الإشعارات
مسح الكل

شرح سنن ابي داود، الحديث رقم (7)


(@user526820)
Prominent Member
انضم: مند 8 أشهر
المشاركات: 323
بداية الموضوع  

شرح سنن أبي داود الحديث رقم (7)

4- باب كَرَاهِيَةِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ.
7 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ (1) حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ (2) عَنِ الأَعْمَشِ (3) عَنْ إِبْرَاهِيمَ (4) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ (5) عَنْ سَلْمَانَ قَالَ قِيلَ لَهُ لَقَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ كُلَّ شَىْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ. قَالَ أَجَلْ لَقَدْ نَهَانَا -صلى الله عليه وسلم- أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ وَأَنْ لاَ نَسْتَنْجِىَ بِالْيَمِينِ وَأَنْ لاَ يَسْتَنْجِىَ أَحَدُنَا بِأَقَلَّ مِنْ ثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ أَوْ يَسْتَنْجِىَ بِرَجِيعٍ أَوْ عَظْمٍ.
•---------------------------------•
 قوله "كراهية اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ" المكروه لغة: المبغض
واصطلاحا: ما نهي عنه نهيا غير جازم.
فتركه أولى من فعله؛ وقسمه بعض الأصوليين إلى قسمين: مكروه تنزيهي ومكروه تحريمي.
والأخير يلحق بالمحرم؛ ويسمى مكروها على وجه الحظر والتحريم.
 [تخريج الحديث]:
أخرجه مسلم (262) وأحمد (23703) (23708) (23713) (23719) والنسائي في الكبرى (40) وابن ماجة (316) و الدارقطني (40) وابن الجارود في المنتقى (29) من طريق الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ به.
والأعمش مدلس ولكن تابعه منصور عن إِبْرَاهِيمَ به ... أخرجه مسلم.
وعند أحمد (23703) وابن ماجة والدارقطني زيادة " قال له بعض المشركين وهم يستهزئون".
[درجة الحديث]: صحيح.
[تراجم رجال الإسناد]:
(1) مُسَدّد بن مسرهد ثقة حافظ.
(2) محمد بن خازم مولى بني سعد بن زيد مناة بن تميم، الإمام الحافظ الحجة أبو معاوية السعدي الكوفي الضرير، أحد الأعلام.
وثقه النسائي والعجلي.
(3) سليمان بن مهران الأسدى  أبو محمد الكوفى الأعمش ثقة حافظ عارف بالقراءات، ورع، لكنه يدلس، ولد في 61 هـ، من صغار التابعين، توفي في: 147 أو 148 هـ، روى له: (البخاري و مسلم وأبو داود و الترمذي والنسائي وابن ماجه).
(4) إِبْرَاهِيْم النَّخَعِيّ، أبو عمران، إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي، اليماني ثم الكوفي، أحد الأعلام.
(5) عبد الرحمن بن يزيد ابن قيس، الإمام الفقيه أبو بكر النخعي، وثقه يحيى بن معين، وغيره. مات بعد الثمانين.
[غريب الحديث]:
(1) الْخِرَاءَةَ: (الخراءة) في النهاية الخراءة بالكسر والمد التخلي والقعود للحاجة. قال الخطابي وأكثر الرواة يفتحون الخاء. وقال الجوهري إنما الخراءة بالفتح والمد. يقال خرئ مثل كره كراهة. ويحتمل أن يكون بالفتح المصدر وبالكسر الاسم.
والخراءة مصدر لفعل خرأ وتعني التبرز وما شابه ذلك من مرادفات.
(2) نَسْتَنْجِىَ: الاستنجاء هو إزالة أثر ما خرج من أحد السبيلين بماء أو حجر ونحوه، أو هو إزالة النجاسة بالأحجار أو ما يقوم مقامها من الأشياء الطاهرة، قال الإمام النووي في شرح مسلم: وذهب العلماء كافة من الطوائف كلها إلى أن الحجر ليس متعيناً؛ بل تقوم الخرق والخشب وغير ذلك مقامه.
وقال الإمام النووي رحمه الله في المجموع: الاستطابة والاستنجاء والاستجمار عبارات عن إزالة الخارج من السبيلين عن مخرجه، فالاستطابة والاستنجاء يكونان تارة بالماء وتارة بالأحجار، والاستجمار يختص بالأحجار، مأخوذاً من الجمار وهي الحصى الصغار.
قال العراقي في طرح التثريب: هذا هو الصحيح الذي قاله جمهور اللغويين والفقهاء والمحدثين.
والاستجمار يغني عن الاستنجاء، والجمع بين الاستجمار بالأحجار والاستنجاء بالماء أفضل، وهذا مذهب الجمهور ومنهم الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة.
(3) رجيع: (رجيع) هو الخارج من الإنسان أو الحيوان. يشمل الروث والعذرة. سمي رجيعا لأنه رجع من حالته الأولى فصار ما صار بعد أن كان علفا أو طعاما.
[ما يستفاد من الحديث]:
(1) كمال الشرع وتمام النعمة وهذا من الأدلة الدامغة على كمال الشريعة، وإضافة إلى ما مضى فقد نص الله تعالى في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه على كمال هذه الشريعة، ودلت تفاصيلها الواردة في الكتاب والسنة على أنها شريعة كاملة قال تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}.سورة المائدة: 3.
