قِيلَ لِلشَّعْبِيِّ رحمه الله: «مِنْ أَيْنُ لَكَ هَذَا الْعِلْمُ كُلُّهُ؟» قَالَ:
«بِنَفْي الِاعْتِمَادِ، وَالسَّيْرِ فِي الْبِلَادِ، وَصَبْرٍ كَصَبْرِ الْحِمَارِ، وَبُكُورٍ كَبُكُورِ الْغُرَابِ».
وكان من شدة حرصهم على العلم ومجالسه أنك تجدهم يَعْدُون (يركضون) في الطرقات كأنهم مجانين، ولذلك يقول الإمام شُعبة بن الحجاج رحمه الله:
«مَا رَأَيْتُ أَحَدًا قَطُّ يَعْدُو إِلَّا قُلْتُ: مَجْنُونٌ، أَوْ صَاحِبُ حَدِيثٍ!».
استخدم الإمام الشعبي تشبيهات بيئية قاسية ليوصل فكرة مجاهدة النفس في طلب المعالي:
«بِنَفْي الِاعْتِمَادِ»: أي عدم الاتكال التام على الكتب دون شيوخ، أو عدم الاعتماد على كسل النفس والراحة، ونفي الاعتماد على الخلق والتوكل التام على الله سبحانه.
«وَالسَّيْرِ فِي الْبِلَادِ»: الرحلة في طلب العلم، والانتقال من شيخ إلى شيخ ومن بلد إلى بلد لتحصيل الفوائد وتحقيق المسائل.
«وَصَبْرٍ كَصَبْرِ الْحِمَارِ»: تشبيه بليغ في تحمل المشاق؛ فالجسم والبدن يجهد ويتعب في السير الطويل والكتابة والنسخ والتحمل، ويحتاج طالب العلم إلى صبر صلب لا ينكسر أمام التعب والنصب.
«وَبُكُورٍ كَبُكُورِ الْغُرَابِ»: البكور هو الاستيقاظ والخروج في أول الفجر والصباح الباكر، والعرب تضرب المثل بالغراب في بكوره وشدة حذره وسعيه الباكر في طلب رزقه. وهي تطبيق للبركة التي دعا بها النبي ﷺ لأمته في بكورها.