نستعرض اليوم نموذجاً حياً ومذهلاً لـ "علو الهمة في قراءة كتب الحديث في أيام قليلة"، وهو ما جاء في ترجمة الإمام المحقق المجد الفيروزآبادي (رحمه الله)، صاحب القاموس المحيط، الذي يعطينا درساً عملياً في كيفية استغلال الساعات وتوجيه كامل الطافة الفكرية نحو معالي الأمور.
فقد جاء في سيرته أنه قرأ كتاب «صحيح مسلم» كاملاً في ثلاثة أيام فقط في مدينة دمشق، وضبطه على كبار علماء عصره، وأنشد مفتخراً بهذا التوفيق الإلهي قائلاً:
قَرَأْتُ بِحَمْدِ اللهِ جَامِعَ مُسْلِمِ ... بِجَوْفِ دِمَشْقِ الشَّامِ جَوْفِ الْإِسْلَامِ عَلَى نَاصِرِ الدِّينِ الْإِمَامِ ابْنِ جَهْبَلٍ ... بِحَضْرَةِ حُفَّاظٍ مَشَاهِيرَ أَعْلَامِ وَتَمَّتْ بِتَوْفِيقِ الْإِلَهِ وَفَضْلِهِ ... قِرَاءَةُ ضَبْطٍ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامِ
«بِجَوْفِ دِمَشْقِ الشَّامِ جَوْفِ الْإِسْلَامِ»: يحدد مكان القراءة؛ وهي دمشق التي كانت منارةً لحفظ الحديث النبوي ومركزاً علمياً شامخاً للأمة الإسلامية.
«عَلَى نَاصِرِ الدِّينِ الْإِمَامِ ابْنِ جَهْبَلٍ»: يُبين التلقي والمشافهة؛ فلم تكن القراءة قراءة ذاتية عابرة في البيت، بل كانت قراءة مستمع ومجيز على أحد أكابر علماء وأئمة العصر (ابن جهبل).
«بِحَضْرَةِ حُفَّاظٍ مَشَاهِيرَ أَعْلَامِ»: توثيق المجلس؛ حيث تم الختم في مجلس علمي مهيب يعج بأكابر حفاظ الحديث الشاهدين على هذا الإنجاز والضبط.
«قِرَاءَةُ ضَبْطٍ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامِ»: هنا يكمن الشاهد التربوي؛ فكلمة "ضبط" تعني التدقيق الشديد في الكلمات والحركات والأسانيد دون استعجال يخل بالمعنى، ورغم ذلك تم إنجاز آلاف الأحاديث في 72 ساعة فقط!