغِ مِنَ الْوُقُوفِ بِهَا؛ قَالَ تَعَالَى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.
وشرع الاستغفار دبر الصلوات المكتوبات، فكان صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر الله ثلاثاً، وقال: "اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام" [رواه البخاري ومسلم من حديث ثوبان رضي الله عنه].
قيل للأوزاعي: كَيْفَ الْاسْتِغْفَارُ؟ قَالَ: تَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ، أَسْتَغْفِرُ اللهَ " [أخرجه مسلم].
ومن فوائد الاستغفار تكفير ذنوب المجالس:
فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ" [أخرجه الترمذي وأحمد، وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه الألباني].
الاستغفار وتيسير الصعاب والشدائد:
فهذا شيخ الإسلام ابن تيميَّة كما يقول تلميذه ابن القيِّم - رحمه الله -: "وشَهِدتُ شيخَ الإسلام ابنَ تيميَّة - رحمه الله - إذا أعيَته المسائل واستعصَتْ عليه، فَرَّ منها إلى التوبة والاستغفار والاستعانة بالله واللجوء إليه، واستِنزال الصوابِ من عنده، والاستفتاح من خَزائن رحمته، فقلَّما يلبَثُ المددُ الإلهي أنْ يَتتابَع عليه مَدًّا، وتَزدلِف الفتوحات الإلهيَّة إليه، بأيَّتهنَّ يبدأ" [إعلام الموقعين" (4/ 172)].
وشكا رجل إلى الحسن الجدوبة فقال له: استغفر الله، وشكا آخر إليه الفقر فقال له: استغفر الله، وقال له آخر: ادع الله أن يرزقني ولداً؛ فقال له: استغفر الله، وشكا إليه آخر جفاف بستانه فقال له: استغفر الله، فقلنا له في ذلك؟ فقال: ما قلت من عندي شيئاً؛ إن الله تعالى يقول في سورة نوح: " استغفروا ربكم إنه كان غفاراً. يرسل السماء عليكم مدراراً. ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً " " تفسير القرطبي " (18/ 301 - 303) باختصار.
وأخرج الطبراني في المعجم الأوسط برقم (839) وحسنه الألباني عن الزبير بن العوام - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من أحب أن تسرُّه صحيفته فليكثر من الاستغفار".
وروى ابن ماجه وصححه الألباني عن عبد الله بن بسر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا ".
يقول ابن القيم: سألت شيخ الإسلام ابن تيمية فقلت:
يسأل بعض الناس أيما أنفع للعبد: التسبيح أم للاستغفار؟ فقال: "إذا كان الثوب نقيًا فالبخور وماء الورد أنفع له، وإن كان دَنسًا فالصابون والماء أنفع له". [ذكرها ابن القيم في الوابل الصيب ص (124)].
هذا ما تيسر والله وحده من وراء القصد
والله الموفق
الدر المعقود بشرح سنن أبي داود
أبو عاصم البركاتي الأثري المصري