و منها قوله تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين}. آل عمران: 19.
ومنها قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا}. [النساء: 58 - 59].
ومن ذلك وصف كتابه الذي هو المصدر الأول لشريعته بأنه هدى، وأنه يهدي للتي هي أقوم، كما في قوله تعالى: {أ لم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين}. [البقرة: 1].
وقوله تعالى: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم}. [الإسراء:  9].
(2) أمر الله تعالى بطهارة الثوب والبدن وغيرهما من نجاسة الخبث كالبول والغائط، فقال سبحانه وتعالى (وثيابك فطهر) وقال تعالى: {لا تقم فيه أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة:108].
وقال تعالى: {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة:222].
وأمر سبحانه وتعالى بالطهارة من الحدث فقال سبحانه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا} [المائدة:6].
وقال سبحانه وتعالى عن كتابه الكريم (لا يمسه إلا المطهرون) واستفاض في سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - الأمر بالطهارة والحث عليها قولاً وعملاً، ولا شك أن الطهارة لغة هي: النظافة. والمعنى الشرعي لها يؤدي إلى المقصود من المعنى اللغوي.
(3) يجبُ الاستنجاءُ لكُلِّ خارج إِلا الريحَ، قال الإمام أحمد: (الاستنجاء من الريح ليس له أصل في الكتاب ولا في السنة وإنما فيه الوضوء).
وعدم الاستنجاء سبب لعذاب القبر، فقد روى البخاري (216) ومسلم (292) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ أَوْ مَكَّةَ، فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، ثُمَّ قَالَ: بَلَى، كَانَ أَحَدُهُمَا لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وَكَانَ الآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، ثُمَّ دَعَا بِجَرِيدَةٍ فَكَسَرَهَا كِسْرَتَيْنِ، فَوَضَعَ عَلَى كُلِّ قَبْرٍ مِنْهُمَا كِسْرَةً. فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ تَيْبَسَا، أَوْ إِلَى أَنْ يَيْبَسَا).
وفي رواية لمسلم (لا يَسْتَنْزِهُ عَنْ الْبَوْلِ أَوْ مِنْ الْبَوْلِ).
وفي رواية للنسائي (2068) (لا يَسْتَبْرِئُ مِنْ بَوْلِهِ) وصححها الألباني في "صحيح النسائي".
قال النووي:
" وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يستتر من بوله) فروى ثلاث روايات: (يستتر) بتائين , و (يستنزه) بالزاي والهاء , و (يستبرئ) بالباء والهمزة، وكلها صحيحة , ومعناها: لا يتجنبه ويتحرز منه.
[انظر "شرح مسلم" (3/ 201) باختصار].
وقال الحافظ ابن حجر:
قوله: (لا يستتر) كذا في أكثر الروايات , وفي رواية ابن عساكر: (يستبرئ)، ولمسلم وأبي داود في حديث الأعمش: (يستنزه).
فعلى رواية الأكثر معنى " الاستتار " أنه لا يجعل بينه وبين بوله سترة يعني: لا يتحفظ منه , فتوافق رواية لا يستنزه؛ لأنها من التنزه وهو الإبعاد , وقد وقع عند أبي نعيم في المستخرج من طريق وكيع عن الأعمش: (كان لا يتوقى) وهي مفسرة للمراد، وأجراه بعضهم على ظاهره فقال: معناه لا يستر عورته. . .
وأما رواية " الاستبراء " فهي أبلغ في التوقي.
قال ابن دقيق العيد: لو حمل الاستتار على حقيقته للزم أن مجرد كشف العورة كان سبب العذاب المذكور, وسياق الحديث يدل على أن للبول بالنسبة إلى عذاب القبر خصوصية , يشير إلى ما صححه ابن خزيمة من حديث أبي هريرة مرفوعا: (أكثر عذاب القبر من البول) أي: بسبب ترك التحرز منه، قال: ويؤيده أن لفظ " مِنْ " في هذا الحديث لما أضيف إلى البول اقتضى نسبة الاستتار الذي عدمه سبب العذاب إلى البول , بمعنى أن ابتداء سبب العذاب من البول , فلو حمل على مجرد كشف العورة زال هذا المعنى , فتعين الحمل على المجاز لتجتمع ألفاظ الحديث على معنى واحد لأن مخرجه واحد، ويؤيده أن في حديث أبي بكرة عند أحمد وابن ماجه: (أما أحدهما فيعذب في البول)، ومثله للطبراني عن أنس.
["فتح الباري" (1/ 318)].
وقال الصنعاني:
ثم أخبر أن عذاب أحدهما ; لأنه كان لا يستنزه من البول , أو لأنه لا يستتر من بوله مِن الاستتار، أي: لا يجعل بينه وبين بوله ساتراً يمنعه عن الملامسة له , أو لأنه لا يستبرئ , من الاستبراء , أو لأنه لا يتوقاه , وكلها ألفاظ واردة في الروايات , والكل مفيد لتحريم ملامسة البول وعدم التحرز منه.["سبل السلام" (1/ 119، 120)].

