نص الحديث:
قال رسول الله ﷺ:
«وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً».
ترجمة الراوي
أبو هريرة رضي الله عنه
هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي اليماني. أسلم عام خيبر، ولازم النبي ﷺ ملازمة تامة، فحفظ عنه ما لم يحفظه غيره، حتى صار أكثر الصحابة رواية للحديث.
قال الإمام الشافعي: «أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره».
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء: «الإمام، الحافظ، الفقيه، صاحب رسول الله ﷺ، المتفق على إمامته وعدالته».
وقد أجمع أهل السنة على عدالته وضبطه، وردوا على من طعن فيه من أهل البدع، وبينوا فساد طعنهم في كتب الجرح والتعديل.
تخريج الحديث مع ذكر الإسناد كاملًا وشرح رجاله
تخريج الحديث
أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، قال:
حدثنا آدم بن أبي إياس، قال: حدثنا شعبة، قال: حدثنا قتادة، قال: سمعت أبا العالية، قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ:
«والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة».
وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه من طرق أخرى عن أبي هريرة رضي الله عنه، بلفظ:
«يا أيها الناس توبوا إلى الله، فإني أتوب في اليوم إليه مائة مرة».
شرح رجال الإسناد وبيان عدالتهم
1- آدم بن أبي إياس العسقلاني
ثقة حافظ، من كبار شيوخ البخاري.
قال ابن معين: «ثقة».
وقال ابن حجر في التقريب: «ثقة ثبت».
2- شعبة بن الحجاج
أمير المؤمنين في الحديث.
قال أحمد بن حنبل: «شعبة أحسن الناس حديثًا».
وقال ابن المديني: «له نحو من ألف حديث لا يُسأل عن إسنادها».
متفق على إمامته وضبطه.
3- قتادة بن دعامة السدوسي
ثقة حافظ، إمام في التفسير والحديث.
قال ابن حجر: «ثقة ثبت، لكنه مدلس».
وقد صرح بالسماع في هذا الحديث، فانتفى احتمال التدليس.
4- أبو العالية الرياحي
هو رفيع بن مهران، ثقة مخضرم.
قال العجلي: «ثقة من كبار التابعين».
وقال ابن حجر: «ثقة».
5- أبو هريرة رضي الله عنه
صحابي جليل، والصحابة كلهم عدول باتفاق أهل السنة، كما نص عليه ابن الصلاح والنووي وغيرهما.
حكم الحديث:
حديث صحيح ، مخرج في الصحيحين، متصل الإسناد، رجاله كلهم ثقات أئمة.
معاني الكلمات الغريبة
والله: قسم لتأكيد الخبر وإظهار أهميته.
لأستغفر: أطلب المغفرة، وهي ستر الذنب والتجاوز عنه.
وأتوب إليه: أرجع إليه بالطاعة والانكسار.
أكثر من سبعين مرة: المراد الكثرة والمداومة، لا الحصر العددي.
شرح الحديث شرحًا مفصلًا
يبين النبي ﷺ حاله مع ربه، مع كونه المعصوم المغفور له، فهو أكثر الناس استغفارًا وتوبة.
قال ابن حجر في فتح الباري: «استغفاره ﷺ مع عصمته إما لبيان العبودية، أو لرفع الدرجات، أو لشعوره بالتقصير في حق الله تعالى».
وفي الحديث ردٌّ على من يترك الاستغفار بحجة السلامة من الذنوب، فإن النبي ﷺ مع كماله وعلو درجته كان يداوم عليه.
سبب ورود الحديث
لم يثبت سبب خاص لورود الحديث، ولم يذكره أصحاب كتب السنن ولا شراح الصحيحين، فيبقى على عمومه في بيان حال النبي ﷺ في عبادته.
الفروع الفقهية المستنبطة من الحديث
الفرع الأول: استحباب الإكثار من الاستغفار
قال النووي في الأذكار: «أجمع العلماء على استحباب الاستغفار، والإكثار منه في جميع الأوقات».
ولم يُنقل خلاف بين الفقهاء في ذلك.
الفرع الثاني: مشروعية التوبة المستمرة ولو لم يقع ذنب ظاهر
قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم: «التوبة واجبة على الدوام، لأن العبد لا يخلو من تقصير».
وهذا متفق عليه بين أهل العلم.
الفرع الثالث: استغفار النبي ﷺ لا يدل على وقوع الذنب
قال القاضي عياض في الشفا: «استغفار النبي ﷺ ليس عن ذنب، وإنما هو عبادة وزيادة قرب».
وقد انعقد الإجماع على عصمته ﷺ.
الفرع الرابع: جواز ذكر الأعداد في الأذكار دون التزامها
قال ابن حجر في فتح الباري: «الأعداد الواردة في الأذكار محمولة على التقريب لا التحديد إلا بدليل».
وهذا مذكور في كتب الفقه والحديث، ولم يُعرف فيه خلاف معتبر.
الدروس التربوية والأخلاقية المستفادة من الحديث
تعظيم شأن التوبة والاستغفار في تزكية النفوس.
الاقتداء بالنبي ﷺ في دوام العبودية لله.
بيان أن القرب من الله لا يُغني عن الاستغفار.
تربية النفس على الشعور بالتقصير مهما بلغ العمل.
الحث على المداومة على الذكر دون انقطاع.
---