(4) النهي عن استقبال القبلة ببول أو غائط أو استدبارها. وسيأتي إن شاء الله.
(5) النهي عن الاستنجاء باليمين، لما أخرجه البخاري (152) ومسلم عن أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء وإذا أتى الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه ولا يتمسح بيمينه.
والنهي للتنزيه، وهو قول الجمهور. حكاه ابن حجر.
وقال في الفتح: ومحل هذا الاختلاف حيث كانت اليد تباشر ذلك بآلة غيرها، كالماء وغيره، أما بغير آلة فحرام غير مجزئ بلا خلاف، واليسرى في ذلك كاليمنى، والله أعلم.
(6) النهي عن الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار، فمن اقتصر في الاستنجاء على الأحجار أو ما في معناها كالمناديل الورقية فلا بد له من استيفاء ثلاث مسحات في قول كثير من أهل العلم وهو مذهب الشافعية والحنابلة، فشرط حصول الاستجمار بالحجر وكونه مجزئا أمران: أحدهما الإنقاء، والثاني تكميل المسحات الثلاث، فإن لم ينق بالمسحات الثلاث وجب عليه أن يزيد حتى ينقي ثم يستحب له أن يقطع الاستجمار على وتر، وإن أنقى بما دون الثلاث وجب عليه تكميل المسحات الثلاث، ولا يجزيه ما دون ذلك ولا يكون بذلك مزيلا للنجاسة، وقد صرحوا بعدم إجزاء ما دون الثلاث كما قال في شرح المنتهى: ولا يجزئ في الاستجمار أقل من ثلاث مسحات إما بثلاثة أحجار ونحوها أو بحجر واحد له ثلاث شعب تعم كل مسحة المحل أي محل الخارج، لحديث جابر رضي الله عنه مرفوعا: إذا تغوط أحدكم فليمسح ثلاث مرات. رواه أحمد وهو يفسر حديث مسلم: لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار. انتهى.
فمن صلى باستجمار لم يستوف فيه العدد المطلوب فصلاته غير صحيحة لأن النجاسة لم يحكم بزوالها، واجتناب النجاسة شرط من شروط صحة الصلاة عند الجماهير، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة كما قدمنا، واستدلوا على ذلك بأحاديث صحيحة صريحة كحديث سلمان عند مسلم وفيه: ونهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار. وذهب مالك وداود إلى جواز الاقتصار على ما دون الثلاث إذا حصل الإنقاء لأن الإنقاء هو مقصود الشارع، وحملوا الأمر باستيفاء الأحجار الثلاثة على أن الإنقاء لا يحصل بدونها غالبا، وعلى مذهب الجمهور فإن من اقتصر على ما دون الثلاث لم يستنج الاستنجاء المأمور به شرعا، وهو كمن لم ينق المحل فإن كلا من استيفاء العدد والإنقاء شرط في إجزاء الاقتصار على الأحجار في الاستجمار، ومذهب الجمهور في هذه المسألة أرجح لقوة أدلته وكثرتها، ونحن نسوق هنا طرفا من كلام النووي في المجموع فقد أجاد كعادته في تفصيل الخلاف وسياق الأدلة قال رحمه الله: مذهبنا وجوب ثلاث مسحات وإن حصل الانقاء بدونها وبه قال أحمد واسحاق وأبو ثور، وقال مالك وداود الواجب الانقاء فإن حصل بحجر أجزأه وهو وجه لنا كما سبق وحكاه العبدرى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه وبه قال أبو حنيفة حيث أوجب الاستنجاء، واحتجوا بحديث أبي هريرة السابق: (من استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج). قالوا ولأن المقصود الانقاء ولأنه لو استنجى بالماء لم يشترط عدد فكذا الحجر، واحتج أصحابنا بحديث سلمان وهو صريح في وجوب الثلاث وبحديث أبي هريرة (وليستنج بثلاثة أحجار) وهما صحيحان سبق بيانهما. وبحديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن فإنها تجزئ عنه) وهو صحيح سبق بيانه في مسألة وجوب الاستنجاء وبحديث أبى هريرة: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بثلاثة أحجار وينهى عن الروث والرمة). رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه بأسانيد صحيحة. الرمة بكسر الراء العظم البالى، وبحديث خزيمة سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الاستطابة فقال (بثلاثة أحجار). رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والبيهقي ولم يضعفه أبو داود ولا غيره. وبحديث ابن مسعود (أتى النبي صلى الله عليه وسلم الغائط فأمرني ان آتيه بثلاثة أحجار فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجد فأخذت روثة فأتيته بها فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال إنها ركس). رواه البخاري هكذا.
ورواه أحمد والدارقطني والبيهقي في بعض رواياته زيادة فألقى الروثة وقال ائتنى بحجر. يعني ثالثا. وفي بعضها: ائتنى بغيرها. وبحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من استجمر فليوتر). رواه مسلم.
وفى رواية لأحمد والبيهقي: (إذا استجمر أحدكم فليستجمر ثلاثا).
قال البيهقى هذه الرواية تبين أن المراد بالايتار في الرواية الاولى ما زاد على الواحد، قال الخطابي في حديث سلمان: أمرنا أن نستنجي بثلاثة أحجار في هذا البيان الواضح أن الاقتصار على أقل من ثلاثة أحجار لا يجوز وإن حصل الانقاء بدونها ولو كفى الانقاء لم يكن لاشتراط العدد معنى فانا نعلم أن الانقاء قد يحصل بواحد وليس هذا كالماء إذا أنقى كفى لأنه يزيل العين والأثر فدلالته قطعية فلم يحتج إلى الاستظهار بالعدد وأما الحجر فلا يزيل الاثر وإنما يفيد الطهارة ظاهرا لا قطعا فاشترط فيه العدد. إلى آخر كلامه النفيس رحمه الله.

(7) النهي عن الاستنجاء بالرجيع والروث، فيشترط العلماء فيما يستنجى به: أن يكون طاهراً، فإن كان نجساً لم يجزئ الاستنجاء به، فإن أزال النجاسة بشيء نجس لم يجزئ، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: يجزئه؛ لأنه يجفف كالطاهر. يقول ابن قدامة: ولنا: (أن ابن مسعود رضي الله عنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بحجرين وروثة يستجمر بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: هذه ركس) رواه البخاري، وفي لفظ الترمذي: (قال: إنها ركس) يعني: نجسة. فهذا تعليم من النبي صلى الله عليه وسلم يجب المصير إليه، فعلل رفضه لاستعمال هذه الروثة بأنها نجسة، فيفهم من ذلك أن ما كان نجساً لا يجوز الاستجمار به. أيضاً: عملية الاستجمار أو الاستنجاء أو الاستطابة هي عبارة لإزالة النجاسة، فكيف تحصل إزالة النجاسة بالنجاسة؟! وهذا مثل أن يغسل إنسان ثوباً متنجساً بالبول! فإن استنجى بنجس لم يجزئه الاستجمار بعده؛ لأن المحل تنجس بنجاسة من غير المخرج، فلم يجزئ فيها غير الماء كما لو تنجس ابتداءً، ويحتمل أن يجزئه؛ لأن هذه النجاسة تابعة لنجاسة المحل فزالت بزوالها، وهذه المسألة فيها خلاف كما ذكر الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى. وهذه المسألة ذكرها الإمام النووي رحمه الله فقال: ذكرنا أنه لا يجوز الاستنجاء بنجس، هذا مذهبنا ومذهب جمهور العلماء، وجوزه أبو حنيفة وغيره. أي: جوز أبو حنيفة إزالة النجاسة بالروث. ثم يقول النووي: ودليلنا حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (اتبعت النبي صلى الله عليه وسلم حين خرج لحاجته فقال: أبغني أحجاراً أستنفض بها، ولا تأتني بعظم ولا روث) رواه البخاري. وعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: (وليستنج بثلاثة أحجار، ونهى عن الروث والرمة) والرِّمة: هي العظم البالي، والرُّمة هي الحبل، وبه سمي الشاعر ذو الرمة. وعن ابن مسعود رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم: (فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: إنها ركس). وعن سلمان قال: (نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروث والعظام) رواه مسلم. وعن جابر رضي الله عنه قال: (نهى رسول الله صلى الله وسلم أن يتمسح بعظم أو بعر) رواه مسلم. وعن أبي هريرة رضي الله عنه: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يستنجى بعظم أو روث وقال: إنهما لا يطهران) رواه الدارقطني وقال: إسناده صحيح. وحديث رويفع بن ثابت من الأحاديث الصريحة جداً في هذه المسألة قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا رويفع! لعل الحياة ستطول بك بعدي فأخبر الناس أن من عقد لحيته أو تقلد وتراً أو استنجى برجيع دابة أو عظم؛ فإن محمداً منه بريء) رواه أبو داود و النسائي، وقال الإمام النووي: هذا حديث إسناده جيد. وهنا مسألة ذكرها الماوردي قال: لو أحُرق عظم طاهر بالنار حتى تفحم وتغير حاله فهل يجوز الاستنجاء به؟ الجواب: عند الشافعية في هذه المسألة وجهان: أحدهما: يجوز الاستنجاء به؛ لأن النار أحالته وحولت طبيعته. الثاني: لا يجوز لعموم حديث النهي عن الرِّمة، والرِّمة هي العظم البالي، ولا فرق بين البالي بنار أو بمرور الزمان، وهذا الوجه الثاني صححه الإمام النووي رحمه الله تعالى.

(8) النهي عن الاستنجاء بالعظام، فقد روى مسلم في صحيحه عن عامر قال: سألت علقمة هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن قال: فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب فقلنا: استطير أو اغتيل؟ قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء قال: فقلنا: يا رسول الله، فقدناك فطلبناك فلم نجدك فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فقال: أتاني داعي الجن، فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم وسألوه الزاد، فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما وكل بعرة علف لدوابكم فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم.
فهذا الحديث المذكور وما في معناه برواياته المختلفة يدل على عدم جواز الاستنجاء بالعظم والروث، والعلة في النهي عن الاستنجاء بالروثة لأنها نجسة كما صح بذلك حديث آخر ولأنها علف دواب الجن كما في هذا الحديث.
وأما علة النهي عن الاستنجاء بالعظم، فلأنه طعام إخواننا المسلمين من الجن يجدونه أوفر ما يكون لحما، كما في الحديث المذكور سابقاً، وهذا في عظام المذكاة أما عظام الميتة فلأنها نجسة وهي زاد الكفار من الجن كما ذكره بعضهم جمعاً بين الحديث المذكور ورواية أبي داود: كل عظم لم يذكر اسم الله عليه.

[ كتبه/ أبو عاصم الشحات شعبان محمود البركاتي الأثري ]



   
اقتباس
شارك: